إدوارد هوبر الرسّام الذي حوّل الوحدة و الحبسَ إلى فن…

Spread the love
هوبر في محترفه

إدوارد هوبر الرسام الذي حول الوحدة و العزلة إلى أعمال فنية رائعة ، إنه التقط كما لم يفعلْ احدٌ قبله روح الأفكار الإنسانية في أعماله الفنية التي تنتمي إلى مدرسة الواقع الإنطباعي . بنظرة تلك الأعمال كأنها أنجزت لزمن نعيشه الآن في العزلة و الحجر الصحي و أيام الوباء …


هوبر و بالرجوع إلى أعماله الفنية التي تعود إلى أعوام كثيرة طاعنة في القدم ، فإنها راهنة و حالية أكثر من أي أعمال أخرى، حيث نجد الوحدة حاضرة بقوة في لوحاته، و التباعد الإجتماعي هو الحاكم .و كأن الرسام ومن دون وجود الوباء قرأ في الزمن الآتي ، و أحس بالنفس الإنسانية كيف تعيش تلك اللحظات الصعبة و كيف تتأمل وكيف يتواصل اليأس مع الرجاء . الرغبة بالإنتماء إلى الخارج واضح في نظرات من رسمهم هوبر ، و في حيرة اياديهم التي تحب و تشتاق و ترغب…أليس كل واحد منا حاليا شخصية من شخصيات لوحات هوبر ؟؟
هوبر الأمريكي ( ١٨٨٢-١٩٦٧ ) لم يكن سورياليا و لم يكن على صلة بالفانتازيا، و لكن أن يُحد فقط كرسام واقعي يمكن أن يولد أحكاما مسبقة على نظرته للواقع و طريقة فهمه له .

شمس الصباح


منذ أن دخل التصوير عالم الرسم عانى الفن إضطرابا في العمق و اخذ الفنانون يتجرأون على أدخال تعديلات جمالية شتى على أعمالهم، فأصبحت كلمة رسام واقعي و كأنها مبتذلة و كأن هذا الرسام المذكور لا يتمتع بالموهبة .
هوبر أيضا لم يكن محظوظا كما كامليو كانيغاتو رسام الخيال في قصة ماركو دينيفي ( روزاورا الساعة العاشرة ) الذي كان يرسم الصور كي لا يبتعد ملمترا واحدة عن حدود الكمال، لكن الذي يبرز فن هوبر و يجعله على قيد الصلاحية إلى يومنا هذا ، بعيدا عن الأسئلة المعتادة، فإن السبب الرئيسي في بقاء فنه هو أنه انتقائي بحت . و في حياته كان يمتاز بطبيعته الخجولة نسبيا ، كان بعيدا ، خجولا ، زاهدا نوعا ما ، لا يحب الضوء و الإعلام و المديح, في مقابلاته النادرة كانت اجوبته موجزة و لكنها واضحة دقيقة ، لذلك فإن لوحاته كانت انعكاسا صادقا لطبيعته الإنسانية .و هنا ناتي على ذكر عبارته الشهيرة ” اذا كنت قادرا على التعبير بالكلمات فلا يعود هناك من حاجة للرسم ”
رغم ذلك ، لم تكن لوحاته نسخا للواقع بل تفسيرا داخليا ذاتيا بحتا، فهو كان يعيد خلق واقعه عند الرسم ، و يرسم نقاط الإتصال مع ما يرسمه .

صقور الليل


مفهوم آخر يجب استخدامه عند مقاربة فن هوبر إلا وهو الحزن ، معظم شخصياته استهلكهم الحزن ، و هم مكبلو الأيدي في حالة لا فرار منها يحيط بهم هالة عظيمة من الحزن .و هذا الحزن بالعودة إلى المدرسة الواقعية ، هو سمة من السهل الصاقها ،لكن من الصعب جدا اجتثاثها، يتجلى هذا الحزن و هذا الإحباط بذاته في لوحة هوبر الأكثر شهرة (Nighthaws) -صقور الليل – هذه اللوحة التي رسمها بعد واقعة بيرل هاربر ، تجمع الحزن الشديد و الواقعية التي طغت عليها و صرفت الأنظار عن جمالياتها الأخرى .
عندما كان يُسأل الرسام عن شدة هذا الإحباط و الحزن و الحصار كان يتهرب من السؤال ، و يقول انه في لا وعيه ربما رسم مدينة كبيرة غارقة بالوحدة .
ابن لعائلة من الطبقة الوسطى، هوبر دخل مدرسة الفنون في عمر ١٨ و تشارك الصالونات مع رسامين مشهورين آخرين من جيل ” ٥٠” أمثال : جورج بيلاو، غوي بين دي بوا، روكويل كانت، و غيرهم… كما غيره من الرسامين ممن سبقوه و ممن لحقوا به ، الهمته باريس و لوحات المشاهير في فن الرسم و ادهشته الهندسة و لكنه لم يختر عاصمة الضوء للعيش فيها و لم يذهب لفرنسا إلا ثلاث مرات بين ١٩٠٦ و ١٩٠١٠ ، و الجدير بالذكر ان هوبر اختار طريقه الخاص به في الرسم . في ١٩٠٦ كانت مدرسة التكعيب حاضرة في الرسم , و بالرغم انه أنكر معرفته و سماعه عن بابلو بيكاسو و لكنه استوحى في الرسم ملامح من المدرسة الإنطباعية و قد ظهر ذلك واضحا في استخدامه الضوء و الطبيعة و الأبنية . و لوحظ تخليه نسبيا عن العتمة التي كانت تسيطر على لوحاته الأولى حيث أرواح فيرمير، كارافاخيو، رامبريندت، كانت فيها كامنة .
حتى عمر ٣٧ شارك هوبر في معارض جماعية إلى أن نظم معرضا فرديا له في whitney club , رغم انه لم يبع اي لوحة و لكن المعرض سلط على فنه الضوء مما أعطاه دفعا لتحسين و تقوية أسلوبه و مواضيع لوحاته
و المرة الثانية الذي نظم فيه معرضا شخصيا كان في نيويورك FRANK KM RHEN و قد حصد اسما و شهرة و حقق مبيعات من لوحاته .
زواجه عام ١٩٢٣ من جوزفين نيفيسيون و هي صديقة مقاعد الدراسة ، أحدث في حياته تغييرات مهمة جدا ،اولا اعاد رسم لوحات جديدة من النسخ القديمة بأساس من الأكواريل ، مما حقق له ذلك مزيدا من الشهرة و الإنتشار، و ثانيا حضرت لديه ضرورة السفر إلى داخل بلده ، ماساتشوستس، شارلستون، فيرمونت و غيرها…

بيت قرب سكة الحديد

لوحة بيت قرب سكة الحديد ١٩٢٥ وصل إلى المتحف الفن الحديث ، و هي لوحة شبيهة جدا بقصر هيتشكوك، و في هذه اللوحة برزت سمتان واضحتان في جماليات اسلوبه، و هي الخطوط المحددة بدقة و الزوايا التي تقلصت عند المشاهدات.
عند سن الأربعين كان في رصيده الفني عدة معارض فردية و حقق ذروة الشهرة و المبيعات، ثم بدأت فترة النقاد الذي بدأوا يصنفوه بالمضجر و الذي يكرر نفسه لأن حقبة المدرسة التعبيرية المجردة كانت قد بدأت مع بولوك و دي كونيك .

في الحقل أو في المدينة فإن أعمال هوبر كانت الإنعكاس للتناقضات، و للحياة في مكامنها العميقة ، ليس كل شخصياته كانت ترزح في طي الوحدة ، فتلك النظرات الضائعة و تلك الأيادي التي تسقط ، كانت قريبة للفكرة و لتأملات النفس الإنسانية و كانت لوحات تروي حياة داخل الحياة و تروي الوحدة التي تتغذى من ذاتها ، و لكنها وحدة ثرية ، هوبر هو، لوحاته، و حياته لم تكن انتظارا ابديا بل كانت حركة دائمة في البحث عن إعادة تصوير هذا الإنتظار ، انتظار في عزلة كما أيام العزلة في زمن كورونا .

ترجمة و اختيار سمية تكجي

المصدر / INFOBAE

عن Soumaya Takaje

شاهد أيضاً

هي كتب عن الطاعون…لكنها انذرتنا عن كورونا… !!!

Spread the love ترجمة و اختيار / سمية تكجي منذ ظهور covid 19 / الكورونا، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *