“سَلام الرَّاسي” والأدب الحلقة الأولى {السِّيرة والمسيرة}

Spread the love

الدكتور وجيه فانوس
(رئيس المركز الثقافي الإسلامي)

وُلِدَ سَلام الرَّاسي(1) سنة 1911، في أبل السَّقي؛ وهي قريَّة في لبنان الجنوبيِّ، قريبة من الحدود اللبنانيَّة مع المناطق الشماليَّة من فلسطين. كان والده، يُوَاكيم الرَّاسي، مُبَشِّراً بروتستانتيَّاً، يسعى إلى خدمة النَّاس من خلال كنيسته، ومُدرِّساً لأبناء المنطقة، على اختلاف طوائفهم الدينيَّة وتوجهاتهم السياسيَّة(2). ولقد تمكَّن هذا الوالد من أن يَبُثَّ في نفوس أبنائه حب العلم وعشق الثقافة، فنشأ هؤلاء على التَّعلُّق بجمال المعرفة والتمسُّك بخيراتها(3). وكان لسلام أن ينطلق في دروب الحياة، من هذه البيئة المُشبعة بعبق ريف جنوب لبنان؛ حيث للثقافة والأدب والانتماء السِّياسي خصوصياتهم المميِّزة والمؤثِّرة في بناء شخصيَّات ناس تلك المنطقة وصَوْغِ كثيرٍ من مناحي توجُّهاتهم المُستقبليَّة. الحفاوة بالشِّعر والاهتمام بالأدب والعناية بالمَقولِ الجميل شكَّلوا نسيجاً تَسَرْبَلَ به عقل سلام الرَّاسي وتَجَلْبَبَ به لسانه الفصيح. والاهتمام بالنَّاس، كل النَّاس، على كل ما يمكن أن يكون بينهم من اختلاف أو تغاير، شكَّل توجُّه سلام الرَّاسي في مسلكيَّة حياته وسياسة عمره. فوجد في “الآخر” مساحة رحبة خصبة لعيش الوجود، وصار الوجود بالنسبة إليه عيشاً للآخر في حميميَّة الذات، وسعياً للوصول إليه ومخاطبته وممارسة الثقافة والأدب والانتماء عبره وبه. وظلَّ سلام الرَّاسي متمسكاً بهذه الرؤيا للوجود، يتنقَّل بها في مسالك الحياة، الحلو منها والمر، طيلة عمره المديد؛ حتَّى كان له أن يُغادر الدُّنيا (4)يوم 28/4/2003، معتزَّاً بما عاشه، مُكرَّماً مِمَّن عايشوه، مُغْنِياً ثقافة أمته، ومُثْرِياً أدبها، ومُمَيِّزاً وجوده فيها بعطاءٍ كبير خَوَّلَهُ أن يكون، بإجماع معاصريه، فضلاً عن دارسيه الأكاديميين، “شيخاً للأدب الشعبي في لبنان”(5) ورائداً من رواد التَّفاعل الحي مع التُّراث الأدبي الشعبي في العالم العربي.

الأستاذ سلام الراسي


بدأ الرَّاسي حياته مُثقَّفاً شبه عاطل عن العمل، إذ انتسب سنة 1934 ولسنة دراسيَّة واحدة إلى المدرسة الزراعيَّة التَّابعة للجامعة الأميركيَّة في بيروت، ثم انصرف إلى نظم الشعر ومخالطة أهل الثقافة والأدب في زمانه(6)، مستغرقاً في كثير من شؤون سياسة ذلك الزَّمن عبر حماسه لمجموعات الحزب الشيوعي في منطقته(7)؛ غير أنَّه استقرَّ، في منتصف عمره، موظفاً في إحدى الإدارات التي تعنى بشؤون التعمير والبناء في الدولة اللبنانية. وكان له، وهو البعيد كل البعد عن أمور الهندسة وشؤون البناء وقضايا المقاولين، أن يُعَيَّن، بصورة رسميَّة، مُدَرِّباً هندسيَّاً، وأن يُكَلَّف، فِعليَّاً من قِبَلِ القَيِّم على تلك الإدارة، بالسَّعي لحلِّ مشاكل أبناء الشعب من النَّاس المتعاملين معها(8) فجهد سلام الرَّاسي في أن يكون نصير أبناء الشَّعب هؤلاء والمدافع الأبرز عن حقوقهم ومصالحهم. ولمَّا بلغ الرَّاسي السِّن القانونيَّة لتقاعد الموظفين وانكفائهم عن العمل الرَّسمي، وجد أن في مخزونه من معرفة النَّاس والانغماس في شؤونهم والتعمق في فهم منطقهم وأنماط تفكيرهم وسُبُلِ ردَّات فعلهم، ما يُشَكِّل خميرة لنشاط طالما اشتاقت إليه نفسه، ويُمَثِّلُ ساحةً رحبة الأرجاء يُمارس فيها وجوده(9), بعد أن نيَّف في هذا الوجود على الستِّين من سنين العمر.


هكذا شَرَعَ سلام الرَّاسي، وهو في الرَّابعة والستِّين من سني عُمْرِه، نشاطاً كتابيَّاً وثقافيَّا مُمَيَّزا، انفتل فيه نحو النَّاس يكتب عنهم لهم، ويحكي لهم ولأولادهم حكايات أسلافهم وآبائهم، بل حكاياتهم، عبر توجُّه أدبي أسماه “أدب النَّاس للنَّاس”. فملأ الرَّاسي، بنشاطه هذا، فراغاً عجز كثيرون قبله عن سد ثغراته بالطَّريقة التي سدَّها بها، وامتاز عنهم بجماليَّة كتابيَّة قلَّ أن عرفها الأدب العربي المعاصر.

باقة من أعمال سلام الراسي

وكان أن استمرَّ في هذا النَّهج من العمل والتَّوجُّه حتى آخر رمق كان فيه؛ فأغنى المكتبة الأدبيَّة بمكتوبات ذات طابع فريد، وبثروة فذَّة من النتاج الأدبي الشَّعبي العربي الذي صاغه بِوَلَهِ العاشق وإخلاص المحب وإيمان الملتزم ووفاء الحريص الغيور. فصدر له، بدءاً من سنة 1971 وحتَّى قبيل وفاته عدد كبير من الأعمال التي منها: “لئلا تضيع” (1971) و”في الزَّوايا خبايا” (1974، و”حَكِي قرايا وحَكِي سرايا” (1976)، و”شِيح بْريح” (1978)، و”النَّاس بِالنَّاس” (1980)، و”حِيْصْ بِيْص” (1983)، و”الحَبْل على الجَرَّار” (1988)، و”جود من الموجود” (1991)، و”ثمانون أو العُمر الدَّائب في البحث عن المتاعِب” (1993)، و”القيل والقال والنَّظر في عقول الرِّجال” (1994)، و”اقعد أعْوَج وإحكي جالِس” (1996)، فضلاً عن أعمال أخرى كان لها أن تنضم إلى أخواتها من كتابات الرَّاسي في مجموعة “الأعمال الكاملة” التي توزَّعت على أربعة أجزاء.

1-سلام الراسي ، ثمانون ،مؤسسة نوفل ، بيروت ،الطبعة الأولى، ١٩٩٣ ص ٢١٥ .
2-الراسي ،ثمانون،ص ٢١٥ .
3-سلام هو الإبن الأصغر القس يواكيم الراسي ،أمّا اشقاؤه فثلاثة، أكبرهم “أنيس” كان من مؤسسي العصبة الأندلسية في البرازيل ، و ثانيهم “منح” الذي كان رئيس تحرير جريدة “ذي إيسترن تايمز” الإنكليزية، أما ثالثهم ف “سامي” منشىء مجلة الجالية العربية في “ساو باولو ” .
4-جريدة السفير (اللبنانية) ٢٩/٤/٢٠٠٣ و عدد كبير من الصحف و المجلات اللبنانية و العربية التي صدرت آنذاك .
5-الراسي “القيل و القال” مؤسسة نوفل ،بيروت، الطبعة الأولى، ١٩٩٤ ص ٢٢٣ .
6-الراسي، ثمانون ،ص ٢٢٣
و من الشعر الذي نظمه في هذه المرحلة من حياته ،واصفا حاله مع “عالم الزراعة” و الأدب ، و قد ذكر الأبيات في كتابه “ثمانون” ص ٢٢٣ .
و بنات افكاري التي طلقتها/ناديتها عندي بربك عودي/

قد تِبتُ من علم الزراعة فاصفحي/عن شاعر الإنشاد و التغريد/

و هجرت نخلاتي وبعت ارانبي/
و مداجني الكبرى بيت قصيد/ .

7-الراسي ،ثمانون، ص ٢٢٥
8-الراسي ،ثمانون، ص ٢٣٤
9-الراسي ، القيل والقال، مؤسسة نوفل ، بيروت، الطبعة الأولى، ١٩٩٤ ص ٩


عن Maya

شاهد أيضاً

مِن أعلام الانفتاح الثَّقافيِّ المُعاصِر في لبنان الشَّيخ “حُسين أحمَد شحادة” انميازات فرديَّة في سعيٍّ إلى تحقيق رؤى الدِّين في الوحدة الإنسانيَّة

Spread the love الدكتور وجيه فانوس (رئيس المركز الثَّقافي الإسلامي) انبثقَ الزَّمنُ فجراً، للمرَّة الأولى، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *