أدب وفن
بشار إبراهيم .. الذي لم يترك الذاكرة للغياب

الكاتب زكريا السيد احمد
بشار إبراهيم .. الذي لم يترك الذاكرة للغياب
- لم أعرف الناقد والقاص والشاعر الراحل ( بشار إبراهيم ) صديقا من جيلي ، ولا أستطيع أن أستعيد علاقتي به من هذه الزاوية ، فقد كان أكبر مني بسنوات ، وكان حين بدأت أقترب من الكتابة والنشر قد قطع في الطريق مسافة طويلة ، وصار له اسمه وحضوره وموقعه في المشهد الثقافي ، يومها كنت لا أزال أختبر علاقتي بالكلمة ، وأبحث عن منفذ لنصوص لم أكن أعرف بعد إن كانت ستجد طريقها إلى القراء ، بينما كان ( بشار ) قد عرف مبكرا أن الكتابة لا تكفي وحدها ، وأن النص يحتاج أحيانا إلى من يفتح له الباب قبل أن يصبح صاحبه قادرا على فتح الأبواب لنفسه ، لذلك كان من أوائل الذين انتبهوا إلى محاولاتي الأولى ، ونشر لي قصائد في مجلات كان يقف في مقدمتها ، وظل ذلك في ذاكرتي لا بوصفه فضلا شخصيا فحسب، وإنما بوصفه علامة على طبيعة رجل كان يرى في البدايات ما قد لا يراه فيها الآخرون ، فهو لم يكن ينظر إلى الكاتب من موقع ما أصبح عليه ، وإنما من موقع ما يمكن أن يصير إليه ، ولهذا بقي حضوره في ذاكرتي مرتبطا بتلك اللحظة التي يسبق فيها الإنسان نفسه ، ويأتي من يلتقطه قبل أن يعرف تماما إلى أين يمضي ، وربما أعترف للمرة الأولى بعادته المشهورة في تلك المرحلة ، عندما كان يشد أذني بعد أن يقرأ لي قصيدة ولا يرى فيها تطورا عن سابقتها ، ولهذا فإنني الى اليوم وبعد خمسة وثلاثين عاما أتحسس أذني بعد كتابة كل قصيدة او قصة قصيرة او مقالة وبذلك أفخر ، كان شده لأذني يومها أقرب إلى درس صغير في معنى أن يأخذ أحدهم بدايتك على محمل الجد ، ولكن بكل أمانة فإن ( بشار إبراهيم ) أكبر من أن يُستعاد من خلال علاقة شخصية ، وأوسع من أن تختصر تجربته شهادات الذين عرفوه أو عمل معهم ، بل أكثر ما يظلمه اليوم بعد رحيله أن يتحول إلى مجموعة من الصفات المتجاورة ، شاعر وقاص وناقد وصحفي وباحث ومهتم بالسينما ، فهذه كلها صحيحة لكنها لا تفسر الرجل ، فما يفسره برأيي هو ذلك الخيط الذي ظل يصل بين هذه الوجوه ، ويجعل انتقاله من الكتابة إلى النقد ، ومن النقد إلى البحث ، ومن البحث إلى التوثيق، يبدو في النهاية كأنه حركة واحدة لا انتقالات متفرقةفيها ، فقد كان يبحث في كل مرة بأداة مختلفة ، عن الإنسان الذي يمكن أن تضيع حكايته إذا لم يجد من يحفظها ، وعن الصورة التي قد تختفي إذا لم تجد من يضعها في مكانها ، وعن التاريخ الذي يمكن أن يصبح ناقصا إذا تُركت وثائقه للتلف والنسيان .
- البداية الأصدق لفهم ( بشار ) لا تكون في الكتب التي حملت اسمه ، وإنما في علاقته المبكرة بالكتابة نفسها ، فقد بدأ شاعرا وقاصا ، قبل أن تتسع تجربته باتجاه النقد السينمائي ، ولم يكن ذلك الانتقال قطيعة مع الأدب بقدر ما كان اكتشافا لمساحة أخرى يمكن للكلمة أن تعمل فيها ، كانت لديه حساسية المبدع تجاه التفاصيل ، وقدرة الكاتب على التقاط ما وراء المشهد الظاهر ، وهي حساسية لم تغادره حين جلس أمام الفيلم ناقدا ، ولا حين أمسك بالوثيقة باحثا ، وهذا ما يفسر شيئا من خصوصية تجربته ، فهو لم يدخل إلى السينما بعين الناقد وحدها ، وإنما دخل إليها وفي داخله شاعر وقاص يعرف أن التفاصيل الصغيرة قد تحمل أحيانا ما تعجز عنه العبارات الكبيرة ، وربما كان انتماؤه الأول للمخيم عموما وفي ( مخيم دنون ) بشكل خاص أحد المفاتيح التي تساعد على فهم هذا الإصرار ، فالمخيم بالنسبة إلى من عاش فيه ليس مجرد مكان للفقر أو اللجوء ، ولا صورة جاهزة عن الفلسطيني في الشتات ، فهو مكان يحمل ذاكرة أكبر من جغرافيته ، ويجعل سؤال الأصل حاضرا حتى في التفاصيل اليومية ، ومن هنا يمكن فهم اهتمام ( بشار ) لاحقا بالمخيم في الرواية الفلسطينية وفي السينما ، وبكل ما يتصل بطريقة حضور الفلسطيني في النص والصورة ، فالمكان ظل حاضرا في مشروعه لا بوصفه حنينا إلى الماضي ، وإنما بوصفه سؤالًا عن الكيفية التي يمكن بها ألا تتحول تجربة الفلسطيني إلى مجرد أثر بعيد عن أصلها .
- حين دخل ( بشار إبراهيم ) عالم النقد السينمائي ، فهو لم يدخل إليه من باب المتابعة العابرة أو الانبهار بالصورة بل من باب البحث ، ففي النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي قرر التفرغ للكتابة في السينما ، وراح يتعامل معها بوصفها مجالا معرفيا يحتاج إلى القراءة والفحص والتأريخ ، لا مجرد أحكام انطباعية على الأفلام ، وفي تجربته مع السينما الفلسطينية تحديدا ، كان السؤال يتجاوز الفيلم نفسه إلى ما وراءه : من صنع الصورة ؟ ومتى ؟ وفي أي سياق ؟ وما الذي بقي منها ؟ وما الذي لم يصل إلى الأجيال اللاحقة ؟ ولهذا لم يكن نقده منفصلا عن هاجس التوثيق ، ولم يكن التوثيق عنده عملا إداريا باردا ، بل كان جزءا من حماية المعنى الذي قد يضيع إذا فقدت الصورة تاريخها ، وهو لم يتعامل أيضا مع هذه السينما بوصفها مادة نقدية فحسب ، بل رأى فيها تجربة شديدة الخصوصية في علاقتها بالقضية والاقتلاع والبحث عن الحرية ، ولعل عبارته الأبرز {{ سينما القضية الفلسطينية نحتت من حجر }} تختصر شيئا جوهريا من رؤيته ، فالحجر هنا ليس مجرد استعارة لقسوة الطريق ، وإنما إشارة إلى سينما كان عليها أن تشق طريق وجودها وسط التشتت وضياع الأرشيف وتبدل الأمكنة والظروف ، ومن قضى سنوات في البحث عن هذه السينما وجمع أفلامها ووثائقها لم يكن يقرأ ما يظهر على الشاشة فقط ، بل كان يحاول أن يعيد للصورة مكانها في تاريخها ، ومن هنا تأتي أهمية كتابه ( السينما الفلسطينية في القرن العشرين ) ليس باعتباره منجزا شخصيا ، وإنما باعتباره محاولة لجمع تاريخ متشظ في مسار يمكن الرجوع إليه ، فالسينما الفلسطينية وبحكم النكبة والشتات وتقطع المؤسسات وضياع كثير من المواد ، لم تكن تملك دائما رفاهية أن تحتفظ بكل ما أنتجته ، ولذلك كان البحث في الأفلام وأسماء صانعيها ومراحل تشكلها ، وعلاقتها بالتحولات الفلسطينية والعربية ، عملا يتجاوز النقد إلى إعادة بناء جزء من الذاكرة الثقافية الفلسطينية ، وامتد هذا المشروع في كتب أخرى منها ( ثلاث علامات في السينما الفلسطينية الجديدة ) و ( فلسطين في السينما العربية ) بحيث لم تعد مؤلفاته مجرد قراءات لأفلام ، وإنما صارت أجزاء من محاولة أوسع لتكوين معرفة يمكن أن يستند إليها من يأتي بعده .
- لم يتوقف مشروع (بشار ابراهيم ) عند السينما الفلسطينية وحدها ، فقد كتب في السينما السورية والعربية ، واشتغل على تجارب ومخرجين وقضايا تتصل بالمشهد السينمائي الأوسع ، وشارك في الصحافة الثقافية وفي المهرجانات ، ووصل في عمله إلى إدارة المحتوى في مهرجان دبي السينمائي الدولي ، وهذا الاتساع مهم لأنه يكشف أن فلسطين لم تكن عنده جزيرة منفصلة عن محيطها الثقافي ، كما أن اهتمامه بالسينما العربية لم يكن ابتعادا عن فلسطين ، فهو كان يرى المشهد كله ويبحث داخل تداخلاته عن موقع القضية الفلسطينية فيه ، وعن الطريقة التي تتحول بها السينما من صناعة للصورة إلى صناعة للمعنى .
- كتاب ( المخيم في الرواية الفلسطينية ) الذي كتبه ( بشار إبراهيم ) يكشف لنا وجها آخر من مشروعه الإبداعي ، وجه الكاتب والباحث الذي لم يكن يرى الأدب منفصلا عن المكان الذي أنتجه ، ولا الرواية منفصلة عن الذاكرة التي تحملها ، فقد تتبع فيه حضور المخيم في الرواية الفلسطينية ، وقرأ كيف انتقل المكان من فضاء للعيش القسري إلى فضاء سردي يعيد الفلسطيني من خلاله بناء علاقته بالوطن والاقتلاع والذاكرة ، وهنا يبدو انتقاله بين الأدب والسينما أقل غرابة مما قد يبدو للوهلة الأولى ، فالموضوع في الحالتين هو الإنسان الفلسطيني وهو يحاول أن يحتفظ بما يربطه بمكان لم يعد قادرا على الوصول إليه ، وهنا تتضح قيمة ( بشار ) أكثر ، حيث لم يكن يجمع موضوعات متفرقة حول فلسطين ، بل كان يلاحق الفلسطيني في وسائط متعددة ، فمرة في الرواية ، واخرى في الفيلم ، ومرة في المقالة ، ومرة في الوثيقة ، قد كان فعلا يغير الأداة لكنه لا يغير السؤال : كيف يبقى الإنسان حاضرًا في التاريخ ، وكيف لا تتحول تجربته إلى رواية مبتورة أو صورة بلا سياق ؟ ولهذا كان التوثيق عنده أكثر من حفظ مواد قديمة ،إذ عرف أن الوثيقة ليست مجرد ورقة ، وأن التاريخ حين يختل في معلومة صغيرة يمكن أن يربك ما يأتي بعده ، لذلك تراه انشغل بجمع المواد المتعلقة بالسينما الفلسطينية ، والاحتفاظ بنسخ من الأفلام والوثائق وترتيب المعلومات وربطها بسياقاتها ، وربما كان هذا الجانب من تجربته أقل صخبا من النقد والكتابة ، لكنه كان من أكثرها أهمية ، لأن الناقد يستطيع أن يكتب عن فيلم ، أما من يحفظ الفيلم وتاريخ ظهوره وسياقه فيمنح الأجيال اللاحقة فرصة لأن تعود إليه أصلا ، ولعل شهادة الناقد الفلسطيني ( سليم البيك ) من بعد رحيل ( بشار ) تضيء هذه النقطة أكثر مما تستطيع أي قائمة من المؤلفات أن تفعل ، فقد كتب ( كان بشار إبراهيم بمثابة مؤسسة كاملة لحفظ أرشيف هذه السينما ونقدها وتقديمها ) وهذا يدلل على حجم الدور الذي كان يؤديه خارج حدود الكتابة ذاتها ، فقد كان يجمع المعرفة ويصنفها ويقدمها ، حتى صار وجوده نفسه جزءًا من البنية التي يعتمد عليها الباحثون والسينمائيون في الاقتراب من تاريخ السينما الفلسطينية .
- لا يخفى على أحد أن ( بشار إبراهيم ) كان قريبا من المبدعين ومن البدايات ، وهذه ليس هامشا جانبيا في شخصيته ، لأن الرجل الذي أمضى سنوات طويلة في البحث عن تاريخ السينما ومبدعيها ، كان يعرف قيمة اللحظة الأولى التي يظهر فيها صوت جديد ، لذلك لم يكن اهتمامه بالكتابة الجديدة منفصلا عن مشروعه الأكبر ، وهو الذي كان يرى أن الثقافة لا تبنى فقط بما استقر من أسماء وإنما أيضا بما لم يأخذ فرصته بعد ، وفي هذا الجانب كانت تجربتي المبكرة معه شاهدا صغيرا على هذا السلوك الثقافي ، فقد كان من الذين يفتحون نافذة أمام نص لم يكن يعرف بعد إن كان سيجد طريقه ، وهي سمة لم تكن خاصة بعلاقتي به ، وإنما كانت جزءا من طريقته في التعامل مع البدايات ومع أصحابها .
- لعل ما يجعل تجربة بشار جديرة بالإنصاف أنه لم يكن صاحب مشروع مريح ، فالمشروع الذي اختاره كان يحتاج إلى قراءة لا تنقطع ومشاهدة مستمرة وبحث ومتابعة ، وصبر على تفاصيل قد لا تمنح صاحبها حضورا سريعا ، لكنها تمنح الآخرين معرفة يبنون عليها ، وحين اشتد عليه المرض ، لم يتعامل مع العمل بوصفه شيئا يمكن تأجيله إلى أن تتحسن الظروف ، فقد ظل قريبا من مشروعه ، وكأن الزمن الذي كان يضيق حوله جعله أكثر تمسكا بما أمضى سنوات في جمعه وكتابته ، وليس المهم هنا أن نضيف إلى سيرته حكاية مرض ورحيل ، فهذه النهاية يعرفها الجميع ، وإنما المهم أن نرى ما تكشفه عن أن المشروع الذي حمله لم يكن وظيفة ينتهي دوامها ، بل كان جزءا من تعريفه لنفسه .
- رحل ( بشار إبراهيم ) في الثلاثين من آذار عام ٢٠١٧ في ( دبي ) تاركا وراءه كتبا ودراسات ومقالات وأعمالا بحثية ، لكن ما تركه في الحقيقة أكبر من قائمة مؤلفات ، إذ ترك طريقة في النظر إلى الثقافة الفلسطينية تقوم على أن الصورة تحتاج إلى من يحفظ تاريخها ، وأن الكاتب يحتاج إلى من يقرأه بجدية ، وأن المكان يحتاج إلى من يمنع اختزاله ، وأن ما لا نؤرشفه اليوم قد يصبح غدا جزءا مفقودا من ذاكرتنا الثقافية ، ولهذا فإن إنصافه لا يكون بإضافة اسم آخر إلى قائمة الراحلين ، ولا بتحويله إلى صورة معلقة في جدار الذاكرة الثقافية ، فالإنصاف الحقيقي أن نقرأ ما تركه ، وأن نرى مشروعه كاملا لا مجزأ بين شاعر وقاص وناقد وكاتب وباحث وصحفي ، وأن نفهم أن ما يبدو في سيرته انتقالا من مجال إلى آخر كان في جوهره بحثا متصلا عن الإنسان الفلسطيني في الكتاب والصورة والمكان والوثيقة ، والمفارقة التي تستحق أن نتوقف عندها اليوم أن الرجل الذي أمضى جزءا كبيرا من حياته في البحث عن الأشياء التي كادت تضيع ، وحاول أن يمنحها مكانا في الذاكرة ، يحتاج هو نفسه الآن إلى ألا يُختصر في ذكرى عابرة أو شهادة سريعة ، فهو في الحقيقة لم يكن هامشا في المشهد الثقافي الفلسطيني والعربي حتى يُذكر على هامشه ، فقد كان واحدا ممن اشتغلوا بصمت على بناء ما نحتاجه اليوم أكثر من أي وقت مضى ، في معرفة لا تفقد أسماءها ، وفي صورة لا تنفصل عن تاريخها ، وفي ثقافة تعرف أن ما يُترك بلا توثيق قد لا يجد من يستعيده لاحقا .
- اليوم في حضرة استذكار سيرة ( بشار إبراهيم ) لا ينبغي لنا أن نقيس غيابه بعدد السنوات التي مرت منذ رحيله ، بل بعدد الأشياء التي ما زلنا نحتاج إلى من ينقذها من الغياب ، فكلما ضاعت صورة ، أو سقط اسم من سجل ، أو وجد فيلم طريقه إلى النسيان ، بدا لنا أن الرجل لم يكن يكتب عن الذاكرة بقدر ما كان يحرسها ، وها نحن، اليوم بعد سنوات نكتب عنه فيما ترك هو لنا ما نعود إليه ، وهذه وحدها مفارقة تستحق التأمل في أن يصبح حارس الذاكرة جزءا من الذاكرة التي حرسها ، ولعل الوفاء الحقيقي له ألا نكتفي بأن نتذكره ، بل أن نتعلم منه كيف لا نترك ما يستحق البقاء للغياب .
زكريا السيد أحمد.. كاتب فلسطيني.. سورية




