زياد أبو لبن: حين تتجاور القصة والنقد في مسيرة أدبية …حوار في الكتابة والسرد والنقد وأسئلة الأدب الأردني والعربي حاوره: البشير عبيد / تونس

زياد أبو لبن: حين تتجاور القصة والنقد في مسيرة أدبية …
حوار في الكتابة والسرد والنقد وأسئلة الأدب الأردني والعربي حاوره: البشير عبيد / تونس
في مسيرة الأدب الأردني المعاصر أسماء استطاعت أن تجعل من الكتابة مشروعًا ممتدًا يتجاوز حدود الجنس الأدبي الواحد، ومن بينها القاص والناقد والأكاديمي الدكتور زياد أبو لبن، الذي راكم خلال عقود تجربة أدبية ونقدية جعلته حاضرًا في أكثر من مساحة من مساحات الحياة الثقافية الأردنية والعربية. أبو لبن ليس قاصًا يكتب القصة من خارج أسئلة النقد، ولا ناقدًا يتعامل مع النصوص من موقع أكاديمي بارد؛ إنه كاتب جمع بين حساسية المبدع وأدوات الناقد، ولذلك تبدو تجربته قائمة على حوار دائم بين الإبداع والقراءة، بين إنتاج النص ومساءلته، وبين الانشغال بجماليات الأدب والبحث في قضاياه وأسئلته الكبرى. و قد انعكس ذلك في تعدد مؤلفاته النقدية والقصصية، و في اهتمامه بالسرد العربي، وبخاصة تجربته النقدية مع أدب نجيب محفوظ. و قد أسهم حضوره الثقافي والمؤسسي في ترسيخ موقعه داخل المشهد الأدبي الأردني؛ إذ تولى رئاسة رابطة الكتاب الأردنيين بين عامي 2015 و2017، وهي مسؤولية وضعته في قلب الحركة الثقافية الأردنية، و في مواجهة مباشرة مع أسئلة الكاتب والمؤسسة الثقافية ودور الأدب في المجتمع. كما أن تكريمه و توثيق تجربته في كتاب «على حافة الضوء» يعكسان حجم الاهتمام بمسيرته وما تركته من أثر في القصة والنقد والحوار الثقافي وأدب الطفل والتحقيق الأدبي. أما في القصة القصيرة، فقد اختار أبو لبن الاقتراب من الإنسان في تفاصيله اليومية، ومن الواقع بما يحمله من مفارقات وأسئلة وتوترات. وهي كتابة لا تفصل الجمالي عن الإنساني، ولا ترى في القصة مجرد بناء فني مغلق، وإنما فضاءً لاختبار التجربة البشرية ومساءلة الواقع. ومن هنا يمكن فهم العلاقة الخاصة بين قاص يكتب وناقد يقرأ؛ فكل واحد منهما يبدو حاضرًا في الآخر. وفي النقد، تتسع التجربة لتشمل قضايا القصة والرواية والشعر، فضلًا عن الاشتغال على أسماء وتجارب عربية بارزة. وقد احتل نجيب محفوظ موقعًا مهمًا في هذا المشروع النقدي، ليس باعتباره اسمًا مركزيًا في الرواية العربية فحسب، وإنما بوصف تجربته السردية مجالًا خصبًا لاختبار أدوات القراءة النقدية، والبحث في بناء الشخصية، وتقنيات السرد، وعلاقة الأدب بالواقع الاجتماعي والثقافي. وقد قاده هذا الاهتمام إلى دراسات وكتب تناولت جوانب محددة من عالم محفوظ الروائي، بما يؤكد أن علاقته بالنص المحفوظي لم تكن عابرة، وإنما جاءت ضمن انشغال نقدي أوسع بقضايا السرد العربي وآلياته وتحولاته. وتكتسب هذه التجربة النقدية أهميتها من كونها تنطلق من معرفة دقيقة بالنص، لكنها لا تعزله عن محيطه الإنساني والاجتماعي والثقافي؛ فالنقد عند أبو لبن ليس تفكيكًا تقنيًا للنص وحسب، وإنما محاولة لفهم ما يقوله الأدب عن الإنسان والعالم، وما تكشفه الشخصيات والأحداث واللغة من طبقات خفية في التجربة الفردية والجماعية. ومن هذه الزاوية، يبدو اشتغاله على نجيب محفوظ جزءًا من مشروع نقدي أرحب يتابع الرواية والقصة والشعر، ويواكب المنجز الأدبي العربي، ويطرح أسئلة الكتابة والتلقي والقيمة الجمالية. كما أن إسهامه النقدي لا ينحصر في حدود التجربة الأردنية؛ فقد ظل منفتحًا على الأدب العربي في امتداداته وتجلياته المختلفة، قارئًا نصوصًا وتجارب لكتاب وشعراء وقصاصين وروائيين من أجيال وبلدان عربية متعددة. وهو ما جعل كتاباته النقدية جزءًا من الحوار العربي حول الأدب، لا مجرد ممارسات نقدية مرتبطة بجغرافيا ثقافية واحدة. وفي مواقفه من النقد العربي الراهن، تتجلى نزعة واضحة إلى الدفاع عن النقد الجاد، ومساءلة ظاهرة المجاملة، والتأكيد على ضرورة أن يستعيد النقد وظيفته المعرفية والجمالية، وأن يكون شريكًا حقيقيًا للإبداع لا مجرد تعليق عابر عليه. ومن موقعه ككاتب وناقد وأستاذ جامعي وفاعل ثقافي، عاين أبو لبن تحولات الأدب الأردني والعربي، وشهد أجيالًا متعاقبة من الكتاب والمبدعين، وتابع انتقال الكتابة من زمن المجلات والصحف والمنتديات الثقافية إلى زمن المنصات الرقمية، وما رافق ذلك من تغير في علاقة الكاتب بالقارئ وبالمؤسسة الثقافية وبوسائط النشر والتلقي. لذلك لا يأتي هذا الحوار بوصفه استعادة لسيرة شخصية فحسب، وإنما محاولة للاقتراب من تجربة أدبية تشكلت عند تقاطع القصة والنقد والثقافة، ولفتح أسئلة تتصل بمصير القصة القصيرة، ووظيفة النقد، وتحولات الذائقة، وأزمة المؤسسة الثقافية، وموقع الأدب العربي في زمن التحولات الكبرى. في هذا الحوار، نتوقف مع الدكتور زياد أبو لبن عند البدايات والتكوين، ونستعيد تجربته في القصة القصيرة، ونقترب من مشروعه النقدي، ونسأله عن علاقته بنجيب محفوظ، وعن المشهد الأدبي الأردني، وعن النقد العربي الراهن، وعن أسئلة الحداثة والتجريب، وعن مسؤولية المثقف والكاتب تجاه قضايا الإنسان العربي، وصولًا إلى فلسطين بوصفها قضية ثقافية وإنسانية وحضارية لا تغيب عن وجدان الكاتب العربي. إنه حوار مع تجربة أدبية و نقدية اختارت أن تكتب، وأن تقرأ، وأن تسائل الكتابة في الوقت نفسه.
- سؤال البدايات والتكوين القصصي
حين نستعيد تجربتكم القصصية، يبدو أن الكتابة عندكم لم تكن مجرد ممارسة فنية، وإنما مسارًا طويلًا لاكتشاف الإنسان وأسئلته وتحولاته. كيف تشكل وعيكم الأول بالكتابة والسرد؟ وما الذي دفعكم إلى اختيار القصة تحديدًا فضاءً للتعبير عن رؤيتكم للإنسان والمجتمع والواقع؟
• حين أستعيد بداياتي مع الكتابة، لا أستطيع أن أحدد لحظة بعينها وأقول: من هنا بدأت. أظن أن الأمر تكوّن في داخلي منذ الطفولة، من المكان الذي عشت فيه، ومن الحكايات التي سمعتها، ومن تفاصيل صغيرة بقيت عالقة في الذاكرة.
أنا ابن المخيم الفلسطيني، والمخيم بالنسبة إليّ ليس مجرد مكان، بل جزء أساسي من تكويني الإنساني والقصصي. عشنا بين الخيام ثم البراكيات، في أزقة ضيقة يعرف الناس فيها أخبار بعضهم، ونسمع حكايات الآباء والأمهات والجيران، ونعيش أفراحهم وأحزانهم. وكانت فلسطين حاضرة في تلك الحكايات، في أسماء الأماكن والذكريات والحديث عن البيوت التي تركها أصحابها. لذلك أقول أحيانًا إن الحكاية كانت أول مدرسة دخلتها من غير أن أعرف أنها مدرسة.
ومع مرور الوقت اكتشفت أن التفاصيل الصغيرة التي بدت عادية، مثل المخبز ودكان الحي ورائحة المكان وأصوات الناس وطريقة كلامهم، أصبحت جزءًا من ذاكرتي وكتابتي. أدركت أن الذاكرة لا تحتفظ بالأحداث الكبيرة وحدها، بل قد تختزن تفصيلًا صغيرًا أكثر مما تختزن حادثة كاملة.
ثم جاءت القراءة، فوسّعت علاقتي بالحكاية، وجعلتني أكتشف كيف يستطيع الأدب أن ينقل الإنسان إلى عوالم لم يعشها. وكان لدراستي للغة العربية أثر مهم في وعيي باللغة، وفي إدراكي أن الكلمة ليست مجرد وسيلة للتعبير، بل قد تحمل إحساسًا وذاكرة وزمنًا كاملًا.
أما القصة، فوجدت نفسي قريبًا منها لأنها تشبه الحكاية التي نشأت عليها. أحب أن أمسك تفصيلًا صغيرًا في حياة إنسان، وأن أرى ما وراءه. ولهذا أميل إلى الشخصيات العادية؛ لأنني أؤمن أن وراء كل وجه حياة كاملة، وقد يخفي الإنسان البسيط خوفًا أو حلمًا أو خسارة لا نعرف عنها شيئًا.
ومن هنا جاءت علاقتي بالذاكرة. فالذاكرة ليست استعادة للماضي كما كان، بل إن الماضي يتغير عندما ننظر إليه بعد سنوات. وحين أعود اليوم إلى طفولتي، أراها بعين مختلفة، وأكتشف فيها معاني لم أكن قادرًا على رؤيتها آنذاك.
وعندما أكتب عن المخيم، فأنا لا أكتب عن نفسي وحدي، بل عن عالم يضم أناسًا وأصواتًا وأماكن وذكريات، ولذلك تتحول الذكرى الشخصية إلى جزء من ذاكرة جيل كامل. ومع ذلك، لا أنقل الواقع كما هو؛ فالواقع مادة أولى، وما يهمني هو الإنسان داخله: الفقر والحرب والمنفى والحب والخوف والفقد، وكيف يستطيع الإنسان رغم كل ذلك أن يحتفظ بشيء من الحلم.
أحب أن أصغي إلى شخصياتي قبل أن أحكم عليها، لأن الإنسان بطبيعته مليء بالتناقضات. وما أكتبه يحمل بالضرورة شيئًا مما عشته وقرأته وشاهدته. فالطفل الذي عاش في المخيم ما يزال حاضرًا في داخلي، وقد يظهر في قصة أو صورة أو رائحة أو تفصيل صغير.
ولهذا أشعر أحيانًا أنني لم أختر القصة وحدي؛ كأن القصة اختارتني أيضًا. فهي الأقرب إلى الحكاية التي نشأت عليها، وإلى التفاصيل التي ظلت ترافقني، وإلى الإنسان الذي شغلني منذ بداياتي.
لذلك، إذا أردت أن أختصر علاقتي بالكتابة في جملة واحدة، أقول: بدأت من الذاكرة، ثم قادتني الذاكرة إلى الحكاية، وقادتني الحكاية إلى الإنسان. وما زلت أكتب لأنني أؤمن أن حياة الإنسان، مهما بدت عادية، تخبئ دائمًا حكاية لم تُروَ بعد.
- بين القاص والناقد: أيهما يضيء الآخر؟
أنتم تجمعون بين تجربتين قلما تجتمعان بالعمق نفسه: القاص الذي يصنع النص، والناقد الذي يقرأ النص ويفكك بنياته ودلالاته. هل كان الناقد في داخلكم رقيبًا على القاص، أم أن القاص هو الذي كان يحرر الناقد من صرامة المناهج والمفاهيم؟ وهل تعتقدون أن ممارسة النقد غيّرت بالضرورة طريقة كتابتكم للقصة؟
• أعتقد أن العلاقة بين القاص والناقد في تجربتي ليست علاقة صراع أو رقابة بقدر ما هي علاقة حوار مستمر. فالقاص والناقد يسكنان الشخص نفسه، لكن لكل واحد منهما طريقته في النظر إلى النص. القاص ينطلق غالبًا من الحدس والخيال والتجربة والانفعال، بينما يحاول الناقد أن يتوقف عند التفاصيل، وأن يسأل عن البناء والدلالة واللغة والشخصيات وما وراء النص.
في أثناء الكتابة، أحاول ألا أسمح للناقد بأن يفرض سلطته على القاص. فاللحظة الإبداعية تحتاج إلى قدر من الحرية، وإذا ظل الكاتب يفكر بالمناهج والمصطلحات والنظريات وهو يكتب، فقد يفقد شيئًا من عفوية النص وحرارته. لذلك أترك القاص في البداية يكتب، ويترك للذاكرة والمخيلة والتجربة أن تقوده. وبعد أن يكتمل النص، يأتي دور الناقد الداخلي، فيبدأ السؤال: هل نجحت القصة؟ هل الشخصيات مقنعة؟ هل اللغة في مكانها؟ هل هناك زوائد يمكن حذفها؟ وهل استطاع النص أن يقول ما أريده دون مباشرة؟
من هذه الناحية، كان الناقد مفيدًا جدًا للقاص، لكنه لم يكن رقيبًا عليه بالمعنى الذي يمنعه من المغامرة. بل ربما كان بمثابة العين الثانية التي ترى ما قد لا يراه الكاتب وهو داخل تجربته.
وفي المقابل، أعتقد أن القاص هو الذي يحرر الناقد من صرامة المناهج. فالممارسة الإبداعية تجعل الناقد أكثر تفهمًا لتعقيدات النص الأدبي، وتجعله يدرك أن النص لا يمكن دائمًا إخضاعه لقالب نقدي جاهز. هناك دائمًا شيء في الأدب يتجاوز المفاهيم، شيء يتعلق بالروح والإحساس والتجربة الإنسانية، وهذا ما تعلمته من الكتابة نفسها.
أما السؤال حول ما إذا كانت ممارسة النقد قد غيّرت طريقة كتابتي للقصة، فالإجابة بالتأكيد نعم، ولكن ليس بمعنى أنني أصبحت أكتب القصة وفق نظرية نقدية محددة. النقد جعلني أكثر وعيًا بما أفعل. أصبحت أكثر انتباهًا إلى بناء القصة، وإلى الاقتصاد في اللغة، وإلى ضرورة أن تكون كل شخصية أو جملة أو تفصيل جزءًا من النسيج العام للنص. كما أصبحت أكثر قدرة على اكتشاف الخلل، وعلى حذف ما لا يخدم القصة، حتى لو كنت متعلقًا به عاطفيًا.
لكنني في المقابل لا أريد أن تتحول القصة إلى تمرين نقدي أو أكاديمي. القصة في النهاية عمل إبداعي، وهي تحتاج إلى روح قبل أن تحتاج إلى نظرية. ولهذا أحاول دائمًا أن أفصل بين المرحلتين: في لحظة الكتابة أكون قاصًا، وفي لحظة المراجعة أستدعي الناقد.
وأظن أن أجمل ما في اجتماع التجربتين أن كل واحدة منهما تصحح الأخرى. القاص يمنح الناقد حساسية تجاه النص والحياة، والناقد يمنح القاص وعيًا بأدواته. وبين الاثنين تتشكل تجربتي.
لذلك لا أرى الناقد داخلي رقيبًا على القاص، ولا القاص متمردًا على الناقد، وإنما أراهما صوتين يتحاوران باستمرار. وقد يكون هذا الحوار أحد الأسباب التي جعلتني أتعامل مع الكتابة باعتبارها تجربة قابلة للمراجعة والتطور، لا نصًا مغلقًا بمجرد الانتهاء منه.
وفي النهاية، أؤمن بأن الناقد يمكن أن يضيء للقاص الطريق، لكنه لا ينبغي أن يقود خطواته؛ لأن القاص يحتاج إلى أن يظل حرًا في اكتشاف طريقه، حتى لو قاده ذلك أحيانًا إلى منطقة غير مألوفة.
- القصة والرواية الأردنية وأسئلة التحول
كيف تنظرون إلى مسار القصة والرواية الأردنية خلال العقود الأخيرة؟ وهل استطاع هذا السرد أن يؤسس خصوصيته الجمالية والموضوعية داخل المشهد القصصي والروائي العربي، أم أنه ما يزال يبحث عن موقعه بين التحولات الكبرى التي عرفها السرد العربي المعاصر؟ وأين تضعون تجربتكم الشخصية ضمن هذا المسار؟
• أرى أن القصة والرواية الأردنية شهدتا خلال العقود الأخيرة تحولات مهمة، سواء على مستوى الموضوعات أم على مستوى التقنيات والأساليب. فقد انتقل السرد الأردني من التركيز على تسجيل الواقع الاجتماعي والسياسي إلى مساحة أوسع من التجريب، وأصبح أكثر اهتمامًا بالذات والذاكرة والمكان وأسئلة الهوية والتحولات التي يعيشها الإنسان الأردني والعربي.
واللافت في التجربة الأردنية أن تنوع المجتمع نفسه انعكس على السرد؛ فالمدينة والقرية والبادية والمخيم، إلى جانب التجربة الفلسطينية في الأردن، كلها شكلت مصادر غنية للكتابة. لذلك لا أعتقد أن الأدب الأردني يفتقر إلى المادة أو الموضوع، وإنما التحدي الحقيقي يكمن في كيفية تحويل هذه المادة إلى نص يمتلك لغته وخصوصيته الفنية.
وأنا أرى أن السرد الأردني استطاع أن يحقق حضورًا عربيًا واضحًا، وأن يقدم أسماء وتجارب مهمة، لكنه ما يزال بحاجة إلى مزيد من التراكم النقدي الذي يقرأ هذه التجارب ويضعها في سياقها، لأن الأدب لا يصنع حضوره بالكتابة وحدها، وإنما يحتاج أيضًا إلى نقد جاد يكتشف منجزه ويضيء تحوّلاته.
أما تجربتي الشخصية، فأنا أضعها داخل هذا المسار لا خارجه. أنا أكتب من بيئتي وذاكرتي، من المخيم ومن تفاصيل الحياة اليومية، ومن الإنسان الذي عرفتُه وعشتُ إلى جواره. لكنني لا أريد أن تبقى تجربتي محصورة في المكان؛ فالكاتب حين يكتب عن مكانه الحقيقي يستطيع أن يصل إلى الإنسان في كل مكان إذا استطاع أن يحول خصوصيته إلى سؤال إنساني.
لهذا حضرت الذاكرة والمكان والإنسان في كثير من كتاباتي، وحاولت أن ألتقط التفاصيل الصغيرة التي قد تبدو عابرة، لأنها في نظري تختزن تاريخًا اجتماعيًا ونفسيًا كاملًا. وربما كانت هذه هي مساهمتي المتواضعة في مسار القصة الأردنية: أن أكتب ما أعرفه، وأن أحاول أن أحوله من تجربة شخصية ومحلية إلى تجربة أدبية يستطيع الآخر أن يرى نفسه فيها.
وأعتقد أن السرد الأردني لا يزال في طور التحول، وهذا أمر إيجابي. فالأدب الذي يتوقف عن البحث عن أسئلة جديدة يتحول إلى تكرار. وما يعنيني اليوم ليس أن نسأل هل وصل السرد الأردني إلى موقعه العربي أم لا، بل أن نسأل: هل ما زال قادرًا على اكتشاف الإنسان الأردني والعربي في تحوّلاته الجديدة؟ وهذا، في رأيي، هو التحدي الحقيقي أمام القاص والروائي الأردني اليوم.
- الناقد في زمن التحولات الثقافية
شهد النقد الأدبي العربي تحولات عميقة، من المناهج البنيوية والأسلوبية والسيميائية إلى القراءات الثقافية وما بعد الكولونيالية وأسئلة الهوية والذاكرة والجندر وغيرها. كيف تنظرون اليوم إلى وظيفة الناقد؟ وهل ما زال النقد قادرًا على إنتاج معرفة حقيقية بالنص، أم أنه أصبح في أحيان كثيرة تابعًا لتحولات المشهد الثقافي وسوق النشر؟
• أعتقد أن وظيفة الناقد اليوم أصبحت أكثر صعوبة، لأن النص الأدبي نفسه أصبح أكثر تعقيدًا وانفتاحًا على حقول معرفية متعددة. لم يعد الناقد يستطيع الاكتفاء بمنهج واحد، كما لم يعد من الممكن قراءة النص بمعزل عن أسئلته الثقافية والاجتماعية والتاريخية.
أنا لا أنظر إلى المناهج النقدية باعتبارها مراحل تلغي إحداها الأخرى. البنيوية والأسلوبية والسيميائية والقراءات الثقافية وما بعد الكولونيالية وغيرها، كلها أدوات يمكن أن تساعد الناقد، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول المنهج من أداة لقراءة النص إلى سلطة تفرض نفسها عليه. النص، في رأيي، هو الذي ينبغي أن يقود الناقد إلى المنهج المناسب، وليس العكس.
والناقد الحقيقي، بالنسبة إليّ، ليس من يستعرض أكبر عدد من المصطلحات، وإنما من يستطيع أن يكشف ما في النص من جمال وأسئلة ودلالات، وأن يضيف إلى النص معرفة جديدة دون أن يصادره أو يفرض عليه ما ليس فيه.
أما القول إن النقد أصبح تابعًا لتحولات المشهد الثقافي أو سوق النشر، فهو أمر موجود في بعض الحالات، خصوصًا عندما تتحول العلاقة بين الناقد والكاتب إلى مجاملة أو إلى بحث عن الحضور الإعلامي. لكنني لا أعتقد أن هذا يلغي دور النقد الجاد. ما يزال هناك نقد حقيقي يحاول أن يقرأ النص بموضوعية، وأن يضعه في سياقه، وأن يختبر قيمته الفنية والفكرية.
وقد أفادتني تجربتي كقاص في عملي النقدي؛ لأنني حين أقرأ نصًا أدبيًا أعرف أن وراءه كاتبًا يعيش لحظة الكتابة بكل ما فيها من قلق وتردد ومخيلة وتجربة. وفي المقابل، أفادتني ممارسة النقد في كتابة القصة، لأنها جعلتني أكثر وعيًا باللغة والبناء والشخصية والتفاصيل.
لذلك أرى أن الناقد في زمن التحولات لا ينبغي أن يكون تابعًا للموضة النقدية ولا لسوق النشر، وإنما ينبغي أن يكون وسيطًا معرفيًا وجماليًا بين النص والقارئ. مهمته أن يضيء النص، لا أن يضع نفسه فوقه.
وفي النهاية، أعتقد أن النقد سيظل قادرًا على إنتاج المعرفة ما دام الناقد يمتلك استقلاله وقراءته العميقة وصدقه مع النص. فالمنهج يتغير، والمصطلحات تتغير، وسوق النشر يتغير، لكن الحاجة إلى قراءة حقيقية للنص لا تتغير. - مصر: الجامعة بوصفها مختبرًا للتكوين
دراستكم في مصر تمثل، بالتأكيد، محطة أساسية في تكوينكم العلمي والثقافي. ماذا أعطتكم مصر على مستوى المعرفة والتكوين النقدي والإنساني؟ وكيف أثرت الحياة الثقافية المصرية، بجامعاتها ومؤسساتها ومجالسها الأدبية، في بناء شخصيتكم الأدبية والفكرية؟ وهل هناك لحظة مصرية بعينها ما تزال حاضرة في ذاكرتكم بوصفها لحظة تأسيس؟
• كانت مصر بالنسبة إليّ أكثر من محطة للدراسة؛ كانت مرحلة أساسية في تكويني العلمي والثقافي والإنساني. عندما ذهبت إلى القاهرة للدراسات العليا، كنت أحمل معي رغبة في المعرفة، لكنني اكتشفت هناك أن الجامعة ليست قاعات ومحاضرات ومناهج فقط، وإنما هي بيئة كاملة تعيد تشكيل طريقة الإنسان في التفكير والنظر إلى الأشياء.
أعطتني الجامعة في مصر معرفة أكاديمية أكثر عمقًا، وعرّفتني إلى مدارس واتجاهات نقدية مختلفة، وجعلتني أكثر قدرة على قراءة النص الأدبي قراءة تتجاوز الانطباع الأول. تعلمت هناك أن النقد ليس أحكامًا جاهزة، وإنما أسئلة وبحث ومقارنة وحوار مع النص.
لكن الأهم أن مصر نفسها كانت جامعة أخرى. القاهرة مدينة لا يمكن أن تعيش فيها دون أن تتأثر بها ثقافيًا. المكتبات، ودور النشر، والندوات، والاتحادات والملتقيات الأدبية، والمقاهي التي يجتمع فيها المثقفون، كلها كانت جزءًا من تجربة التعلم. كنت أخرج من الجامعة لأجد نفسي أمام جامعة أخرى مفتوحة على الحياة.
ومن الأشياء التي أثرت في تكويني أنني كنت قريبًا من الكتاب والثقافة المصرية، وكنت أقرأ وأبحث عن الكتب، وأزور المعارض والمكتبات، وأتعرف إلى الحياة الثقافية في القاهرة. وكان لمدينة مثل القاهرة قدرة خاصة على أن تجعلك ترى الأدب بوصفه جزءًا من الحياة، وليس نشاطًا منفصلًا عنها.
وأعتقد أن الاحتكاك بالثقافة المصرية وسّع رؤيتي للعالم العربي. فقد اكتشفت أن التجربة الأدبية لا تنفصل عن المجتمع، وأن الكاتب يتشكل أيضًا من المدن التي يعيش فيها ومن الناس الذين يلتقيهم ومن الأسئلة التي تطرحها عليه الحياة.
أما عن لحظة مصرية بعينها أعتبرها لحظة تأسيس، فلا أستطيع أن أحصر التجربة في لحظة واحدة. كانت هناك لحظات كثيرة، لكن من أكثر ما بقي في ذاكرتي تلك الساعات التي كنت أقضيها بين الكتب، أتنقل بين المكتبات وأماكن الثقافة، وأشعر أنني أمام عالم واسع يمكن أن أكتشف فيه نفسي من جديد.
ومن ذكرياتي التي بقيت معي أيضًا زياراتي إلى المتاحف والأماكن التاريخية في القاهرة، وتجولي في أحيائها القديمة، وجلوسي في المقاهي الشعبية، ومراقبتي للحياة من حولي. هذه التفاصيل ربما لا تبدو مرتبطة بالدراسة في ظاهرها، لكنها في الحقيقة جزء من التكوين الإنساني للكاتب.
مصر علمتني أن المعرفة ليست معلومات فقط، وأن الجامعة الحقيقية لا تنتهي عند باب المدرج. علمتني أن أقرأ أكثر، وأن أسأل أكثر، وأن أختلف دون أن أقطع الحوار، وأن أرى الثقافة باعتبارها حياة كاملة.
ولهذا، عندما أتذكر مصر اليوم، لا أتذكر الجامعة وحدها، وإنما أتذكر مرحلة كنت أتعلم فيها كيف أصبح أكثر وعيًا بنفسي وبالآخر وبالنص. كانت مصر بالنسبة إليّ مختبرًا للمعرفة، لكنها كانت أيضًا مختبرًا للإنسان؛ وفي الحالتين تركت أثرًا لا يزال حاضرًا في كتابتي وطريقة تفكيري.
- العلاقات مع الوسط الأدبي والثقافي المصري
مصر لم تكن بالنسبة إلى المثقف العربي مجرد بلد للدراسة، بل كانت طويلًا فضاءً مركزيًا للحوار الأدبي والفكري والاحتكاك بأسماء وتجارب عربية كبرى. كيف كانت علاقاتكم بالوسط الأدبي والثقافي المصري؟ ومن هم الأدباء والنقاد والمثقفون الذين تركوا أثرًا في تجربتكم، سواء من خلال الصداقة أو الحوار أو الاختلاف؟ وهل حملتم من تلك التجربة المصرية شيئًا إلى المشهد الثقافي الأردني؟
• علاقتي بالوسط الأدبي والثقافي المصري كانت من أهم ما خرجت به من تجربتي في مصر. فقد اكتشفت أن الثقافة لا تُكتسب من الكتب وحدها، وإنما من الاحتكاك بالناس، ومن الحوار، ومن الاختلاف، ومن الجلوس مع المثقفين والاستماع إلى تجاربهم.
كنت قريبًا من الحياة الثقافية في القاهرة، وكنت أتابع الندوات والفعاليات، وأزور المكتبات ودور النشر، وألتقي بالكتاب والمثقفين. وكانت القاهرة آنذاك فضاءً واسعًا يلتقي فيه المثقف العربي بالمصري، وتتاح فيه فرصة نادرة للتعرف إلى تجارب مختلفة، والاستماع إلى نقاشات تتجاوز حدود النص إلى أسئلة المجتمع والسياسة والإنسان.
وأذكر أن من أكثر ما أفادني في تلك المرحلة هو الاحتكاك بتجارب أسماء كبيرة في الأدب والنقد المصري والعربي، وعلى رأسها تجربة نجيب محفوظ، ليس فقط من خلال كتبه، وإنما من خلال الحضور الثقافي الذي تركه في القاهرة، وكذلك أسماء نقدية وأدبية عديدة كنت أقرأ لها وأتابع ما تكتبه. وكان الاختلاف في الرأي أحيانًا أكثر فائدة من الاتفاق؛ لأنه يدفعك إلى إعادة النظر في أفكارك واختبارها.
كما كان للمجالس واللقاءات الأدبية أثر خاص في تكويني. كنت أتعلم من طريقة المثقف في الحوار، ومن قدرته على الدفاع عن رأيه، ومن احترامه للرأي المختلف. وهذه الخبرة جعلتني أؤمن بأن الثقافة الحقيقية تقوم على الحوار لا على العزلة.
ولم أعد من مصر حاملًا أسماء أو كتبًا فقط، بل عدت بطريقة مختلفة في النظر إلى المشهد الثقافي. اكتشفت أهمية المؤسسة الثقافية، وأهمية الندوة، وأهمية اللقاء المباشر بين الكاتب والقارئ، وأهمية أن يكون المثقف حاضرًا في الحياة العامة، لا أن يبقى داخل كتبه.
وحين عدت إلى الأردن، حاولت أن أنقل شيئًا من هذه الروح إلى عملي الثقافي، سواء من خلال الكتابة النقدية أو المشاركة في النشاط الثقافي أو الاهتمام بالكتاب والمبدعين. لكنني لم أكن أريد أن أنقل النموذج المصري كما هو؛ فلكل بلد خصوصيته وظروفه. ما حاولت نقله هو روح الحوار والانفتاح والاحتكاك بالآخر، والإيمان بأن الثقافة فعل جماعي وليست جهدًا فرديًا فقط.
وأعتقد أن أهم ما بقي معي من مصر هو احترام التجربة الثقافية، وعدم التعامل مع الاختلاف بوصفه خصومة. فقد تعلمت أن الكاتب يحتاج إلى أن يقرأ من يختلف معه كما يقرأ من يتفق معه، وأن الحوار الحقيقي قد يبدأ من الاختلاف.
لهذا أستطيع القول إن مصر لم تكن محطة مررت بها ثم غادرتها، وإنما تركت في تكويني الثقافي أثرًا مستمرًا. أخذت منها الكثير، وعدت إلى الأردن وأنا أكثر إيمانًا بأن الثقافة العربية، رغم اختلاف بيئاتها، فضاء واحد، وأن التواصل بين المثقفين هو الذي يمنح هذا الفضاء حيويته واستمراره.
- المثقف الأردني بين المحلي والعربي
أنتم حاضرون في المشهد الثقافي الأردني روائيًا وناقدًا وفاعلًا في الحياة الأدبية. كيف تقرأون اليوم موقع المثقف الأردني داخل المشهد العربي؟ وهل استطاع الأدب الأردني أن يتجاوز حدود الجغرافيا ليصبح جزءًا مؤثرًا في حركة الثقافة العربية، أم أن ثمة عوائق مؤسساتية وإعلامية ونقدية ما تزال تحول دون وصول كثير من التجارب الأردنية إلى المجال العربي الأوسع؟
• أرى أن المثقف الأردني يمتلك حضورًا مهمًا في المشهد العربي، وأن الأدب الأردني استطاع خلال العقود الماضية أن يقدم تجارب وأسماء لها قيمتها الفنية والفكرية. لكن المشكلة ليست دائمًا في مستوى الإبداع، وإنما في قدرة هذا الإبداع على الوصول إلى القارئ العربي.
لدينا كتاب وقاصون وروائيون ونقاد يمتلكون تجارب حقيقية، لكن هناك عوائق تتعلق بالنشر والتوزيع والإعلام والنقد والترجمة. فالكاتب قد ينجز عملًا مهمًا، لكنه يظل محصورًا في المجال المحلي إذا لم يجد مؤسسة نشر قادرة على إيصال كتابه، أو نقدًا عربيًا يقرأ تجربته، أو إعلامًا يمنحه مساحة للحضور خارج الأردن.
وأعتقد أن الجغرافيا لم تعد هي المشكلة الأساسية؛ المشكلة في شبكات التواصل الثقافي التي تستطيع أن تجعل النص حاضرًا في أكثر من مكان. وهذا يتطلب مؤسسات ثقافية أكثر فاعلية، ومشروعات ترجمة، وتبادلًا حقيقيًا بين المبدعين العرب، ونقدًا يتعامل مع الأدب الأردني باعتباره جزءًا من الحركة الأدبية العربية، لا بوصفه أدبًا محليًا فقط.
أما من ناحية التجربة، فأنا لا أؤمن بالفصل الحاد بين المحلي والعربي. الكاتب يبدأ من مكانه، من ذاكرته وبيئته ولغته، لكنه حين ينجح في تحويل تجربته الخاصة إلى سؤال إنساني، يتجاوز حدود الجغرافيا. ولذلك أرى أن قوة الأدب الأردني يمكن أن تأتي تحديدًا من خصوصيته، لا من محاولته تقليد ما يكتب في المراكز الثقافية العربية الكبرى.
وبالنسبة إلى تجربتي الشخصية، فقد حاولت دائمًا أن أكون حاضرًا في المشهد الثقافي الأردني من خلال الكتابة القصصية والنقدية والمشاركة في الحياة الثقافية، لكنني لم أنظر إلى هذا الحضور باعتباره هدفًا في حد ذاته. ما يهمني هو أن أكتب وأن أشارك في بناء حركة ثقافية حقيقية، وأن أكون جزءًا من الحوار العربي الأوسع.
وأعتقد أن المثقف الأردني بحاجة إلى أن يتخلص من الشعور بأن المركز الثقافي العربي موجود دائمًا في مكان آخر. نحن نمتلك تجاربنا وذاكرتنا وأسئلتنا، ولدينا ما نقوله. المطلوب فقط أن نعمل على إيصال هذا الصوت.
لذلك، إذا كان هناك تحدٍّ أمام الأدب الأردني اليوم، فهو ليس غياب الإبداع، وإنما غياب بعض القنوات التي تنقل هذا الإبداع إلى العالم العربي. وحين تتوافر هذه القنوات، أعتقد أن الأدب الأردني قادر على أن يحتل موقعًا أكثر حضورًا وتأثيرًا في الثقافة العربية.
وفي النهاية، أرى أن المحلي والعربي ليسا نقيضين؛ كل أدب عظيم يبدأ من مكان محدد، لكنه لا ينتهي عند حدوده.
- سؤال الثقافة العربية ومستقبل الأدب
بعد مسيرة طويلة في الرواية والنقد والعمل الثقافي، كيف تنظرون إلى المشهد الأدبي العربي اليوم في ظل التحولات الرقمية، وتراجع القراءة التقليدية، وصعود المنصات الجديدة، وتبدل علاقة الأجيال الشابة بالكتاب والنص؟ ثم، بعيدًا عن التشخيص، ما الذي ينبغي أن يفعله الروائي والناقد والمثقف العربي حتى يستعيد الأدب دوره في إنتاج الأسئلة، وصناعة الوعي، والدفاع عن الإنسان في زمن عربي شديد الالتباس؟
• أعتقد أننا نعيش اليوم مرحلة مختلفة تمامًا في علاقتنا بالكتاب والأدب. التحولات الرقمية غيّرت طريقة القراءة، وأصبح النص متاحًا أمام القارئ بوسائل لم تكن موجودة من قبل، لكن المشكلة أن وفرة النصوص لا تعني بالضرورة وفرة القراءة العميقة. نحن أمام جيل يقرأ، لكنه يقرأ بطريقة مختلفة؛ قراءة سريعة، متقطعة، ومتعددة الوسائط، وهذا يفرض على الكاتب والمثقف أن يفهما التحول بدل أن يقفا في مواجهته.
أنا لا أرى أن الكتاب الورقي انتهى، ولا أعتقد أن المنصات الرقمية ستلغي الأدب. الأدب قادر على تغيير وسيلته، لكنه لا يفقد جوهره. فالإنسان سيظل بحاجة إلى الحكاية، وإلى الشعر، وإلى السؤال، وإلى من يعبر عن خوفه وأحلامه وانكساراته. الذي يتغير هو طريقة الوصول إلى النص، وليس حاجة الإنسان إلى النص.
المشكلة الحقيقية في رأيي ليست في التكنولوجيا، وإنما في تراجع العلاقة العميقة مع المعرفة. نحن نحتاج إلى إعادة بناء عادة القراءة، وإلى أن نعلّم الأجيال الجديدة أن الكتاب ليس مجرد مصدر للمعلومات، وإنما مساحة للتفكير والتأمل واكتشاف الذات والآخر.
أما دور الكاتب، فلا أعتقد أنه تغير في جوهره. الروائي والقاص مطالبان بأن يظلا قريبين من الإنسان، وأن يلتقطا التحولات التي تحدث في المجتمع، وأن يطرحا الأسئلة التي قد لا يجرؤ الآخرون على طرحها. الأدب ليس خطبة سياسية، ولا ينبغي أن يتحول إلى شعارات، لكنه يستطيع أن يدافع عن الإنسان من خلال كشف ما يتعرض له من قهر وتهميش وفقدان للحرية والكرامة.
والناقد بدوره مطالب بأن يواكب هذا التحول، وأن يقرأ النصوص الجديدة بأدوات جديدة، دون أن يقع في أسر المصطلحات أو الموضات النقدية. نحن بحاجة إلى نقد يضيء النص ويكشف قيمته، لا إلى نقد يكتفي بإطلاق الأحكام أو إعادة إنتاج المصطلحات.
أما المثقف العربي، فأعتقد أن مسؤوليته اليوم أكبر من أي وقت مضى. عليه أن يكون حاضرًا في مجتمعه، وأن يدافع عن العقل والحوار والحرية، وأن يقاوم التجهيل والتعصب والتسطيح. الثقافة ليست ترفًا في زمن الأزمات، بل تصبح أكثر ضرورة عندما يختلط الحق بالباطل، وتضيع الحقيقة وسط الضجيج.
وبعد مسيرة طويلة مع الكتابة والنقد والعمل الثقافي، أصبحت أكثر إيمانًا بأن الأدب لا يستطيع أن يغيّر العالم وحده، لكنه يستطيع أن يغيّر الإنسان، والإنسان هو الذي يغيّر العالم. قد لا تمنع رواية حربًا، ولا توقف قصة ظلمًا، لكنها تستطيع أن تجعلنا نرى الإنسان الذي يقع تحت وطأة الحرب والظلم، وأن تمنح صوته حضورًا وذاكرة.
ولهذا أعتقد أن مستقبل الأدب العربي ليس قاتمًا، رغم كل ما يحيط به من تحديات. الأدب سيبقى ما دام الإنسان يبحث عن معنى لحياته، وعن لغة يقول بها ما يعجز عن قوله في حياته اليومية.
وما نحتاجه اليوم هو أن نعيد للأدب وظيفته الأساسية: أن يسأل، لا أن يلقّن؛ أن يضيء، لا أن يضلل؛ وأن ينحاز إلى الإنسان، لا إلى القوة.
فالروائي يكتب كي لا تضيع الحكايات، والناقد يقرأ كي لا تضيع الدلالات، والمثقف يحاور كي لا يضيع العقل. وربما تكون هذه، في النهاية، مهمتنا جميعًا: أن نحافظ على الإنسان حيًا في النص، وفي الثقافة، وفي الذاكرة، مهما كان هذا الزمن ملتبسًا وقاسيًا.




