أدب وفن

رواية ” أنيس” لندره وليم مطران أمثولة حياة و أخلاق!

رواية ” أنيس” لندره وليم مطران
أمثولة حياة و أخلاق!

د.أنطوان يزبك

كان الأستاذ ندره مطران ( كما كان يحلو لطلابه أن ينادونه بإعجاب و شغف بلقب الأستاذ المحب و المميّز ) كاتبا روائيا فذّا فضلا عن أنه كان أستاذ اللغة العربية و آدابها في الصفوف الثانوية العامة .
سبقته شهرته من خلال مؤلفاته التي تربو على الثلاثين وكنت شاهدت رواياته ، بين أيدي الطلّاب يطالعونها باهتمام كبير .
شاءَت الظروف أن نتعرّف على بعض ونصبح زملاء و أصدقاء إلى الأبد ، و تنشأ بيننا { العروة الوثقى } كرباط متين عماده الصداقة الحقيقيّة والأخوّة الخالصة المنزّهة وحب الفكر والأدب ، فلا ماديّات هذه الأرض تفصلنا و لا مصالحها الزائفة تقهرنا ، هو عمرٌ قضيناه سوية زملاء أحبّة، في المدرسة والتعليم .
و كعهدي به دائما ، لا تمرّ فترة زمنية من دون كتابته لرواية جديدة تزاد إلى رواياته المشوّقة السابقة ، ليضيف إلى نتاجه الأدبي جمالا على جمال ، وها أنّ رواية ” أنيس ” اليوم ، تهلّ علينا كفسحة ضوء مبهجة، وسط كل هذا الوجود الهستيري فتضيء شموعا متوهّجة في عتمة الإنحدار الإنساني والأخلاقي والسير نحو حتوف القيم و القضاء على الفضائل ومنابع الخير .
أجل بطل الرواية أنيس هو مثال على الشاب المخلص الطموح والمكافح، الذي يتعامل مع الحياة الصعبة في بلادنا بصبر و هدوء ولا يشذّ عن مكارم الأخلاق محافظا على تربيته الفاضلة التي أخذها عن أهل بسطاء ولكن شرفاء أصحاب نخوة و صدق و إيمان .
لا بأس أن يكون الإنسان فقيرا أو متوسّط الحال فالمهم قبل كل شيء أن نحافظ على الشرف والأخلاق الكريمة ولا بدّ أن يبتسم لنا القدر في النهاية و [ نحن نعلم أن كل الأشياء تعمل معا للخير للذين يحبون الله ] كما يقول الكتاب المقدس .
هذه الرواية هي أمثولة إنسانية كبيرة تزخر بكل ما يفيد الإنسان، من أجل أن يعبر إلى الحياة المثلى ويفهم حقيقة وجوده و بناء كرامته الإنسانية، لا يبخل علينا الكاتب بمواقف مرحة ، ومشاهد تفيض بالعاطفة والحب إلى جانب الأوقات العسيرة والقلق جرّاء الحرب الأهلية وكانت في بدايتها ، حيث يريدنا الكاتب أن نفهم أن الحياة ليست مسألة بسيطة بل هي سلسلة من الظروف فيها الصعب وفيها الميسّر في كل المراحل . إضافة إلى كل ذلك نجد في الرواية ؛ التأمّلات والأفكار الفلسفية وخبرات الحياة هاكم مثالا عنها ، حيث نقرأ في الصفحة 103 ما يلي :
ما أهون رصف الكلمات وتدبيج الخطب ! هل تدرك الحملان لماذا يُضحّي الراعي براحته لأجلها وينذر نفسه لخدمتها ؟
أتت هذه الخاطرة في معرض كلام المؤلف على حالة الحرب وتقاتل الإخوة و كيف غرّر الزعماء بأبناء الوطن الواحد وسالت الدماء البريئة لأجل المصالح الخاصة .
وفي مكان آخر في الصفحة 134 يقول سعيد إبن عم أنيس متوجها بالكلام إليه :
” لأنّك اذا تمسّكت بالماضي فإن روحك تموت قليلا قليلا كل يوم. صحيح أن الماضي لا يتغيّر ، ولكن قد يأتي يوم ويظهر فيه ما يغيّره. عليك بعد ما حصل لك أن تحيا كما الآخرون ، أن تتألّق وتبتسم وتضحك كما يفعلون”.
هذه هي حكمة الحياة، وقد جرت على لسان إبن عم أنيس ، فالحياة لا تراوح مكانها بل تتقدّم دائما وما علينا سوى الصبر والقيام بما يجب علينا القيام به كل يوم من دون يأس أو كلل . وقد قال الطغرائي :
أعلّل النفس بالآمال أرقبها
ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل .

هذه الرواية هي صورة نقيّة حقيقية عن انتصار الأدب والفكر في وجه البشاعة والإنحدار الأخلاقي ، التربية بواسطة الرواية الهادفة انجاز حضاري كبير ، لا سيّما وأن الكتابة الأدبية هي احتفال باللغة العربيّة النقيّة المتماسكة والتي أوفت بغرضها وهو نقل لوحة زاهية عن الإنسان بكل أبعاده ، لا يسعني في هذه العُجالة أن أقول أكثر ممّا قلت مفسحا في المجال أمام القارىء أن يطالع ويستزيد ، مكوّنا رصيدا من المعرفة حول الحياة ومصاعبها ، تفاصيلها الدقيقة و مجرياتها ، حلوها ومرّها ، و بذلك يتحصّن القارىء بمعرفة تربوية ينقلها إلى أبنائه من بعده ، معرفة يكتسبها وهو يمضي وقتا ممتعا رفقة خير جليس وهو الكتاب .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى