حدث في مثل هذا اليوم/ ولادة الأمير و الشاعر أبو فراس الحمداني

أبو فراس الحمداني هُو الحارثُ بن سعيد بن حمدان بن حَمدُون الحمدانيِّ التَّغلُّبيّ الرُّبُعيِّ، ولد في مدينة الموصل سنة 357 هِجريّ، لُقب بِأبي فراس[٢]، حيثُ إنّ اللهَ شاء أن يكُون ابنُ جارية الّتي حرَّرها والدُهُ بعد أن أنجبتَهُ[٣]، بعدها توفَّي والِدهُ نتيجة المشاكل الَّتي حصلت بينهُ وبين ابن أخيه الَّذي أراد أن يُصبح حاكمُ الموصل، فقد نشَّأ على يد ابن عمِّه في مدينة حلب الَّتي درس فيها الفُرُوسيَّة والأدب، نجح أبُو فراس الحَمدانيِّ في إِدارة مُقاطعة منبج الَّتي عُين عليها مِن قبل سيف الدَّولة[٢]، أصبح الحمدانيُّ مشاركًا في العديد من المعارك الَّتي قام بِها سيفُ الدَّولة، مِنها المعركة الَّتي حصلت بين الحمدانيَّين والرُّوم فِي منطقة مغارة الكُحلِ، حيثُ أُسَر لِمُدّة أربعِ سنواتٍ، بعدها أُسرّ فِي القُسطنطينيَّة عندما دافع عن قلعتهِ الَّتي سقطتْ على يد الأعداء[٣]، لكِنَّ طريقة خلَّاصهِ من الأسر كانت مُبهمة لدى الرُّواة، فقد قال البَعضُ أنّ سيف الدّولة أنقذهُ من الأسر عن طريق الفِدية، ومِنهُم من قال أنّهُ قد لاذ بِالفِرار من الأعداء[٢]، وفي عام 968 م تُوفّي الحمدانيَّ في سنّ السّادسة والثلاثين، بعد أن أرادَ أنْ يُسيطر على مدينة حِمّص، فحصل نزاع بينهُ وبين قرغوية مِمّا أدَّى إلى وفاته في جنُوب شرقِ حمّص[٣]. قصائد أبو فراس الحمداني عُرِّف أبُو فراس الحَمدانيِّ بشعره المتميّز، فقد كان يُنافسُ العديدُ من الشُّعراء فِي المُجالِس الأدبيَّة، حيثُ إنّ القصائِدَ الَّتي كانت مصدرُ شهرتهِ قام بتدوينها فِي فترة اِحتجازه لدى الأعداء، فقد كتب العديدُ مِن القصائِد[٣] ومِنها:[٢] أرَّاك عَصِيُّ الدَّمع شِيمتُك الصَّبرُ . تُقِرُّ دُموعيّ بِشوقِيّ إِليكَ. وما أنسَ لا أَنسَ يوم المغار. الشِّعرُ دِيوانُ العربْ. قَنَاتُي على ما تَعهدانِ صلِيبةُ أقَرّ لهُ بِالذَّنبِ ؛ والذّنبُ ذنبهُ. أَسَاءَ فزَادَتهُ الإِسَاءةُ حُظوة. أبِيتُ كأنِّيّ لِلصَّبابة ِ صاحِبُ. أَرَانِي وقَومِيّ فرَّقتنَا مذاهبُ. إِنَّ في الأسرِ لصبًّا. ألَزمني ذنبًا بِلا ذنب. ياليلُ؛ ما أغفَلَ، عَمَّا بِي. أبَنَيتِي، لا تَحِزني. وقفَتنِي على الأسى والنَّحِيب. يا ضَارِبَ الجَيشِ بِي فِي وسطِ مَفرِقهِ. ومُعوَّدٍ لِلكرِّ في حمس الوغَى. وما هُو إلَّا أنْ جرّت بِفِرَاقِنَا. ألا ليتَ قوميَّ، والأمَانيّ مُثيرة. قامَت إِلى جَارَتِهَا. جَارِيَةٌ، كَحلاءُ، مَمشُوقَة. ألا أَبلُغ سَرَاةَ بُنِّيَّ كُلاَّب. عَجِبتُ، وَقَد لَقِيتَ.
من عباراته الخالدة


قصيدته الشهيرة” أراك عصي الدمع “
| أرَاكَ عَصِيَّ الدّمعِ شِيمَتُكَ الصّبرُ | أما للهوى نهيٌّ عليكَ ولا أمرُ؟ | |
| بلى أنا مشتاقٌ وعنديَ لوعة ٌ | ولكنَّ مثلي لا يذاعُ لهُ سرُّ! | |
| إذا الليلُ أضواني بسطتُ يدَ الهوى | وأذللتُ دمعاً منْ خلائقهُ الكبرُ | |
| تَكادُ تُضِيءُ النّارُ بينَ جَوَانِحِي | إذا هيَ أذْكَتْهَا الصّبَابَة ُ والفِكْرُ | |
| معللتي بالوصلِ ، والموتُ دونهُ | إذا مِتّ ظَمْآناً فَلا نَزَل القَطْرُ! | |
| حفظتُ وضيعتِ المودة َ بيننا | و أحسنَ، منْ بعضِ الوفاءِ لكِ، العذرُ | |
| و ما هذهِ الأيامُ إلا صحائفٌ | لأحرفها، من كفِّ كاتبها بشرُ | |
| بنَفسي مِنَ الغَادِينَ في الحَيّ غَادَة ً | هوايَ لها ذنبٌ، وبهجتها عذرُ | |
| تَرُوغُ إلى الوَاشِينَ فيّ، وإنّ لي | لأذْناً بهَا، عَنْ كُلّ وَاشِيَةٍ، وَقرُ | |
| بدوتُ ، وأهلي حاضرونَ ، لأنني | أرى أنَّ داراً، لستِ من أهلها، قفرُ | |
| وَحَارَبْتُ قَوْمي في هَوَاكِ، وإنّهُمْ | وإيايَ ، لولا حبكِ ، الماءُ والخمرُ | |
| فإنْ كانَ ما قالَ الوشاة ُ ولمْ يكنْ | فَقَد يَهدِمُ الإيمانُ مَا شَيّدَ الكُفرُ | |
| وفيتُ ، وفي بعضِ الوفاءِ مذلة ٌ | لآنسة ٍ في الحي شيمتها الغدرُ | |
| وَقُورٌ، وَرَيْعَانُ الصِّبَا يَسْتَفِزّها | فتأرنُ ، أحياناً ، كما يأرنُ المهرُ | |
| تسائلني: ” منْ أنتَ ؟ “، وهي عليمة ٌ | وَهَلْ بِفَتى ً مِثْلي عَلى حَالِهِ نُكرُ؟ | |
| فقلتُ ، كما شاءتْ ، وشاءَ لها الهوى: | قَتِيلُكِ! قالَتْ: أيّهُمْ؟ فهُمُ كُثرُ | |
| فقلتُ لها: ” لو شئتِ لمْ تتعنتي | وَلمْ تَسألي عَني وَعِنْدَكِ بي خُبرُ! | |
| فقالتْ: ” لقد أزرى بكَ الدهرُ بعدنا! | فقلتُ: “معاذَ اللهِ! بلْ أنت لاِ الدهرُ | |
| وَما كانَ للأحزَانِ، لَوْلاكِ، مَسلَكٌ | إلى القلبِ؛ لكنَّ الهوى للبلى جسرُ | |
| وَتَهْلِكُ بَينَ الهَزْلِ والجِدّ مُهجَة ٌ | إذا مَا عَداها البَينُ عَذّبَها الهَجْرُ | |
| فأيقنتُ أنْ لا عزَّ، بعدي، لعاشقٍ؛ | وَأنُّ يَدِي مِمّا عَلِقْتُ بِهِ صِفْرُ | |
| وقلبتُ أمري لا أرى لي راحة ً | إذا البَينُ أنْسَاني ألَحّ بيَ الهَجْرُ | |
| فَعُدْتُ إلى حكمِ الزّمانِ وَحكمِها | لَهَا الذّنْبُ لا تُجْزَى به وَليَ العُذْرُ | |
| كَأني أُنَادي دُونَ مَيْثَاءَ ظَبْيَة ً | على شرفٍ ظمياءَ جللها الذعرُ | |
| تجفَّلُ حيناً ، ثم تدنو كأنما | تنادي طلا ـ، بالوادِ، أعجزهُ الحضرُ | |
| فلا تنكريني، يابنة َ العمِّ، إنهُ | ليَعرِفُ مَن أنكَرْتِهِ البَدْوُ وَالحَضْرُ | |
| ولا تنكريني ، إنني غيرُ منكرٍ | إذا زلتِ الأقدامِ ؛ واستنزلَ النضرُ | |
| وإني لجرارٌ لكلِّ كتيبة ٍ | معودة ٍ أنْ لا يخلَّ بها النصرُ | |
| و إني لنزالٌ بكلِّ مخوفة ٍ | كثيرٌ إلى نزالها النظرُ الشزرُ | |
| فَأَظمأُ حتى تَرْتَوي البِيضُ وَالقَنَا | وَأسْغَبُ حتى يَشبَعَ الذّئبُ وَالنّسرُ | |
| وَلا أُصْبِحُ الحَيَّ الخَلُوفَ بِغَارَة ٍ | وَلا الجَيشَ مَا لمْ تأتِه قَبليَ النُّذْرُ | |
| وَيا رُبّ دَارٍ، لمْ تَخَفْني، مَنِيعَة ٍ | طلعتُ عليها بالردى، أنا والفجرُ | |
| و حيّ ٍرددتُ الخيلَ حتى ملكتهُ | هزيماً وردتني البراقعُ والخمرُ | |
| وَسَاحِبَة ِ الأذْيالِ نَحوي، لَقِيتُهَا | فلمْ يلقها جهمُ اللقاءِ، ولا وعرُ | |
| وَهَبْتُ لهَا مَا حَازَهُ الجَيشُ كُلَّهُ | و رحتُ، ولمْ يكشفْ لأثوابها سترُ | |
| و لا راحَ يطغيني بأثوابهِ الغنى | ولا باتَ يثنيني عن الكرمِ الفقر | |
| و ما حاجتي بالمالِ أبغي وفورهُ؟ | إذا لم أفِرْ عِرْضِي فَلا وَفَرَ الوَفْرُ | |
| أسرتُ وما صحبي بعزلٍ، لدى الوغى | ولا فرسي مهرٌ، ولا ربهُ غمرُ ! | |
| ولكنْ إذا حمَّ القضاءُ على أمرىء ٍ | فليسَ لهُ برٌّ يقيهِ، ولا بحرُ! | |
| وقالَ أصيحابي: ” الفرارُ أوالردى؟” | فقُلتُ: هُمَا أمرَانِ، أحلاهُما مُرّ | |
| وَلَكِنّني أمْضِي لِمَا لا يَعِيبُني | وَحَسبُكَ من أمرَينِ خَيرُهما الأسْرُ | |
| يقولونَ لي: “بعتَ السلامة َ بالردى” | فَقُلْتُ: “أمَا وَالله، مَا نَالَني خُسْرُ” | |
| وهلْ يتجافى عني الموتُ ساعة ً | إذَا مَا تَجَافَى عَنيَ الأسْرُ وَالضّرّ؟ | |
| هُوَ المَوْتُ، فاختَرْ ما عَلا لك ذِكْرُه | فلمْ يمتِ الإنسانُ ما حييَ الذكرُ | |
| ولا خيرَ في دفعِ الردى بمذلة ٍ | كما ردها، يوماً بسوءتهِ “عمرو” | |
| يمنونَ أنْ خلوا ثيابي وإنما | عليَّ ثيابٌ ، من دمائهمُ حمرُ | |
| و قائم سيفي، فيهمُ، اندقَّ نصلهُ | وَأعقابُ رُمحٍ فيهِمُ حُطّمَ الصّدرُ | |
| سَيَذْكُرُني قَوْمي إذا جَدّ جدّهُمْ | “وفي الليلة ِ الظلماءِ يفتقدُ البدرُ” | |
| فإنْ عِشْتُ فَالطّعْنُ الذي يَعْرِفُونَه | و تلكَ القنا، والبيضُ والضمرُ الشقرُ | |
| وَإنْ مُتّ فالإنْسَانُ لا بُدّ مَيّتٌ | وَإنْ طَالَتِ الأيّامُ، وَانْفَسَحَ العمرُ | |
| ولوْ سدَّ غيري ، ما سددتُ ، اكتفوا بهِ | وما كانَ يغلو التبرُ، لو نفقَ الصفرُ | |
| وَنَحْنُ أُنَاسٌ، لا تَوَسُّطَ عِنْدَنَا | لَنَا الصّدرُ، دُونَ العالَمينَ، أو القَبرُ | |
| تَهُونُ عَلَيْنَا في المَعَالي نُفُوسُنَا | و منْ خطبَ الحسناءَ لمْ يغلها المهرُ | |
| أعزُّ بني الدنيا، وأعلى ذوي العلا | وَأكرَمُ مَن فَوقَ الترَابِ وَلا فَخْرُ |




