أدب وفن

قراءة لقصيدة – حبيبة أخرى …قصيدة أخرى – للشاعرة سمية تكجي مراثي الكينونة المؤجلة: حين تكتُبُ سمية تكجي وصيةَ الحضور في زمن الغياب المتوحش

أ. طه عبد الرحمن / فلسطين

قراءة لقصيدة – حبيبة أخرى …قصيدة أخرى – للأستاذة الشاعرة سمية تكجي 31-7-2026
مراثي الكينونة المؤجلة: حين تكتُبُ سمية تكجي وصيةَ الحضور في زمن الغياب المتوحش


ثمّة نصوصٌ لا تُقرأ بقدر ما تُعاش، ولا تُفهم بقدر ما تُنزف، وعندما تطالعك قصيدة “حبيبة أخرى… قصيدة أخرى” لسمية تكجي، فإنك لا تقف أمام بناءٍ شعري فحسب، بل تقف على حافةِ هوةٍ أنطولوجية شيّدتها الشاعرةُ من رماد الذاكرة ودمِ الحاضر. إنها ليست قصيدةً عن الحرب أو الحب، بل هي مختبرُ الروح وهي تُجرّبُ سؤالَها الأقصى: كيف نكونُ وقد كُنّا، وكيف نظلّ وقد صرنا أصداءً لأمكنةٍ هاربة؟
“كنت هناك” – ليست افتتاحية، بل ضربةُ مِعولٍ في جدار العدم. إن الشاعرة لا تخبرنا أنها كانت، بل تقولها للعدم نفسه، كمن يتحدّى فناءَه الشخصي. “كنت” هنا ليست فعلاً ناقصاً كما صَنّفه النحاةُ القدماءُ جهلاً بحقيقته الميتافيزيقية، بل هي الفعلُ الأكثر امتلاءً في اللغة العربية، لأنها الوحيدة التي تواجه العدمَ بسلاحِ المنطوق. والعربيةُ القديمة ميّزت بين “كان” التامة و”كان” الناقصة، وهنا تكتمل “كان” وتتامّ، لأنها لا تحتاج خبراً يفسّرها، بل هي ذاتها الخبر، هي ذاتها الحقيقة الوحيدة: الأنا التي كانت هناك.
ولكن أين “هناك”؟ إن اسم الإشارة المكانية يتحوّل هنا إلى متاهةٍ دلالية. “هناك” ليست قابلةً للتحديد، إنها المكانُ الذي لم يعد، إنها الجغرافيا المفقودة، إنها الذاكرةُ وقد أصبحت وطناً بلا خرائط. إنها تشبه “ثَمّ” في القرآن حين تدل على البعيد الغامض، وحين يتلبّسها الحنين تصبح أشدّ إيلاماً من أي مكانٍ ملموس. ثم يأتي التوكيد: “نعم كنت يوماً هناك”، وكأن الشاعرة تردّ على متشككٍ غير مرئي، على ذلك الصوت الداخلي الذي يوسوس بأن شيئاً مما كان لم يعد حقيقياً. “نعم” هنا هي القسمُ والاعترافُ والمقاومة، هي الكلمةُ التي تقيم الجسرَ بين الأمس واليوم على حبال الوهم.
“حبيبة أخرى / قصيدة أخرى” – ما أدهى هذه البنية الموازية التي تجعل الحبيبة والقصيدة في خندقٍ دلالي واحد! إن الشاعرة لا تقول “حبيبة جديدة” أو “قصيدة جديدة”، بل “أخرى”، وهنا يكمن السحرُ والرعب. “الأخرى” في الفلسفة هي تلك التي لم تتحقّق بعد، التي تسكن حيّز الإمكان لا حيّز الفعل، إنها الأختُ المنسيّة للكينونة، إنها ظلُّ الوجود الذي لم يُخلَق. الحبيبة الأخرى ليست مجرد امرأةٍ بديلة، بل هي فكرةُ الحبّ نفسها حين تصبح متعددةً ومؤجلةً ومراوغة. والقصيدة الأخرى ليست نصاً آخر في دفتر الشاعرة، بل هي القصيدةُ التي لم تُكتب، التي تظلّ كامنةً في حنجرة اللغة، التي ترفض أن تولد لأن الولادة في زمن الحرب جريمة.
ثم يأتي التوزيع الزمني الثلاثي الذي لا يصف المراحل بقدر ما يشقّ الزمن شقّاً: “قبل الحرب / إبان الحرب / وبعد الحرب”. إن الأداة “قبل” و”إبان” و”بعد” لا تؤرخ فحسب، بل تنحت في صخر الزمن ثلاثة أنفاقٍ متوازية، ولكن المفارقة المروّعة أن هذه الأنفاق جميعها تؤدي إلى النتيجة نفسها: “نفير”. الكلمة وحدها، شبه الجملة، المنعزلة بياضاً عن كل ما حولها، تنهض كصرخةٍ مكتومة. النفير في المعجم هو البوق يُنفخ فيه للإنذار، وهو أيضاً القوم ينفرون للقتال، وهو أيضاً الذهاب السريع المذعور. ولكن في قصيدة تكجي، النفيرُ هو الصوتُ الذي يلي السقوطَ الصامت، هو العلامةُ الفارغة، هو الدالُّ الذي انقطع عن مدلوله فأصبح رجعَ صدى في وادٍ مهجور. انظر كيف توظف الشاعرة المفردةَ العربية الموغلة في الحسّي (صوت البوق، حركة الهرب) لتجعلها علامةً على الخراب الوجودي الشامل!
“كل الأماكن هاربة” – هذه الجملةُ وحدها تستحقّ أن تُعلّق في متحف البلاغة البشرية. إنها استعارةٌ مكنية بلغت ذروةَ انزياحها الدلالي. الأماكن لا تهرب في الواقع، ولكنها في شعرية تكجي تفعل، وهنا نلمس أعظم أسرار البلاغة: أن تنسب الفعلَ إلى ما لا يفعل، فتكسر أفقَ التوقّع وتفتح بابَ التأويل على مصراعيه. لماذا تهرب الأماكن؟ لأنها لم تعد صالحةً للحياة، لأنها صارت فضاءاتٍ للفقد، لأن جدرانَها لم تعد تحمي ذاكرة، بل صارت شهوداً على خرابٍ لا يُحتمل. الأماكن الهاربة هي الأماكن التي تسحب اعترافَها بنا، التي تتبرأ من ساكنيها، التي تنزوي عن الوجود نفسه لأنها تخجل مما آلت إليه. إنها بلاغةُ التشخيص المقلوب، حيث الجماد يكتسب وعياً يرفضه!
“تكثر الطرقات / وتكثر الوحشة” – ها هي ذي المعادلةُ الشعرية المتناقضة التي تلخّص مأساةَ الإنسان المعاصر في الشرق المدمّر. الطرقات تكثر، والوحشة تكثر، أي أن العلاقة طردية بين ما يُفترض أنه يوصِل وبين ما يُثبِت القطيعة. هذه مفارقةٌ وجودية كبرى: البنى التحتية للتواصل تصبح هي نفسها بنى فوقية للعزلة. والطرقات هنا ليست أسفلتاً وإسمنتاً، بل هي استعارة عن سبل الحياة، عن الخيارات، عن المسارات التي كان يفترض أن تؤدي إلى حل، فإذا بها تؤدي إلى تكاثر الوحشة كالفطر على جسدٍ ميت. والتكرار هنا – “تكثر” مرتين – ليس عجزاً بلاغياً، بل هو إصرارٌ إيقاعي على حفر المفارقة في وعي المتلقي، هو مطرقةٌ موسيقية تهوي على الجرح نفسه مرتين.
“والعابرون / يبحثون وراء الضوء” – من هم هؤلاء العابرون؟ إنهم لاجئو الوجود، منفيو المعنى، أولئك الذين صار العبورُ صفتَهم الملازمة فلا هم مقيمون ولا هم واصلون. و”وراء” هنا ظرف مكاني يتحول إلى بُعدٍ ميتافيزيقي: الضوء ليس أمامهم، بل وراءهم، أي أنهم يبحثون عمّا خلّفوه، عن الضوء الذي كان قبل الحرب، عن الإشراقة الأولى التي لم تلوّثها الظلال. إنها حركةٌ إلى الوراء، إلى الأصل، إلى ما قبل السقوط. وكأن الشاعرة تعيد كتابة أسطورة الفردوس المفقود بلغةٍ معاصرة: العابرون هم بنو آدم الجدد الذين يبحثون عن ضوءٍ لم يَعُد أمامهم، بل صار خلف ظهورهم، في زمنٍ مضى ولن يعود.
ثم يتفرّع البحث ويتشعّب: “يفتشون في الجروح / في الظلال / وفي الكذبات المخبأة”. لاحظوا تدرّج المفعولات، من الحسّي (الجروح) إلى المجازي (الظلال) إلى الأخلاقي (الكذبات)، وكأن فعل التفتيش يخترق طبقات الوجود الثلاث: الجسد، فالطبيعة، فالضمير. الكذبات المخبأة تحديداً – يا لدقّة التعبير! – ليست كذبات عادية، بل هي المخبّأة، أي تلك التي وُوريت حتى لا تُرى، تلك التي تشكّل البنيةَ التحتية للوعي الزائف، تلك التي تجمّلتْ بها الحرب وخُدّرت بها الذاكرة. والكذب هنا ليس فردياً، بل هو كذبٌ جماعي، كذبُ التاريخ الرسمي، كذبُ التصالح مع الخراب، كذبُ القول إن الحياة عادت إلى طبيعتها بعد الحرب.
“ويسترقون السمع / إلى سقوط تلو سقوط بلا صوت” – هنا تبلغ القصيدة إحدى ذراها البلاغية. استراق السمع هو فعل التلصّص السمعي، لكن المدهش أن المسموع هنا هو “سقوط بلا صوت”، أي أنهم يتلصّصون على الصمت! أي مفارقة هذه؟ إنها تشبه أن تفتح أذنيك على مصراعيهما لتسمع العدم. ولكن هل ثمة سقوط بلا صوت حقاً؟ نعم، إنه السقوط الداخلي، سقوط القيم، انهيار اليقينيات، تصدّع الذات، الموت البطيء للروح. إنه سقوط لا يُحدِث جلبة لأنه يحدث في الأعماق، في المنطقة التي لا تصلها الأصوات، في القبو المظلم من الكينونة حيث تسقط الأشياء بصمت كالثلج على جبل بعيد.
ثم يأتي تعداد مواقع السقوط: “في قصة / أو جلجلة / أو قصيدة”. الجلجلة – أيُّ اختيار معجمي مرهف هذا! الجلجلة في العربية هي تحريك الشيء اليابس حتى يُسمَع له صوت، وهي صوت الرعد المتردّد، وهي صوت الجرس. ولكنها في السياق القرآني ارتبطت بلحظة التجلي: “فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا”، حيث الجلجلة هي الصوت المرعب للتجلّي الإلهي الذي حوّل الجبل إلى هباء. وهنا في قصيدة تكجي، الجلجلة هي صوت السقوط المتردّد، صوت الوجود وهو يتحطّم على دفعات، صوت الذات وهي تتهاوى حجراً بعد حجر. والثلاثي “قصة / جلجلة / قصيدة” ليس ترادفاً، بل هو تدرّج من السردي إلى الصوتي المحض إلى الشعري، وكأن السقوط يحدث في اللغة نفسها، في أشكال التعبير البشري، في القدرة على الحكي والغناء والصلاة.
“ثم يتعبون كثيراً” – بعد كل هذا البحث وهذا الاستراق، ماذا تبقّى؟ التعب. لكنه ليس تعباً فيزيولوجياً، بل هو تعبٌ وجودي، تعبٌ ميتافيزيقي، تعبُ من حملوا أثقالَ المعنى ثم أدركوا عبثَ الحمل. “كثيراً” هنا ليست مبالغة كمية، بل وصفٌ كيفي لعمق التعب وكثافته، إنه التعب الذي يصبح صفةً للكينونة لا عارضاً طارئاً عليها. إنه تعبُ النبي بعد أن بلّغ الرسالة ولم يجد آذاناً تسمع، تعبُ العاشق بعد أن أعطى كل شيء ولم يبقَ ما يُعطى.
“أراهم يمددون حبال الوقت / يعلقون عليها ذكرى القبلات والعناق” – هنا تصل القصيدة إلى مشهدها الأيقوني الأعظم. إنها لوحة سوريالية مرسومة بالكلمات: حبال الوقت الممدودة بين قطبَي الوجود، ثم ذكرى القبلات والعناق معلّقة كالغسيل على هذه الحبال. انظر كيف تتحوّل أقدس لحظات الحميمية الإنسانية إلى مجرد “ذكرى” تُعلّق على حبل! إنه تجسيد مرعب للفقد، حيث الحب لم يعد فعلاً حيّاً بل صار ماضياً متجسّداً في شيء يُعلّق ويُنسى. حبال الوقت استعارة عظيمة: الوقت ليس نهراً جارياً كما في الاستعارة التقليدية، بل هو حبال تُمَدّ، أي أن هناك فاعلاً يمدّها، هناك إرادةً ما تحاول أن تبني جسراً بين الأزمنة. لكن هذه الحبال لا تحمل أجساداً، بل تحمل ذكريات، ذكريات القبلات والعناق، أي أنها تحمل أطيافاً لا أثقالاً، إنها حبال وهمية لعالم وهمي.
ثم الخاتمة: “ينتظرون يوماً / ربما… يأتي”. كم من الشجن في هذه “ربما”! إنها ليست رجاءً كاملاً، بل هي تردّدٌ وجودي، هي رجفَة الصوت وهو ينطق بالممكن. النقاط الثلاث بعد “ربما” ليست علامة ترقيم فحسب، بل هي ثلاثة جسور مقطوعة، ثلاثة أنفاس محبوسة، ثلاث خطوات إلى الوراء قبل أن تتحول ربما إلى نعم أو إلى لا. وهي “ربما” التي تذكّرنا بـ”ربما تجمعنا أقدارُنا ذات يومٍ” في الأغنية القديمة، لكنها هنا أكثر قتامة، لأنها ربما بلا أقدار، بلا ضمانات، بلا وعود. اليوم المنتَظر قد يأتي وقد لا يأتي، ولكن مجرد انتظاره هو ما يبقي هؤلاء العابرين على قيد الاحتمال، على حافة الوجود، في منطقة “ربما” التي لا هي حياة ولا هي موت.
وهكذا، تعود القصيدة في خاتمتها إلى بدايتها، إلى ذاكرة المكان والزمان، لتغلق الدائرة ولكن بفراغ في المنتصف، بثقب أسود يبتلع كل الضوء الذي بحثوا عنه وراءهم. إن قصيدة “حبيبة أخرى… قصيدة أخرى” ليست نصاً عن الحرب، بل هي الحرب نفسها منقولة إلى اللغة، هي الخراب وهو يتكلّم، هي الحفرة التي حفرها الغياب في قلب الحضور. وسمية تكجي، في هذا النص الشحيح بطوله، المتفجر بكثافته، لا تكتب شعراً عن شيء، بل تكتب الشيء نفسه: تكتب الكينونة وهي تنهار، وتكتب القصيدة وهي تولد من رحم الانهيار، وتكتب الحبيبة الأخرى التي لن تأتي، والقصيدة الأخرى التي لن تُكتب، واليوم الذي “ربما” لن يجيء.
طه دخل الله عبد الرحمن
البعنه == الجليل

31/07/2026


قصيدة الشاعرة سمية تكجي
حبيبة أخرى …قصيدة أخرى
كنت هناك
نعم كنت يوما هناك
حبيبة أخرى
قصيدة أخرى
قبل الحرب
إبان الحرب
وبعد الحرب
نفير
كل الأماكن هاربة
تكثر الطرقات
وتكثر الوحشة
والعابرون
يبحثون وراء الضوء
يفتشون في الجروح
في الظلال
وفي الكذبات المخبأة
في الأصوات التي تأتي وتهرب بغتة
ويسترقون السمع
الى سقوط تلو سقوط بلا صوت
في قصة
او جلجلة
أو قصيدة
ثم يتعبون كثيرا
أراهم يمددون حبال الوقت
يعلقون عليها ذكرى القبلات والعناق
ينتظرون يوما
ربما …يأتي


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى