أدب وفن

أفراح مسجونة داخل المستطيل الأخضر

د . منى نوال حلمى
===============
أفراح مسجونة داخل المستطيل الأخضر
==============================

على هذا الكوكب ، ملايين من الناس ، يأكلون من صفائح القمامة ، يشربون من المستنقعات، مرضى بلا طبيب ، ودواء … عجزة ، مشردون ، ينامون تحت الكبارى ، وفوق العربات الخردة ، عاطلون عن العمل ، يتسولون رغيفا من الخبز للاختفاء داخله ،،، مهاجرين من بلادهم ، وربما يشتغلون كالعبيد فى أماكن غير أوطانهم .
وصل عدد سكان العالم ، الذين يعيشون فى فقر مدقع ، الى 700 مليون شخص ، حيث العيش بأقل من 2.15 دولارا يوميا ، ويصل الرقم الى 3 مليار شخص ، للفقر متعدد
الأبعاد ، تعليم وصحة ومستوى المعيشة ، يعيشون على أقل من 6 .85 دولارا يوميا .
أكثر هؤلاء التعساء ، لا يملكون الا جلدا على عظم ” ، يتركزون فى قارة أفريقيا ، رغم
أنها بلاد غنية بالموارد الطبيعية ، والمعادن ، والنفط ، والغاز ، والذهب .
على هذا الكوكب نفسه ، أنفق ما يقرب من 20 مليار دولارا ، على تنظيم مونديال
2026 ، حيث ربحت الفيفا ما يقرب من 11 مليار دولارا .
ما هذا الذى يحدث ، ، باسم ” الرياضة ” ، و ” الترفيه ” ، و ” التواصل ” ؟.
أنا أحب الرياضة ، وأحب الترفيه ، وليس عندى مشكلة مع التواصل . لكن
مشكلتى ، أننى لا أستطيع أن ” أفرح ” والعدالة غائبة .
أشياء كثيرة فى هذا العالم ، تم تزييفها ، وتفريغها من محتواها ، واعادة حشوها
بالأكاذيب المفخخة ، برائحة الدولارات ، والهامبرجر ، عابرة الحدود .
المشكلة مع هذه ” الأشياء المونديالية ” ، أنها بحكم طبيعتها ، وأهدافها ، فى تناقض
جوهرى ، مع ” الرياضة ” ، و ” الترفيه ” ، و ” التواصل ” ، كما يجب ان يكون ، فى مجتمعات انسانية ، تدعم كرامة البشر ، وتضمن لأبسط امرأة ، ورجل ، وطفل ، الحد الأدنى الكريم اقتصاديا ، وثقافيا . وبعد ذلك ، يمكنها أن تنفق على الرياضة ، والترفيه ، والتواصل .
أنا لا أستوعب ، هذا العبث ، والسفه ، فى اختلال أولويات الانفاق . أن الثالوث المذل المهين ، الفقر والجهل والمرض ، يمكننا القضاء عليه ، اذا توفرت الارادة ، وتخلت الحكومات ، والدول ، وصناع القرار ، عن الجشع ، والطمع .
من غير المعقول ، ألا نشعر بالمعاناة اليومية ، للملايين من الأشخاص ، ذوى الفقر
المدقع ، من أجل عيون الفيفا .
ان ضخامة الأموال ، التى تم انفاقها لاقامة مونديال 2026 ، ( 20 مليار دولارا ) ،
والأرباح ( 9 مليار دولارا ) ، كان بامكانها ان تمسح عار الفقر ، عن جبين البشرية . لكننا نعلم أن حضارة رأس المال التوسعية ، لا تسمح بذلك .
ينص عقد تأسيس الفيفا ، الاتحاد الدولى لكرة القدم ، وكان فى 21 مايو 1904 ،
( باريس ) ، أنها جمعية غير ربحية .
ولكنها على مر السنوات ، أصبحت ” امبراطورية ” مالية عملاقة ، تحوى أشرس مجالات ” البيزنس ” ، والمنافسات ، وتصفية الحسابات السياسية ، والرهونات ، وجرائم المافيا ، وتجارة المخدرات ، وغسيل الأموال .
ومنذ أول مونديال فى باراجواى 1930 ، حتى الآن ، نجحت ال فيفا ، فى تشكيل عقول
شباب المدن ، والقرى فى العالم ، ليكونوا أبطال المونديال مستقبلا . كل منهم يحلم بأن
تكون ” قدماه ” هى سبيل الثراء ، والشهرة ، ودخول التاريخ ، مثل ميسى ، ورونالدو ،
هالاند ، جوردان بيكفورد .
قال كارل ماركس 5 مايو 1818 – 14 مارس 1883 ، ” الدين أفيون الشعوب “.
ما نراه اليوم ، يؤكد أن ” المونديال ” هو أفيون الشعوب . ولأن المونديال ، يأتى
كل أربع سنوات ، فان الاشتياق اليه ، تعدى حدود التشجيع ، وتحول الى ” هوس ” ، مكتمل الأركان .
ان الغضب ، والصراخ ، والقفز فى الهواء ، تبادل الشتائم ، والاتهامات ، الاحتفالات الصاخبة ، الأزياء الغريبة ، رسم الأعلام على الوجوه ، التعليقات العنصرية المتعصبة ، والخناقات ، ودفع آلاف الدولارات لحجز مكان ، من أعراض ” الهوس ” الكروى .
ان التهليل والضحكات والرقص ، والصخب، تشير الى حقيقة مقلقة ، أن هؤلاء المشجعين ، محبطون ، منهزمون ، وأنهم يستمتعون بالتواجد معا ، ومشاركة هذه
العواطف . ” الجول ” هو انجازهم الوحيد . والمستطيل الأخضر ، فرحتهم الكبرى .
ان اختراق واهتزاز الشِباك ، وصياح الملايين معه ، يحمل معانى السيطرة ، والتحكم ، والانتصار ، والاختراق ، وحتى النشوة الجنسية .
الكاتب ، وفيلسوف اللغة والتاريخ ، والباحث فى آليات القوة ، والسلطة ،
والأستاذ الأكاديمى الأميركى ، وأحد أعضاء اللجنة الدولية ، لمكافحة الجرائم ، ومجرمى الحروب ، نعوم تشومسكى ، يقول : ” المسابقات الرياضية تخلق ، وترسخ الوطنية المتعصبة ، والشوفينية ، وتجعل الجماهير تدين بالولاء لجلاديها .. السيطرة على الشعب ،

تستلزم تشتيت انتباهه ، وابقاءه مشغولا دائما ، وطول الوقت ، حتى لا يفكر “.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى