أدب وفن

حين تفقد الجرأة بوصلتها/ هند يوسف خضر *

حين تفقد الجرأة بوصلتها
الجرأة صفة من الصفات الإنسانية التي ترتبط بالثقة بالنفس والقدرة على التعبير عن الرأي وتحدي الصعوبات، وهي كغيرها من الصفات التي تفقد قيمتها عندما نتجاوز حدودها الطبيعية. هذا ما لاحظنا انتشاره خلال السنوات الأخيرة، حيث برزت سلوكيات كثيرة تدفعنا إلى التساؤل:
هل ما نراه اليوم هو جرأة حقيقية، أم أن الجرأة فقدت بوصلتها وأصبحت مبررة لتجاوز الخصوصية والحدود؟
لقد أصبحت أغلب التصرفات تمارس بشكل علني ودون تحفظ، فهناك من يكشف علاقته الشخصية بالطرف الثاني أمام الآخرين، وهناك من يكسر الحواجز ليخترق الحياة الأسرية والعاطفية لأحدهم، وهناك أيضاً من يعتقد أنه من المسموح التعبير عن كل شيء. وهذا الواقع يثير تساؤلاً مهماً: هل المشكلة تكمن في مفهوم الجرأة بحد ذاته، أم في تآكل الحدود؟
هذا الموضوع يعود إلى عدة أسباب، أبرزها: قلة الإدراك والوعي حول الخصوصية في العلاقات الشخصية. انتشار وسائل التواصل الاجتماعي وتأثيرها في سلوك الفرد، مما يدفعه إلى مشاركة خصوصياته دون التفكير في تحصين نفسه. عدم القدرة على التمييز بين مفهوم الجرأة والتعبير الواعي من جهة، وبين إسقاط الخصوصية من جهة أخرى. البحث عن التعاطف والاهتمام. الاعتقاد الخاطئ أن كل ما نتعرض له نستطيع التعبير عنه بحرية مطلقة وبدون قيود.
هذه السلوكيات لها نتائج سلبية على الفرد والمجتمع، من أبرزها: تراجع الثقة داخل العلاقات الأسرية. ازدياد القلق وسوء الفهم من تدخلات غير مرغوبة. خلق جو من الاضطراب بسبب تلاشي الحدود المرسومة. تحويل العلاقات الخاصة إلى موضوع عام للنقاش، وبالتالي تصبح عرضة للانتشار والتداول بين الأفراد. فقدان أهم الصفات التي يتحلى بها الفرد، ألا وهي الحياء والاحترام.
بكل تأكيد، لن نستطيع منع الأفراد من التعبير عن أنفسهم أو التزام الصمت المطلق، بل نستطيع تقديم نصائح لزيادة الوعي وخلق القدرة لديهم على عدم المزج بين الجرأة وإسقاط الخصوصية، مثل: ترسيخ فكرة أن الجرأة لا تعني البوح بكل شيء. زيادة الوعي من خلال إقامة الندوات للتعريف بأضرار إسقاط الخصوصية. تشجيع الحوار المتبادل بين الأفراد. الأخذ بعين الاعتبار أهمية قيمة الحياء بوصفها سلوكاً نابعاً من النضج والإدراك.

*هند يوسف خضر.. سوريا/ شاعرة و قاصة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى