أدب وفن

شيء غريب/ قصة قصيرة/ بقلم د. محمد إقبال حرب*

شيء غريب

شيء غريب. أحدنا لا يسمع.
أكلّمها فلا تجيب، تتمخّض شفتيها ولا تلد حروفاً. من منّا لا يسمع؟ من منّا لا يجيد لغة الحوار؟
بالتأكيد أنا مستمع جيد وفي الحديث أصول وأجول. هي سبب العلّة هي من لا تعترف بأن الرجال أفضل من النساء رغماً عن أنفها. لن أغير رأيي رغم أني مستمع جيد. ولن أغير رأيي في أن مذهبي أفضل من مذهبها فأين الثريّا من الثرى ومع ذلك أنا مستعد للاستماع. ليس بالضرورة أن نتفق لكن أصول الديمقراطية أن نتناقش.
هي مقتنعة ومصرة بأن الحاكم نزيه ويجب أن يعود، فالغوغاء أثاروا غبارهم على ستائر الوطن فبدا شاحباً. وأن معتقدها هو من يوصل إلى الجنة.
هي تصرخ وتولول ولا أسمع نقيقها.
أصدح أنا بمقولتي وأكسر الطاولة بيدي ولا تكترث لفحيحي.
نتكلم دون أن نتقبل بعضنا. بالتأكيد لن أسمع ترهات امرأة وهي لن تكترث لجنون رجل.
تكثر الغوغاء حولنا، ألف رأي، حولنا ألف من يفتي. بدأت الحشود بالتعبير عن تأييدها العائلي والذكوري كما أصحاب القلوب الرقيقة وأصحاب الوجوه الصدئة رغبة في تبييضها بإذكاء نار الفتنة. ثم تطور الأمر إلى نكزة فوخزة أذكاها البعض بضربة من قطعة خشبية أو هجمة بسكين مطبخ. لكن الرد جاء سريعاً من بندقية صيد أسكتها رشاش اوتوماتيكي. هبت قبيلتانا مدافعة عن شيء لا يعرفه أي منا. حاولنا إسكات الجميع لنقاتل بمعرفتنا ونستمتع بإيذاء بعضنا بعضاً على نار حقد هادئة ريثما ننكفئ ونتصالح في حضن حميم. لكن هيهات أن يحصل فالمسألة تجاوزت قضية تحرير الوطن فتجمعت ألف قطعة سلاح.
سقط الكثير دون معرفة المصير ولم نولِ ذهابهم نظرة وداع.
لكن أهل الخير كانوا سباقين فتدخل الجيران واشتركوا بالحوار الذي نصحوا به، فتحاوروا تارة بالسكاكين وطوراً بالحجارة بطريقة ديمقراطية، لم أتنازل عن إصراري على تركيعها وإذلالها بينما أصرت هي على الطلاق مع أننا لم نتزوج بعد. ساندتها جمعية حقوق المراة وساندتني السلطة الذكورية، سالت على أثرها الدماء فتدخلت جمعية الرفق بالحيوان للدفاع عن كلبها الصغير الذي كانت تربيه فاعترض حماري على العنصرية مما حدا بالأمريكان أن يقوموا بحملة لإنقاذ الكلب تاركين الحمار يعاني نوبة اكتئاب حادة. لم يجدوا الكلب فقصفوا البلدة دون جدوى. أصبح الكلب هاجساً في خطابات الأمين العام للأمم المتحدة مما أثار حفيظة شعوب المنطقة الرحيمة بالتبرع بجنودهم ووسائل رصدهم البشرية لاستخدام السلاح والإرهاب من أجل حماية الكلب المذعور العازب. هو من أصول فرنسية لكلاب كانت تنبح في بلاط لويس الرابع عشر. لم يتورع الأتراك والإيرانيون كما أهل الخليج بمد يد العون بحثاً عن حبيب القلب الذي ما زالت ذكراه حية.
هي مازالت مصرة على عنادها وما زال رأسي متأصلاً بتكسير رأس المرأة التي أحب تيمناً بمقولة اذبح القط ليلة الزفاف. سقط صاروخ قوي دمر منزلنا المزعوم، فيما تلاحق القوات الخاصة لبلد لا أعرفه رجلاً عجوزاً يحمل قفّة صغيرة. تمّ إلقاء القبض عليه متلبساً بسرقة الكلب الصغير.
أُعلنت هدنة على جميع خطوط التماس لتسهيل عملية نقل الكلب إلى مستشفى أرسلته الحكومة الأمريكية تلبية لرغبة جمعية الرفق بالحيوان. مرّت سيّارة الإسعاف بين أكداس المصابين المرميين فوق بيوتهم المهدّمة. بعد ساعات أعلن المتحدّث باسم البيت الأبيض عن نجاح العملية العسكرية ودعا الزوجين للمصالحة تحت شعار لا غالب ولا مغلوب.

نزولًا عند رغبة الأطراف المتنازعة التقينا في جلسة حوار على كرسيين متحركين واتُّخذ قرار لم نطّلع عليه.
تحت رعاية كل الأطراف انتقلنا إلى خيمة مؤقتة بعد زواج مكتوم الفرحة على أمل أن تكون شقتنا المدمّرة جاهزة بعد إتمام شروط المصالحة بين قبيلتينا المتناحرتين.

* شاعر و روائي لبناني
من كتاب يعيش النظام ص 137

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى