الشهر الميمون/ بقلم الدكتور علي أيوب

الشهر الميمون
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، لا سيما نبينا المصطفى، وعلى آله وصحبه ومن على آثارهم اقتفى.
لطائف الصدقة
من أسرار الصدقة أنها تقي مصارع السوء وتفرج الكرب وتقرب نفوس المؤمنين إلى الزهد في الدنيا والسير في طريق تقوى الله، وهي سبب في شفاء المريض بإذن الله. مهما كانت الصدقة نفيسة فإنها لا تؤخر رزقًا ولا تُعسر موسرًا، فما نقص مال من صدقة بل نما وبورك به، والنبي صلى الله عليه وسلم خير قدوة كان يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة ويدعو لمن تبرع ولو بالقليل من ماله ابتغاء الأجر. وما أحوج المسلم في هذه الأيام إلى أخيه المسلم! يقدم له العون ويجبر كسره. والله يفرج كرب من فرج عن أخيه المسلم في يوم القيامة، ويضاعف الثواب لمن يشاء وهو أكرم الأكرمين. تصدق ولو بالقليل فما تنفقه ابتغاء مرضاة الله قد يكون سببًا للعتق من النار أو رفع الدرجات.
التضامن والتعاون
رمضان شهر الرحمة والألفة والتواد والتراحم، أنت تعرف معنى أن يكون هناك شخص من أفراد الأسرة غائبًا في رمضان، تتذكره مع كل أذان ومع كل طعام يحبه ومع كل ضحكة ومع كل دعاء، تفتقده وتشعر بحال كل أسرة فقدت عزيزًا. تأمل معي يا أخي حال اليتيم، فقد فقد سند بيته ومن كان يؤمّن له ما يحتاجه ومن كان يشعر به قبل أن يتكلم. اعزم بقلبك على أن تكرم يتيمًا في رمضان، على أن تفرح قلبه بنية خالصة لله تعالى، اجمعه بأفراد عائلتك، خذه معك إلى الصلاة في المسجد، وشاركه لحظات الدفء والطمأنينة والطاعات. اليتيم جزء من المجتمع، ونبينا محمد عليه الصلاة والسلام نشأ يتيمًا، وربّنا أوصى بعدم قهر اليتيم. كافل اليتيم له درجة عالية في الجنة، فاحرص على أن تنال تلك الدرجة.
سماحة الرفق
العادة أن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، والرفق يعز صاحبه ويوقره ويجعله مقبولًا في قلوب الناس، فارفق بمن حولك لا سيما نهار الصوم، فسائق سيارة الأجرة يتعب طيلة النهار تحت حر الشمس، وبائع الخضروات ينتظر من يشتري منه ليؤمن قوت عياله، والنجار يعمل مع الجهد والتعب، والمدرّس بالشغف والإتقان يعطي المطلوب منه كما كان يفعل حال فطره، والأم والزوج والعامل والتاجر وغيرهم، ارفق بهم حين تعاملهم، ولا تكن فظًّا بأسلوبك، كأنك وحدك الصائم الجائع العطشان. راع مشاعر غيرك حتى في مزاحك، وتذكر أن الصيام حِصن يقي من الوقوع في الكبائر بإذن الله الرحمن الرحيم، فاترك الكلام الفاحش، والزم الاستغفار، وحافظ على التقوى، وساعد بما استطعت، واجبر خواطر من حولك تجدِ البركة في وقتك ويومك… وتسعد في الدارين بعون الله.
الاعتكاف في المساجد
إن ممن يظلهم الله تعالى في ظل العرش يوم القيامة من كانت قلوبهم معلقة بالمساجد، هي بيوت الله، فيها نعبد الله تعالى، بالصلاة والدعاء والذكر وتلاوة القرءان والاعتكاف، فيها يلتقي المسلمون ويفشون السلام بينهم، يبتسم المسلم في وجه أخيه، يصلي الداخل تحية المسجد وينوي الاعتكاف فيحصل الثواب بمكثه في المسجد. المسجد مكان عبادة، وهو من شعائر الله تعالى، فاحرص يا أخي على أن تعظم هذه الشعيرة بأعمال البر، ولا سيما في شهر رمضان فإن القلوب ترق فيه، دعاؤك يزيد وهمتك تشحن ويقوي المسلم أخاه ويعينه. والاعتكاف مسنون في كل الشهور، إلا أنه في رمضان يضاعف الأجر، فلا تترك هذه السنة الحسنة لا سيما في العشر الأواخر منه. أسأل الله تعالى أن يجعلنا من الذين تعلقت قلوبهم بالمساجد وممن اتقوا ربهم بتعظيم شعائر الله.
رياض الجنة
رياض الجنة حِلقُ الذكر، المجالس التي يذكر فيها الحلال والحرام، فيها حياة للقلوب ونعمة للمرء يؤتاها بحضورها، مجالس العلم تحفها الملائكة ويستغفر لأجلها الحيتان في البحر، مجالس علم الدين تذكّر الإنسان ما نسيه وتزيده علمًا وتنفعه في الدنيا والآخرة ويصير بها عاملًا بوصية رسول الله. رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلم الصغار والكبار والصحابة علموا من بعدهم والتابعون كذلك حتى وصل العلم إلينا بسند وضبط وإخلاص. طوبى لمن تزود لآخرته وسعى إلى هذه المجالس فكان له في كل خطوة يخطوها أجر وبركة. إخواني، العلم يحرسنا والعمل به ينجينا، الصغير والشاب والعجوز ينور قلبه بتعلم علم الدين ويصلح حاله ويرى في نفسه أن كثيرًا من البلايا تدفع عنه لأجل ذلك، فلنغتنم نعمة وجود المشايخ الثقات، فإن العلماء ورثة الأنبياء.
شهر التلاقي
تكثر أسباب الاجتماعات بين المسلمين في رمضان، فمن إفطار إلى سحور إلى حلقة ذكر ومجلس علم وسهرة ليلية طيبة وصلة أرحام وزيارة مريض وصلاة تراويح وإلى غير ذلك الكثير. احرص في كل هذا على أن لا تفارق إلا وقد جبرت خاطرًا أو ابتسمت أو اطمأننت أو شكرت أو دعوت. فالمسلم بأخيه يقوى، والمسلم عون لأخيه على الخير، أفشِ بين من تلاقيهم السلام، واستقبلهم بابتسامة، وبشرهم بالخير، ولا ترمِ أمامهم كل مشاكلك اليومية، بل احرص على أن تنطق بكلام الخير والرفق.
ما أحوجنا في هذه الأيام إلى من يذكرنا بأنها أيام فانية وستمضي! وبأن كل يوم هو وقت للعمل الصالح وللتزود للآخرة، وأن الرزق مقسوم، والرب كريم، وما شاء الله لا بد أن يحصل، وأن ما أخطأنا لم يكن ليصيبنا. وتذكر أنك إن جبرتَ ستُجبر بإذن الله.
والحمد لله أولًا وآخرًا، وصلى الله وسلم على نبينا الهادي عليه الصلاة والسلام.