منتديات

ماذا يبقى منّا حين نغادر؟… الحاج عبد الله الزين والحاجة صفية يجيبان بالسيرة

ماذا يبقى منّا حين نغادر؟… الحاج عبد الله الزين والحاجة صفية يجيبان بالسيرة

كتبت د. ليلى شمس الدين
باحثة في الأنثروبولوجيا والإعلام

قالتها ابنته وهي تعانقني وتبكي “آخ لو بتعرفي بابا قديه كان يحبك” ..

لم أعرف في تلك اللحظة ماذا أقول.. هناك كلمات لا نجيب عنها، لأنها لا تصل إلى الأذن أصلًا.. تصل مباشرة إلى مكان آخر فينا، إلى تلك المنطقة التي تختزن الوجوه، والروائح، والذكريات، والأشخاص الذين عبروا حياتنا وتركوا فيها شيئًا منهم..
هزّتني الجملة.. ليس لأنني لم أكن أعرف محبة الحاج عبد الله إسماعيل الزين لي.. كنت أعرف مودّته، وأشعر بها في كل لقاء.. كان صديقًا مقرّبًا لوالدي رحمهما الله، وهو من الرجال الذين بقي في حضورهم بالنسبة إليّ شيء من طمأنينة الأب وحنانه.. لكن أن تأتيك بعد رحيله شهيدًا جملة كهذه من ابنته، وهي مفجوعة بأبيها وأمها معًا، فذلك أمر آخر تمامًا..
فجأة، لم أعد أنا التي جئت لأواسيها.. شعرت أنّها هي التي أعادت إليّ شيئًا من أبيها.. هل نعرف فعلًا مقدار الحب الذي نحمله في قلوب الآخرين؟
خرجتُ من تلك اللحظة وأنا أفكر: كم من المحبة نعيش إلى جوارها ولا نعرف حجمها إلا بعد أن يغيب أصحابها؟
وكم من الكلمات الجميلة تبقى مؤجّلة لأننّا نظن أن أمامنا متسعًا من الوقت؟ وكم من إنسان نعرفه، ثم نكتشف بعد رحيله أنّنا لم نكن نعرف إلا جزءًا منه؟.. ربما لهذا كان اللقاء التأبيني للحاج عبد الله وزوجته الحاجة صفية خليل الزين أكثر من مجلس لاستعادة سيرة راحلين.. كان، بالنسبة إليّ، إعادة اكتشاف لإنسانين من خلال الأثر الذي تركاه في الآخرين..
كان الحضور كبيرًا، جامعًا، ومتنوّعًا؛ شخصيات وزارية، وفاعليات، وأصدقاء، ومحبّون، وكثيرون ممّن جاؤوا يحملون للحاج عبد الله حكاية أو ذكرى أو امتنانًا.. لكن أكثر ما بقي معي لم يكن ما تقوله المناصب عن الرجل، بل ما قالته الدموع..
وحين وقف ابنه، مدير مؤسّسة الهادي(ع) للإعاقة السمعية والبصرية، الشيخ إسماعيل ليتحدث، بدا للحظات أنّ اللغة نفسها أضيق من الفقد.
تشحرج صوته وامتزجت حروفه بالبكاء .. فأبكى معه القاعة.. لكن دموعه لم تكن ضعفًا أمام الموت؛ كانت، في مكان ما، شهادة على حياة امتلأت إلى الحد الذي يصبح معه اختصارها في كلمات مهمّة شبه مستحيلة..
رجل كان يصرف عمره… لا وقته
تحدّث الشيخ إسماعيل عن أبيه، عن البدايات، وعن رجل أحبّ الخير والناس، ورأى أنّ مسؤوليته ليست أن يكون حاضرًا بينهم فقط، بل أن يكون نافعًا لهم..
وأنا أصغي، توقفت عند معنى شديد البساطة وشديد الندرة في آن: هذا الرجل لم يكن يخصّص بعضًا من وقته لخدمة الناس.. بل كان يصرف عمره فيهم.. ثمة فرق هائل بين الأمرين. فهناك من يساعد حين تسمح الظروف، ومن يتطوّع حين يتوافر الوقت، ومن يجعل فعل الخير مساحة جانبية جميلة في حياته. وهناك من تصبح حياة الناس نفسها جزءًا من معنى حياته.. هكذا بدا الحاج عبد الله..
كان صديق الجميع، لأنّ الإنسان عنده لم يكن رقمًا ولا ملفًا ولا حالة اجتماعية.. ومن يعرف مسيرته مع الأيتام، وأصحاب الاحتياجات الخاصّة، والمؤسّسات التي كرّس لها عمره، يدرك أنّ المسألة لم تكن وظيفة، ولا موقعًا إداريًا، ولا واجبًا اجتماعيًا.. كانت فلسفة حياة.
أن تستيقظ وفي بالك حاجة إنسان.. أن تمضي نهارك وأنت تسأل ماذا تستطيع أن تفعل.. أن تكبر في العمر ولا تتقاعد من الرحمة.. وأن تصل إلى آخر أيامك وما زال الآخرون يحتلّون مساحة من وقتك وقلبك ومسؤوليتك.. كم يبدو هذا استثنائيًا في زمن أصبح فيه الإنسان مرهقًا حتى من الاهتمام بنفسه!
وراء الرجل… كانت هناك امرأة
في ذلك التأبين، لم تكن سيرة الحاجة صفية هامشًا في سيرة زوجها.. وهنا ربما تكمن إحدى أجمل دلالات الحكاية.. فكم من امرأة بقيت خلف الضوء، لا لأنّها أقل حضورًا، بل لأنّها كانت منشغلة بحمل ما يجعل الآخرين قادرين على الوقوف في الضوء؟
كانت الحاجة صفية الزوجة المؤمنة والصابرة، التي ساندت زوجها في الرسالة التي اختارها، فحملت معه، وحملت عنه، كي يستطيع أن يمضي إلى الناس..
وهذه العبارة تستحق أن نتوقف عندها مليًا .. حملت عنه كي يستطيع أن يحمل هموم الآخرين..
فليست البطولة دائمًا في الواجهة.. أحيانًا تكون البطولة امرأة تحرس البيت كي يستطيع الرجل أن يخرج إلى العالم.. تصبر على الغياب، وتحتمل ثقل المسؤوليات، وتربّي أبناءها على القيم ذاتها التي ينشغل أبوهم بتحويلها إلى مؤسّسات ومبادرات وأفعال.. لذلك لا يمكن قراءة سيرة الحاج عبد الله من دون الحاجة صفية. فبعض الإنجازات التي نكتب تحتها اسم شخص واحد، تقف خلفها حياة كاملة لشخص آخر لم يطلب يومًا أن يُكتب اسمه..
وربما كانت أجمل ثمرة لهذه الشراكة تلك العائلة التي رأيناها حولهما: أبناء يحملون الإيمان، والصبر، والإحساس بالآخر، ويعرفون أنّ أجمل ما يمكن أن يرثه الإنسان عن والديه ليس المال ولا الاسم، وإنّما الطريقة التي ينظر بها إلى الناس.
حين بكى الشيخ إسماعيل..
أعرف الشيخ إسماعيل عن قرب، وأعرف فيه الإنسان المحب، والمعطاء، والقريب من الناس، الذي لا يحتاج المرء إلى كثير وقت كي يشعر بصدق إنسانيته.. لكنني وأنا أستمع إليه يتحدث عن أبيه، رأيت شيئًا آخر.. رأيت الأب حاضرًا في الابن.. وفهمت مجددًا أنّ التربية الحقيقية ليست ما نقوله لأبنائنا، بل ما يراقبوننا ونحن نفعله كل يوم..
ربما لم يحتج الحاج عبد الله أن يقول لأبنائه كثيرًا: كونوا إلى جانب الناس.. لقد رأوه يفعل ذلك..
ولم يحتج أن يشرح لهم معنى العطاء.. لقد عاشوه معه..
ولم يحتج أن يكتب لهم وصية طويلة عن الإيمان.. كان يكفي أن يروا كيف عاش هو وأمهم..
وهنا يصبح السؤال مختلفًا “متى يموت الإنسان حقًا إذا كانت قيمه تمشي بعده على قدمين؟”
التأبين الذي تحوّل إلى سؤال
دخلنا القاعة لنؤبّن رجلًا وامرأة، لكنني خرجت منها أحمل سؤالًا عنّا نحن الأحياء: ماذا سيبقى منّا حين نغادر؟ ليس ماذا امتلكنا.. ولا أي منصب شغلنا.. ولا كم مرة ظهر اسمنا في مكان ما.. بل “من سيقول إنّنا جعلنا حياته أخفّ؟ من سيتذكر يدًا امتدت إليه عندما احتاج؟ أي يتيم سيحمل في ذاكرته شيئًا من حناننا؟ وأي محتاج سيقول: مرّ هذا الإنسان من حياتي، فصارت أقل قسوة؟ وأي ابن أو ابنة سيقف يومًا ليقول: هكذا علّمني أبي وأمي أن أكون إنسانًا؟” ربما هذه هي السيرة الذاتية الوحيدة التي لا يستطيع الإنسان أن يكتبها بنفسه.. وإنّما يكتبها الآخرون بعده..
لقد كتب الحاج عبد الله والحاجة صفية سيرتهما بهذه الطريقة؛ لا بالحبر، بل بالناس..
.أخ لو بتعرفي..
ما زالت جملة ابنته ترافقني.. وأفكر الآن أنني ربما كنت أعرف.. كنت أعرف محبته من دفء لقائه، ومن تلك المودّة القديمة التي ربطته بوالدي، ومن شعور خاص كان يجعلني أرى فيه شيئًا من الأب الحنون..
لكنني لم أكن أعرف كم.. وهذه الـ” كم” الصغيرة هي التي أوجعتني.. لأنّنا نكتشف أحيانًا، بعد فوات الوقت ربما، أنّ لنا أماكن كبيرة في قلوب أناس لم نقل لهم بما يكفي، كم كانت لهم أماكن كبيرة في قلوبنا أيضًا..
لذلك، لو عاد بي الزمن إلى لقاء أخير بالحاج أبي إسماعيل، ربما لم أكن سأقول كلامًا كثيرًا.. كنت سأقول له فقط:
كنتُ أعرف أنك تحبني… لكنني أتمنى لو أنني أخبرتك أكثر كم كنتُ أحبك وأقدّرك أنا أيضًا..
وأما اليوم، فلا أجد أصدق من أن أقول.. رحم الله الحاج عبد الله إسماعيل الزين والحاجة صفية خليل الزين.. رحم رجلًا لم يترك وراءه مجرد ذكرى، بل ترك أثرًا يمشي بين الناس.. ورحم امرأةً كان صمتها جزءًا من ذلك الأثر، وكان صبرها شريكًا في صناعة الخير.. وطوبى لعائلةٍ فقدت جسدين، لكنها ورثت سيرةً كاملة.. وطوبى لمن إذا غاب، لم يحتج الناس إلى البحث عن كلمات كبيرة لرثائه؛ كان يكفي أن يتحدثّوا عمّا فعله بهم، وما فعله لأجلهم.
أما تلك الابنة التي عانقتني وبكت وقالت ما قالت .. فأقول لها اليوم “عرفتُ يا عزيزتي.. لكنني عرفتُ بعد رحيله أكثر.. عرفت أن بعض الناس حين يغادروننا لا يتركون فراغًا فقط؛ يتركون في داخلنا سؤالًا مؤلمًا وجميلًا:
هل أحببناهم، وهم بيننا، بالصوت العالي نفسه الذي نبكيهم به حين يرحلون؟”
ولعلّ هذه واحدة من أجمل الوصايا التي تركها الشهيد أبو إسماعيل من دون أن يكتبها.. أحبّوا الناس الآن.. اخدموهم الآن.. قولوا لهم ما في قلوبكم الآن.. فالعمر أقصر من أن نؤجّل الخير .. والمحبة أجمل من أن نكتشف حجمها بعد الرحيل..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى