حين يرتدي الظلم ثوب العدالة/بقلم الكاتبة ضحى أحمد الباسوسي /مصر

حين يرتدي الظلم ثوب العدالة
أحيانًا، لا يأتي الظلم بوجهٍ قبيح كي نعرفه، ولا يطرق أبوابنا حاملااً سكيناً في يده؛ بل يأتي حليقَ الوجه، مرتّبَ الملامح، يحمل في فمه كلماتٍ تشبه الحق، وفي يده ميزاناً يبدو مستقيماً، حتى إذا اطمأننا إليه، اكتشفنا متأخرين أن كفّةً منه كانت مثقلةً بالحجارة..
أخطر أنواع الظُلم هو ذلك الذي لا يعرّف نفسه ظلماً؛ بل ذلك الذي يتسلّل إلى القلب متدثراً بثوب العدالة، ويجلس في عرش الضمير دون أن يستأذن، فيمنح صاحبه من القناعات والتبريرات ما يكفي، ليُصدق ما اختلقه من أوهام، وليُسكت السؤال، ويُخدّر وخز الضمير، ويجعل القسوة تبدو حزماً، والحرمان يبدو استحقاقاً، وسلب الحقوق يبدو إجراءً لا بدّ منه..
فالإنسان بارعٌ في صناعة المرايا التي لا تعكس وجهه الحقيقي.. إذا ظلم، بحث عن حكايةٍ تبرّئه، وإذا كسر قلباً، أقنع نفسه أن ذلك كان ثمناً مستحقاً، وإذا اقتطع من حقّ غيره شيئاً، أقام حول ما فعل سوراً من الأعذار، ثم وقف خلفه شامخاً، كأن الحقيقة تقف في صفّه..
وما أشدّ دهاء النفس حين تريد أن تنجو من تهمة الظلم؛ إنها لا تمحو الجريمة، بل تغيّر اسمها..
تسمّي الأنانيةَ حقاً، والتعسّفَ موقفاً، والانتقامَ عدلاً، والسيطرةَ مسؤولية، والصمتَ قبولاً، والخذلانَ ضرورة، ثم تُلبس كل ذلك عباءةً بيضاء وتطلب من الضحية أن تصفق لنزاهتها..
وربما كانت أقسى المآسي أن يصدق الإنسان كذبته هو؛ أن يطيل الوقوف أمام مرآة روحه، حتى يعتاد الوجه الذي اختلقه لنفسه، فينسى كيف كان وجهه قبل أن تلوثه الرغبة في الانتصار.. أن يكرر مبرراته حتى تتحول في رأسه من أعذارٍ إلى حقائق، ومن حقائق إلى قناعات، ومن قناعات إلى أحكامٍ لا تقبل النقاش..
وهكذا، لا يعود بحاجة إلى خصمٍ ليحاربه؛ يكفيه أن يمنحه لقب (المخطئ) ثم يفعل به ما يشاء وهو مطمئن..
إن الظلم حين يعجز عن الدفاع عن نفسه، يستعير لسان الحق، وحين يخشى أن تفضحه يده، يرفع رايةً في الهواء ويكتب عليها: (العدل) لكن الأسماء لا تغيّر حقائق الأشياء، فالخنجر لا يصبح وردةً لأننا سميناه أداةً للشفاء، والباب الذي أُغلق في وجه إنسان لا يصبح عدلاً لمجرد أننا علّقنا فوقه لافتةً كتبنا عليها (الضرورة)
وكم من حقٍّ أُزهقت روحه على مذبح التبرير، وكم من إنسانٍ خرج من حياة غيره مكسوراً، بينما بقي الظالم واقفاً أمام نفسه يربّت على كتفه، ويقول: لم أفعل إلا ما كان صواباً!
لكن للقلوب ذاكرةً لا تخضع للمرافعات، فالذي سُلب حقه يعرف، والذي كُسر يعرف، والذي أُجبر على ابتلاع وجعه يعرف. وقد يسكت المظلوم لأن صوته أنهكه الطريق، لا لأنه اقتنع بأن ما حدث له عدل..
وفي النهاية، قد ينجح الإنسان في إقناع العالم بأنه على حق، وقد ينجح في بناء ألف روايةٍ تلمّع صورته، لكنه لن يستطيع إلى الأبد أن يخدع ذلك الجزء الصغير من روحه الذي يعرف الحقيقة؛ هناك، في أعمق مكانٍ لا تصل إليه ضوضاء التبرير، يبقى الظلم عارياً من كل الأسماء الجميلة، ويبقى الحق حقاً، ولو وقف العالم ضده، ويبقى الظلم ظلماً، ولو ارتدى أفخم ثياب العدالة..




