أدب وفن

ماذا لو وصلت إمرأة إلى رئاسة الجمهورية في لبنان؟

د. نسيم خوري

ماذا لو وصلت إمرأة
إلى رئاسة الجمهورية في لبنان؟

ماذا لو وصلت إمرأة مثلاً إلى رئاسة الجمهورية في لبنان وهو أمر متوقّع ومنتظر؟
أخذني هذا السؤآل فوراً إلى التفكير بأمهاتنا وزوجاتنا وبناتنا كما بالنساء المغيّرات في الأرض. ويقفز بي السؤآل إلى رواية “الغريب” لألبير كامو الفيلسوف الجزائري الوجودي وقد إستهلّه بأنّه غادر منزل أهله في الجزائر نحو الشاطيء للسباحة في البحر، بينما كان المعزّون يحتشدون بكثافة للمشاركة بجنازة أمّه. فكرة غريبة حافلة بالثورة الجذريّة على التقاليد التي فرضتها أهوال الحرب العالمية الثانية والتي أرست الفلسفة الوجودية L’existencialisme مع الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر ومختصرها بالفرنسيّة: Je pense donc j’existe أي أنا موجود إذن أنا أفكّر ويعني الوجود هنا تأمين حاجات الإنسان من مأكل ومشرب ونوم وطمأنينة كي يشعر بوجوده وقدرته على التفكير والكتابات ومحاولة تحقيق الذات. جاءت فكرة سارتر من وطأة الحرب العالمية الثانية وتدفّق الأزمات المآزم.
هذا ما يقودني ليفسّر لنا “شراسة” اللبنانيات حيال سماعهن صراخ نساءٍ وأطفالٍ من جوع وفقر ومرض وخوف وقمع وتعنيف وموت رضيعٍ بحثاً عن زجاجة حليب، كما هو حاصل في ثورة 17 تشرين!!
وأسأل: هل ذهب ألبير كامو عند فقدان أمه الى البحر أعني إلى تذكّر تكوينه في رحمها متلذّذاَ بالماء الذي يعزّيه بدلاً من البشر خصوصاً وأنّ الماء يغمرثلثي الكرة الأرضيّة حيث لم يبق لليابسة سوى الثلث ؟ الكرة الأرضية تماماً كما جسد الإنسان الفاني ثلثه عظام والثلثان الباقيان ماء!
لست راغباً للجواب على هذا السؤآل الطويل والمملّ، في إجترار الإجابات الفلسفية والدينية من الهند واليونان والإيمان والأديان وداروين وغيره من العلماء والمفكرين.
لماذا:
لأنّ المرأة التي تهزّ رضيعها فوق ركبتيها قادرة أن تهزّ أعظم وطنٍ عندما يئن رضيعٍ من جوع.
ولأنّ أبهى النصوص وأحلاها وأكثرها رقّةً وغزلاً كتبها الرجال والشعراء وقالوها في المرأة، وما زالوا.
ولأنّ النصوص التي كتبتها النساء في النساء أو النساء في الرجال نادرة حتّى لدى المبدعات منهن.
ولأنّني أقود نفسي الى أسطورة حوّاء وآدم بحثاً عن المنطق الداحض للأساطير القائلة بأنّ آدم أخرج حوّاء من ضلعه بدلاً من القول أنّها أخرجته من رحمها. تمتلك الأنثى في لاوعيها توليد الرجال كلّهم، لأنّها تمتلك أسرار الولادة وآلامها والمتغيرات البيولوجية والنفسية التي تجتاح جسدها قبل الزواج وبعده مقارنةً بالصبي الذي ينمو أفقيّاً من دون المتغيّرات الجسدية الضخمة التي تعصف بجسد البنت، وهو بهذا يتوهّم، نعم يتوهّم بقدرته على إمتلاك النساء كلّهن بسلطاته الهائلة التي قد تبدأ بصوته وعضلاته وسلطاته الشاسعة في الدنيا والأحكام والأنظمة والقوانين والأديان .
مهلاً، إنّ قوّة الرجال قد تبقيهم خاضعين لبصرهم أي لأعينهم. العين مفتاح الجسد الذكوري المشرّع الدائم على المرأة والمحكوم بغريزة التملّك بالبصر أوّلاً. وأدعم هذه الفكرة بيولوجيّاً وعلميّاً بالقول:
يسمع الجنين الأصوات في الأرحام قبل أن تسيقظ حاسة البصر بعد ولادته بأربعين. حاسة السمع، إذن، هي الحاسة الأوّلى لللأجنّة ذكوراً وإناثاً ولها صفات قويّة ومرهفة وتواصلية مع الخارج لا حدود لها، أمّا حاسة البصر الأخيرة الخامسة فهي خاطفة ومشتّتة وخفيفة وسريعة ومملكتها العينان.
وعليه…
يترسّخ الحبر والموقف للخوض أكثر فأكثر في صلابة المرأة اللبنانيّة وحضورها المقيم في الثورة اللبنانية، وكأنّها كسّرت الحواجز والأسلاك والصور والأفكار والمقاييس والآراء النمطيّة الجامدة والسائدة والقاسية لتحتلّ حيّزاً في مشهد القيادة نحو لبنان النظيف. لقد سكنني الإعجاب، في مقالٍ عبر، بواقعٍ ليس جديداً في تاريخ المرأة العربيّة من أنّ “المرأة فعلاً هي الأصل”. وضعتها في موقع الصدارة في انتفاضة التغيير الذي يلهب اللبنانيين جميعاً لقوّتها وإصرارها وصدقيتها وتحدّياتها لكلّ ما يعوق مسيرتها وكأنّ المتظاهرات والمتظاهرين قد خرجوا من أرحام النساء اللبنانيات. ووضعت بعدها في ترتيب عناصر الثورة الرجال ثمّ القضاء النظيف المنتفض على نفسه إلى جانب رجال القانون ومؤسسة الجيش والنخب الفكرية المستقلّة من أساتذة الجامعات الإختصاصيين والإعلام الحرّ النظيف أيضاً، بما يقود لبنان نحو إنتخابات نيابية مبكرة وإلغاء الأحزاب الطائفية لمصلحة حزبين وطنيين عابرين للطوائف والطائفيّة التي أطفأت الوطن وخرّبته.
وهنا ملاحظة ضروريّة، وهي أنّ قائد الجيش ميشال عون كان المبادر الأوّل الذي فتح ابواب المؤسسة العسكرية للمرأة اللبنانية وتبعته بعد ذلك المؤسسات الأمنية الأخرى، وكان الرئيس الشهيد رفيق الحريري، قد عزّز المشهد السياسي في لبنان إذ مال بأريحية لافتة للقدرات النسائية في تجديد الإدارات والحياة الحزبيّة بما عزّز ملامح التفتّح والتغيير المعاصرة. وعندما تابع سعد الحريري الحكم بانت قناعاته المضاعفة والملموسة تقديراً للمرأة وإشراكها في الميادين السياسية، وعند استقالته الأخيرة ، كان لا يمكن وفقاً للثورة والمنطق الشعبي المترسّخ في التغيير وإنقلاب الصورة، ألاّ يكون للنساء اللبنانيات حقائب وزارية في الحكومة الجديدة التي شكّلها الأستاذ الجامعي الدكتور حسّان دياب مانحاً النساء ثلث المقاعد.
الكوارث الإعلامية البارزة فاجأت الرجال والنساء والجميع من ردود الأفعال والتعليقات السلبيّة الكاذبة والإشاعات والفبركات والصور السخيفة والتحقيرية التي هشّمت الوزيرات الست عبر وسائل التواصل الإجتماعي إلى حدود العيب.
وبانت تعليقات الإناث، يا للغرابة، وراء تلك المواقف الشنيعة والمتخلّفة، وكأنّ شياطين الأرض ما زالت تسكن أبداً بين المرأة والمرأة.
متى يدرك السياسيون واللبنانيون واللبنانيّات أنّ ثورة هذه المرّة تعلن من حناجر النساء تنمو وتترسّخ في لبنان عبر حضورهن اللافت للعين العالمية؟
د.نسيم خوري / صحفي و كاتب

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى