منتديات

الصفعة…

عندما يخرج المرء عن صوابه ويتصرف بطريقة غير منطقية، يخرج إليه رجل حكيم ويصفعه على خدّه صفعة موجعة توقف زخم جنونه. عادة ما تؤدي هذه الصفعة إلى إرباك يوقف زخم الجنون، فيعيد المرء حساباته بعد أن تتكاتف ملكاته لتقييم آثار الصفعة. ليس بالضرورة أن تكون الصفعة براحة اليد، فللكلمة أو الموقف الشجاع مفعول يوازي صفعة الوعي والإهانة في آن.

لكن صفعة اليوم مغايرة بطبيعتها وحجم راحها عوضًا عن جهلنا بحقيقة صاحب اليد الطولى. صفعة الطبيعة، كما نعتقد، كائن مجهري ضرب بيد من حديد فزلزل الكوكب. الضربة الموجعة، وُجهت بشكل رئيسي إلى أكبر الدول سكانًا وأعظمها اقتصادًا، فأوجعت. زلزلت باقي القارات فترنح الاقتصاد بعد توقفت عجلة الإنتاج والاستهلاك. العالم القائم على الاقتصاد الرأسمالي تحت عباءة العولمة فشل في تأمين أهم حقوق الإنسان، الأمن والصحة. ومن الغريب أن الصفعة لم تخفف من كبرياء الدول الكبرى فكذب البعض على شعوبهم واخفى البعض عدد الضحايا كأنما الموت عار. بل سارع أصحاب الثروات بالتفنن في اكتشاف سبل ثرواتهم لتكديسها فوق رفات البشر.

المشكلة الكبرى ليست في الصفعة الكبرى التي ترددت كالانفجار الكبير، بل في النتائج وحالة الكوكب بعد انقشاع الوباء. لذلك من الحكمة أن نبدأ بالتخطيط لمرحلة ما بعد كوفيد-19 بعد دراسة متأنية لما تؤول إليه الأمور. الاقتصاد العالمي هوى بقوة، بعض الصناعات أصيبت بضربات قاسمة كشركات الطيران والفندقة. معظم المصانع الصغيرة أفلست والتجارة العالمية أصيبت في مقتل. ولا ننسى أن البورصات الأميركية والأوروبية وغيرهم قد خسر ما يقارب الخمسين في المئة. لكن كوكب الأرض أخذ نفسًا عميقًا في بداية الربيع، نفس بلا سموم عوادم السيارات وانبعاث الغازات السامة من المصانع، وتدشّت الأرض سلامًا بعد انقطاع روافد السموم إلى مجاري المياه وجفاف طبقات الأرض من رشحها إلى مخازن المياه الجوفية.

فلنترك العالم ولنتوجه إلى منطقتنا، الدول العربية وما شابهها من دول العالم المتردي، أعني العالم الثالث. أصيبت كثير من دولنا بخيبة امل بعد تخلي الدول التي عاشوا في ظلها عنهم، تلك الدول التي كنّا نناديها “الأم الحنون”. لا عجب في ذلك، إذ انهم تخلوا عن إيطاليا حليفتهم في حلف الناتو. لذلك علينا بتقييم وضعنا بصدق وشفافية والتصويب نحو الخلل ودراسة أسباب العجز في تأمين الدواء والغذاء. يحب أن تكون الصفعة الكبرى قد أيقظت أرباب الحكم وزبانيتهم وأعادتهم إلى رشدهم. كما يجدر بالصفعة أن تكون قد أعطت العلماء والحكماء والمفكرين دفعة قوية للتقدم وبقوة لإنقاذ ما تبقى من كيان. علينا التركيز بداية على انهاء التبعية لأي دولة كانت وذلك ببناء أسس الأمن الغذائي، والصحي والعلمي. أما الأمن العسكري ففي كثير من الدول البعيدة عن العدو الصهيوني وهم مصطنع. كل الخطر في هذه الدول هو عداوتها فيما بينها من ناحية ومن ناحية أخرى تكريس ثروات الدواة لحماية قداسة الحاكم. لذلك كان الاستنزاف العسكري وهم سلطه أصحاب المصانع العسكرية بخلق وتضخيم النزاعات بين الدول الشقيقة، أو المفترض أن تكون كذلك. هناك قاعدة هامّة يجدر بهذه الشعوب فهمها، وهي “كل صراع يحتاج إلى كره متبادل”. أركز على الاسراف الأمن العسكري لأنه أكثر المرافق هدرًا للمال والوقت، واستنزاف للطاقات البشرية. فبناء الفرد، اجتماعيًا وفكريًا هو أكثر صمودًا واضمن نتيجة من كل الأسلحة المستوردة لنزاعات يمكنها أن تزول بقليل من الحكمة والشجاعة.

العالم الغربي سيمر بمرحلة كئيبة جدًا بعد عصر كوفيد-19. لا أتكلم عن الاقتصاد إذ لديهم القدرة المادية على تخطي الأزمة رغم كل الخسائر، كونهم يملكون البنية التحتية والعلم والقضاء النزيه. إنما أتكلم عن التفكك الأسري والاجتماعي، إذ تعلم الفرد الغربي على الاستقلالية البشعة التي تنزع الفرد من أسرته. العزل الصحي سيزيد من المشاكل النفسية في مجتمعاتهم، لكنهم سيتمكنون من السيطرة عليها بقدراتهم العليمة والمالية. ربما، بل بالتأكيد، ستحدث هناك تحالفات جديدة واستقطابات تغير خريطة العالم السياسية وتقسيمها تبعًا للقوى الجديدة التي ظهرت على الساحة. أعني الصين تحديدًا، كونها أظهرت قوة فائقة في التنظيم والتنفيذ والسيطرة، ليس على كوفيد-19 فحسب بل على 1400 مليون إنسان. استطاعت تأمين الدواء والغذاء لهم، إضافة إلى ارسالها معونات إلى بلدان أخرى منكوبة.

أين نحن من خريطة المستقبل؟

بل ما هو مستقبلنا؟

معظم الزعماء والأثرياء العرب، بل الأكثرية الساحقة لم تقدم شيء يذكرن إلا أدعية مغموسة بنجاستهم. مقارنة بأثرياء العالم الذين قدموا مليارات لبلدانهم. لا يمكنني أن أتغاضى عن ممثلة الافلام الإباحية التي قد تبرعت ب 60 مليون دولار لمحاربة الكورونا. أذكر هذا الحدث العظيم لأنه أثبت أن العاهرات أكثر شرفًا وإنسانية وعطاء من زعماء وأثرياء العالم العربي.

لن نتوقف عند هؤلاء، بل سنعود لنقول بأننا لن نواجه مشكلة اجتماعية كوننا شعوب تتعايش فيها العائلات وتتكافل الأسر رغم كل شيء. لكننا سنعاني من فقر شديد، أزمات بطالة، وجرائم ذات صلة لأننا لا نملك رعاية اجتماعية تكفل للمواطن حياة كريمة. ولا نملك مقومات البنى التحتية القائمة على دراسات علمية لصالح المجتمع. فالبنى التحتية صُمّمت وأنجزت لما يتناسب مع المقاول والسياسي اللذين تقاسما الأرباح.

هل سنكون جزءا إيجابيا من التغيير القادم في هيكلية العالم الاقتصادية والجغرافية؟

حسب المعطيات الحالية سنكون أكثر ضياعًا وتشتتًا، وسنبقى مثل البلاد الفاشلة رغم ثرواتها وتاريخها. لكن يمكننا أن نُشكل قفزة نوعية ايجاية، على ما أعتقد. لكن كيف؟

على هذه الدول، الشعوب، أن تحيل كل السياسيين وأصحاب الثروات ومنفذي المشاريع الهدّامة إلى التقاعد النهائي والعزل الدائم عن الحياة السياسية بعد أن تصادر ثرواتهم التي نهبوها عبر سنوات حكمهم. وذلك ضمن محاكمة عادلة تشرع لمحاربة الفساد والاستغلال لتحد من تدمير وسرقة المجتمعات التي لم تنعم بثروات وطنها المنهوبة.

وبما أن البطالة والفقر والعدالة الاجتماعية هم أساس البلاء في بلادنا، كنتائج ملموسة لسياسة حكومات فاسدة عبر عقود، لا بد لنا من العمل الجدي لتصحيح المسار. يجب أن يكون الفقر والبطالة أول الأهداف، كونها الأكثر الحاحًا وأثرًا. نتبعها بنظام تعليمي عصري يتولاه علماء وأساتذة متخصصون في كل المجالات. فالاستثمار في العقول والتكنولوجيا العصرية هو الثروة الحقيقة للعالم في عصر المعرفة.

أعتقد بأن المستقبل القريب سيشهد تغييرا عظيمًا يشمل الكوكب بأسره، سياسيًا واقتصاديًا وجغرافيًا فإذا لم نستبق الأمور ونستغل الوضع لصالحنا دون الخضوع لدولة ما سنكون في وضع أسوا وسنخسر شبابنا الذي سيهاجر دون عودة كما حصل في سنوات سفربرلك الذي تزامن مع المجاعة والوباء. المفارقة أن الفساد أسوأ من سفربرلك وزعماء الوطن أشد فتكًا من المجاعة والأوبئة

بناء الدول يحتاج إلى قادة وعلماء وشعب حر.
أنتم من يقرر ما ستكونون عليه بعد عقد من الزمن.

محمد إقبال حرب/شاعر و روائي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى