إبحار على متن قصيدة

Spread the love

كبر البائع المتجول / الشاعرة نوارة الخنسا


ومنذ أن رحلتْ طفولتي
لم أشعرْ بطعمِ السكر
كبُر البائعُ المتجول
وصارت الطرقُ تبكي
كلّما تحسستُ ملحَ شفتيّ!

أفتشُ الجدارَ المطلَّ على الناس يومياً،
أجدُ أسماءَ كثيرةً
حكايا أكثر
ومسمياتٍ
ومواعيد غريبةً
وصوراً لم تُلتقط بعد

نافذتي حزينة،
قبرُ أبي أمامها
سعيدةٌ ،
ترسمُه طيفاً لتشعرَ بالأمان

تشبهُك مدينتي…
تلوّح لي بنظرةٍ عابرة
وحين رتبتُها رأيتُ وجهَك،
وجهُك الذي يتكوّر على كركبةِ جسدي
كلّما فكرت .

على ورقةٍ كتبتُ قصةً تشبه بطةً في نهرٍ ،
كانت خربشةً مزعجة ولا تسبح،
تغرَق وتُغرِق فقط!

ورسمتُ ..
تفاحةً
ومربعاً
يداً لا تلمس
وتاريخاً لطيفاً وصامتاً !

على ورقة ..
كتبتُ اسمك بخطٍّ كبير
ودوّنت عنوانَ السطر
ونسيت من أين سأخرج !

وسادتي،
فريسةٌ سهلة للذاكرة
تأكلُها بجوعٍ وتعب .

والليلُ تهمةٌ ثقيلة،
لا يدافعُ الصباحُ بعدها عن أحدٍ بعدل!

وأنا أكبرُ
ولعابُ الوقت يسيل بجفافٍ،

أكبر لدرجِة أنني الآن
لا أشعرُ بخفةِ الهواءِ في رئتي
إلا إذا طعنْتُ كأسَ الماءِ العلقمِ بزفيرٍ حُلوٍ.

قراءة نقدية للشاعر مردوك الشامي

يا لطفولة السـكر، ويا للملح الذي يكون البديل حين تغادر الطفولة، فتجف الشفتان، والوقت والأمكنة بلا استثناء..
قصيدة تتأرجح فيها الدلالة بين زمنين : طفولة ممحوة، ونضجٌ مسحوق.
الوقت تربطه نواره الخنسا بالبائع المتجول.. لقد شاخ البائع، ومعه تحركت الأوقات والعمر والأمكنة والمشهديات إلى قتامة حزينة هرمة في مجازاتها وواضحة بلا ترميز.
الطرق تبكي، الجدار مجرد لوحة إعلانات لوفيات وذكريات وأوراق نعوة، النافذة حزينة يواجهها قبر الأب، والمدينة تشبه الغائب، والوجه الذي يجيء بعد جهد يحط على جسد فقد توازنه..
تحفر نوارة جدار الزمن بكلماتها.. تنقش بذكرياتٍ ووقائعَ رحلة العمر ، وهي تنوح على طفولة انتهت، وأخذت معها كل ما كان جميلا وطيبا وطفلا.
لا تتعب نفسها نواره في اللعب على الكلمات، ولا تركض خلف اللغة العويصة والصور المركبة أو الصادمة، تكتب ببساطة الطفلة التي كانتها يوم كان البائع التجول على قيد التجوال يبيع السكر والأمنيات ، لغة في بساطتها جنين الشعرية البيضاء التي بلا رتوش.
وأضم صوتي للرائع حسان عزت بالاكتفاء بتسيل بلا جفاف، وبحذف العلقم والاكتفاء طعنت كأس الماء بزفير حلو.
قصيدة تصلُ بسهولة ، وتترك الأثر الطيب والجميل، فيها مرايا يمكن لكل الوجوه الوقوف أمامها، وفيها بائع متجول كلنا كلنا افتقدناه وغرقنا في مدائن الملح.

عن Soumaya Takaje

شاهد أيضاً

قصيدتُكَ هي!! قراءة في قصيدة الشاعر أنور الخطيب

Spread the love قصيدتُكَ هي!! قراءة في قصيدة الشاعر أنور الخطيب لا تكتب الشعر كل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *