سر الرجل الغامض

Spread the love

كل أهل الحي باتوا يعرفون الوقت على مقياس الرجل الغامض الذي سكن حيهم منذ سنة تقريبا، وكأنه الناطق الرسمي للوقت …فإن خرج صباحا ،يعرفون انها الثامنة و عندما يعود ،يعرفون أن الساعة هي الثالثة تماما. وعندما يطفئ الأنوار في بيته يعرفون انها شارفت على العاشرة. وكذلك حين يغلق الستائر الزجاجية وحين يذهب لشراء الجريدة ،كل هذه الأمور التي تحكم يومياته بدقة متناهية حد الذهول .
الجار الغامض لم يكن يتكلم مع أحد من اهل الحي ،حتى إذا حاول أحدهم التطفل و التحدث معه كان لا ينظر إليه،فقط،يكتفي بالإبتسام الخاطف حينا أو بالعبوس حينا آخر، هو من من الصباح إلى المساء و من الإثنين إلى الإثنين نسخ متشابهة ، حتى أن أحد اهل الحي أقسم أن هذا المخلوق العجيب ليستطيع أن يفعل نفس الأشياء بدون صعوبة تذكر ،ولو حتى فقد بصره، لشدة ما كررها بالوتيرة نفسها، وكذلك أقسم آخر أنه لو أراد يوما كتابة مذكراته لما احتاج إلا لصفحة واحدة ، ثم ينسخ صورا منها بعدد الأيام ….
استولى الفضول على اهل الحي وتحرقوا لمعرفة سر هذا الرجل الغامض و سر رتابته المخيفة ،و ما زالوا يسألون و يستقصون حتى فكوا سر الأحجية…
هو رجل أطبقت قسوة الحديد على قلبه، و طول الأمد أنساه الزمن، و كان يموت كل يوم حتى مات، و مساحة الوحشة أكلت ما تبقى من روحه …لقد ظل لمدة عقدين من الزمن ينظر من ثقب الباب الحديدي إلى ممرات السجن الضيقة حتى أضحت الحياة بالنسبة له بطول هذه الممرات، وتحول تلقائيا إلى جسد ميت تحركه قدمان …
لقد غادر الجار الزنزانة و لكن الزنزانة لم تغادره…!!!

سمية تكجي
شاعرة و قاصة لبنانية

عن Soumaya Takaje

شاهد أيضاً

خدعة …بقلم الشاعر ماهر نصر/* ترجمة نور الدين المنصوري

Spread the love خدعة هذه المرّةُ عليّ أن أخدع َ موتي ، ومن زيت عظامي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *