أدب وفنمنتديات

منتدى شاعر الكورة الخضراء في معرض بيروت 2026: ذاكرةٌ تعبر من «الشمال» إلى قلب العاصمة

منتدى شاعر الكورة الخضراء في معرض بيروت 2026: ذاكرةٌ تعبر من «الشمال» إلى قلب العاصمة

بِقَلَم الكاتبة سمر قرة

المعرض، في جوهره، مساحة للقاء؛ بين الكاتب والقارئ، بين الذاكرة والحاضر، وبين كتابٍ كُتب بالأمس وقارئٍ قد يكتشفه للمرة الأولى اليوم.

من هذه الزاوية تحديدًا، يمكن قراءة مشاركة منتدى شاعر الكورة الخضراء عبدالله شحاده الثقافي في الدورة السابعة والستين من معرض بيروت العربي الدولي للكتاب، التي تنطلق في 9 تشرين الأول وتستمر حتى 18 منه، في مركز «سي سايد آرينا» على واجهة بيروت البحرية.

ويشارك المنتدى بجناح يستقبل كتّابًا وشعراء وإصدارات جديدة ومتنوعة، من العاشرة صباحًا حتى التاسعة مساءً، وفق الإعلان المنشور على صفحته الرسمية.

أما المعرض نفسه، فيقام هذا العام بمشاركة 163 دار نشر، ويتضمن أكثر من 90 ندوة وفعالية حوارية، في دورة تقام وسط ظروف لبنانية وإقليمية دقيقة. وقد وصفت رئيسة النادي الثقافي العربي، الجهة المنظمة للمعرض، إقامة الحدث في هذه الظروف بأنها تحدٍّ لما هو قائم، وتأكيد على أن الثقافة حاجة لاستنهاض الوعي ولغة الحوار.

من إرث شاعر… إلى مشروع ثقافي

يحمل المنتدى اسم الشاعر عبدالله شحاده، المعروف بلقب «شاعر الكورة الخضراء»، ابن كوسبا في قضاء الكورة، المولود عام 1910 والمتوفى عام 1985.

وفي عام 2020، صدرت المجموعة الكاملة لأعماله في ستة مجلدات، في مشروع ارتبط بابنته المهندسة والشاعرة ميراي شحاده الحداد، التي عملت على جمع نتاج والدها وإعادة تقديمه.

ولم تتوقف الفكرة عند جمع الإرث الأدبي؛ فقد تأسس المنتدى في العام نفسه ليكون إطارًا ثقافيًا يحمل اسم الشاعر ويواصل حضوره من خلال الكتب واللقاءات والندوات والتواقيع والفعاليات الثقافية.

لكن ميراي شحاده تختصر فلسفة المشروع بعبارة تتجاوز التعريف الإداري بالمنتدى.

فقد كتبت على صفحة المنتدى الرسمية:

««كان حُلمي أن أكون الوسيط المحفّز وهمزة وصلٍ بين ماضٍ وحاضر! فجعلتُ من منتدى شاعر الكورة الخضراء عبدالله شحاده الثقافي علاقة متجدّدة لم يطوِها الموت، بل تزداد رسوخًا مع الأيام!».»

وتشرح أن تأسيس المنتدى عام 2020 جاء لإظهار عودة عبدالله شحاده إلى تأدية دوره كشاعر وأديب كوراني، في تفعيل العلاقة بين الكورة والجوار وعلى مساحة لبنان.

هنا تبدو الفكرة أكثر وضوحًا: ليس المطلوب أن يبقى الشاعر داخل إطار الذكرى، بل أن تتحول الذكرى إلى فعل ثقافي مستمر.

وتكمل ميراي صورتها عن والدها بوصفه «كتابًا حيًا نابضًا» انطلق من كوسبا وانتشر في الكورة الخضراء ليشمل إشعاعه لبنان، معتبرة أن المنتدى أصبح «مدخلًا ثانيًا لعودته».

وهي رؤية تتقاطع مع ما نُشر سابقًا عن مشروع جمع أعمال عبدالله شحاده وإعادة تقديمها، وعن رغبة ميراي في أن يتحول اسم المنتدى إلى مساحة تستمر فيها حركة النشر واللقاء الثقافي.

ميراي شحاده: من حفظ الذاكرة إلى صناعة امتدادها

في قلب هذا المسار، تقف ميراي شحاده باعتبارها صاحبة مشروع ارتبط منذ بدايته بجمع نتاج والدها وإعادة تقديمه.

لكن اللافت أن الوفاء هنا لم يتخذ شكل استعادة الماضي فقط؛ فالمشروع اتجه، بالتوازي، إلى إصدار كتب جديدة وفتح المجال أمام تجارب أدبية وثقافية متعددة.

فإذا كان عبدالله شحاده قد غادر الحياة عام 1985، فإن المنتدى يعمل على إبقاء اسمه حاضرًا في الحياة الثقافية من خلال كتاب جديد، أو توقيع، أو ندوة، أو لقاء بين كاتب وقارئ.

وهذا ما يجعل عبارتها عن «العلاقة المتجددة التي لم يطوِها الموت» أكثر من جملة وجدانية؛ فهي تجد ترجمتها في نشاط المنتدى المتواصل وفي الكتب التي تحمل اسمه.

من الكورة إلى الجوار… ثم إلى بيروت

لم تبقَ هذه الفكرة أسيرة الإصدار الأول.

فخلال السنوات الماضية، شارك المنتدى في معارض وملتقيات ثقافية، واستضاف تواقيع وندوات وأمسيات وتكريمات، وفتح جناحه أمام كتاب ومبدعين.

وفي معرض بيروت العربي الدولي للكتاب عام 2025، وثّق البرنامج الرسمي للمعرض فعالية نظمها المنتدى بعنوان «هذا أبي» بمشاركة عدد من الشعراء، بينهم ميراي شحاده. كما شهد جناح المنتدى في الدورة نفسها حفلات توقيع وفعاليات ثقافية أخرى.

وبحسب ما أعلنه المنتدى، فقد تجاوز عدد إصداراته حتى الآن 167 إصدارًا. وهذا الرقم، إذا أُدرج في المادة، يُنسب إلى المنتدى بوصفه الجهة التي أعلنته، لا باعتباره رقمًا موثقًا من سجل نشر مستقل.

في هذا المسار، لم يعد الجناح مجرد مكان لعرض الكتب؛ بل صار، في التجربة التي يقدّمها المنتدى، مساحة للقاء أصحاب الكتب بقرائهم، ولانتقال النص من الورق إلى الحوار.

ثمانية عناوين معلنة لمعرض 2026

في مشاركته هذا العام، وبحسب ما أُعلن على صفحة المنتدى الرسمية حتى الآن، تتضمن الإصدارات التي ستشهد حضورًا وتوقيعات خلال أيام المعرض ثمانية عناوين، تتوزع بين القصة والشعر والرواية والسيرة والكتابة الأدبية:

«١٩ قصة على لسان الحيوان» — نمر فريحة

«سوارها يدي» — مارون الماحولي

«المرياع وقصص أخرى» — علي حجازي

«العمر يمشي حافيًا» — خضر حيدر

«مشوار نزار» — عمر ميقاتي

«هذيان تحت أجنحة اللهب» — آمنة ناصر

«قصة مدرسة مار الياس» — شفيق حيدر

«ملكوت النشوة وفلامنكو» — بسام موسى

وتكشف القائمة عن تنوع في الأنواع والتجارب الأدبية، بما ينسجم مع إعلان المنتدى عن مشاركته بوصفها مساحة للإصدارات الجديدة والمتنوعة، وللقاء الكتاب والشعراء والقراء.

«مشوار نزار»… حين تصبح السيرة ذاكرة للمسرح

من بين هذه الإصدارات، يحظى كتاب «مشوار نزار – حكاية نزار ميقاتي» للكاتب والفنان عمر ميقاتي بموقع خاص، لأنه لا يروي حكاية فردية فحسب، بل يستعيد جانبًا من تاريخ المسرح والإذاعة والتعليم في لبنان.

يستعيد عمر ميقاتي سيرة والده وأستاذه نزار ميقاتي، متوقفًا عند محطات من مسيرته، بينها تأسيس المسرح الوطني عام 1965، وهو ما كان ميقاتي نفسه قد تحدث عنه في مقابلة سابقة، مشيرًا إلى أن الكتاب يتناول سيرة والده وأستاذه وتجربته المسرحية.

ويكتسب الكتاب أهمية إضافية في سياق مشاركة المنتدى، إذ أعلن عن ندوة حوله يوم السبت 17 تشرين الأول تليها جلسة توقيع، بحسب البرنامج الذي أُعلن عنه.

هنا تتحول السيرة الشخصية إلى جزء من الذاكرة الثقافية؛ فحين تُكتب حياة فنان أو مسرحي أو شاعر، لا يُستعاد الشخص وحده، بل تُستعاد معه مرحلة وأماكن وتجارب وأصوات كانت جزءًا من المشهد الثقافي اللبناني.

من الكتاب إلى الإنسان

أما في اليوم الأول للمعرض، الجمعة 9 تشرين الأول، فيحتضن جناح المنتدى توقيع كتاب «انتصار النور: رحلتي خلال ثلاثين يومًا مع الميلانوما الخبيثة» للكاتبة نظيرة حماده جماز، وفق ما أُعلن عن الفعالية.

وجود هذا الكتاب إلى جانب العناوين الأدبية الأخرى يضيف بعدًا إنسانيًا إلى المشهد؛ فالكتاب هنا لا يأتي بوصفه نصًا أدبيًا فقط، بل تجربة شخصية تحمل صاحبها إلى القارئ، وتحوّل الورق إلى مساحة للبوح والمشاركة.

من كتابٍ إلى كتاب… تتسع الحكاية

قد يكون من السهل النظر إلى مشاركة منتدى شاعر الكورة الخضراء باعتبارها واحدة من عشرات المشاركات في معرض كبير يضم هذا العام 163 دار نشر وأكثر من 90 ندوة وفعالية.

لكن قراءة التجربة من بدايتها تقدم زاوية أخرى.

القصة بدأت بشاعر رحل، وابنة قررت أن تجمع إرثه وتحفظه، ثم تحولت المجموعة الكاملة إلى منتدى، وتحول المنتدى إلى مساحة للنشر واللقاء واحتضان تجارب إبداعية متعددة.

ومن هنا، لا تبدو المسافة بين كوسبا وبيروت مجرد مسافة جغرافية؛ إنها مسافة زمنية أيضًا: بين شاعر كتب في زمن مختلف، ومشروع يحاول أن يجعل أثره جزءًا من الحاضر، وكتّاب معاصرين يضعون كتبهم اليوم في المساحة نفسها.

فالذاكرة لا تبقى حيّة لأننا نتحدث عنها فحسب، بل لأنها تجد من يحملها إلى زمن جديد.

وفي معرض بيروت 2026، يحمل المنتدى اسم عبدالله شحاده إلى جانب كتب جديدة، وأصوات جديدة، ووجوه جديدة؛ فتضاف إلى الذاكرة طبقة أخرى، لا تلغي الماضي ولا تتوقف عنده، بل تحاول أن تمنحه فرصة جديدة للعبور.

من كوسبا، حيث بدأت الحكاية، إلى بيروت، حيث تلتقي الكتب بقرائها، تستمر الرحلة التي تختصرها ميراي شحاده بعبارة واحدة:

«علاقة متجدّدة لم يطوِها الموت، بل تزداد رسوخًا مع الأيام».

(نقلاً عن الصفحة الرسمية لمجلة “العالمية” على فيسبوك – 3 تشرين الأول 2026)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى