حوار مع بورخيس حاوره: رامون شاو

حوار مع بورخيس
حاوره: رامون شاو – * خاص بمجلة نزوى
” إن فكرة الحدود والأمم تبدو لي فكرة عبثية ”
يعتبر واحدا من كبار كتّاب القرن العشرين ، فارق خورخي لويس بورخيس الحياة عام 1986 وهو يبلغ من العمر سبعا وثمانين سنة ، كان رجل ثقافة مدهشة ومعرفة خارقة . أعمى ، لم يسبق له أن كتب الرواية ، فقط كتب حكايات وقصصا قصيرة ، جنسين أدبيين يتربع على عرشهما بدون منازع . مبتكر لبعض الأساطير الأدبية العظيمة المعاصرة ، مثل أسطورة ” مكتبة بابل ” ؛ من خلال ألعاب المرايا العجائبية ، ألغاز مسببة للدوران ، أسفار خيالية في المتاهات الملحة للذاكرة ، والزمن ، تعمل محكياته الساحرة على كنس حقل التأمل البشري بأتمه .
رحّالة كبير بالرغم من عمَاه ، لطالما قام بورخيس بزيارة باريس . مكان إقامته المفضل ، بمعية مرافقته ماريا كوداما Maria Kodama) ، هو الفندق الشهير ، شارع بوزار (Beaux – Arts) ( ، مكان سام للتأنق ، مكان لطالما كان يقيم فيه كل من بيير لوتي (Pierre Loti) وأوسكار وايلد الذي مات فيه وحيدا ومفلسا . ففي ظل نور خفيف ، في غرفة هذه المؤسسة الأسطورية التي شهدت في أبريل سنة 1978 ، لقاء مع الشيخ الملغز ، خورخي لويس بورخيس ، الأرجنتيني الكوني .
أجرى الحوار : رامون شاو
ترجمة : الحسن علاج
صباح الخير ، سيدي بورخيس . أشكرك على تلبية الدعوة .
نادني بورخيس فقط . إني أبلغ من العمر زهاء ثمانين عاما . كل أصدقائي اختفوا ـ عندما أستحضرهم ، فإني أستحضر أشباحا ـ نحن كلنا أشباح ، أليس كذلك ؟ ففي سنة 1955 ، فقدت البصر ولم تعد لي قدرة بعد على قراءة الجرائد . لا تُتاح لي الفرصة في غالب الأحيان ، للتحدث إلى الناس . وكذلك أثناء إجراء حوار ، فإني أشكر محاوريَّ . على أنني أنبهه باستمرار : إني صريح جدا ، وأحيانا بغيض حتىّ . إنه رد فعل ربما ضد خجلي ، لأني لست على يقين بخصوص ما أقوله . وحينما أثبت شيئا ، فأنا لا أعمل سوى على التقدم بإمكانية ما . أقترح إذا ، قبل الشروع في الكلام ، أننا نقوم بالتعبير عن عبارات الشك ، مثل ” ربما ” ، ” على الأرجح ” ، ” ليس من المستحيل ذلك ” ، إلخ . سوف يموضعها القارئ لما سيعتقد أنها ملائمة .
هل بإمكانكم أن تقَنّعوا صوتا ؟
لا ، لست بحاجة إلى فعل ذلك . قال مفكر إنجليزي بأن كل الأفكار ، كل الأحاسيس يمكن التعبير عنها بالكلام . كنت سأفضل صَون الرؤية ، على أن الصوت شخصي جدا من حقيقة أن عدم رؤيتك لا أهمية لها . ثمة قرابة بين الأشخاص ، يصعب تفسيرها . إن علاقاتي بالموضوعات أكثر إشكالية ، لأن الموضوعات لا تتكلم . يمكنني لمسها فقط . كان ينبغي علي أن أكون نحاتا . بطبيعة الحال ، كنت أفضل رؤيتك ، على أنه ينبغي علي البحث عن مبررات من أجل تحمل عماي ، أليس كذلك ؟ خلافا لذلك ، فإني أشعر بالشفقة على كل ما هو بغيض . قال برنار شو بأن الشفقة تحط من شأن كل من يًرثى له قدر ما تحط بما يدعو للرثاء .
هذه الرواقية هل هي ناجمة عن وضعكم الشخصي أو عن إرث أسلافكم ؟ أنتم تنحدرون من عائلة عسكريين يضرب بهم المثل في الشجاعة ، بطبيعة الحال .
فارَق جدي ، الجنيرال بورخيس الحياة سنة 1874 ، أثناء معركة ضد الهنود الحمر . تمت إبادة مقدمته ، وبقي وحيدا ممتطيا صهوة جواده الأبيض . هرول نحو العدو الذي اخترقت رصاصاته صدره . وبالرغم من ذلك ، فلا يوجد أي مبرر لافتراض أن جنديا يكون باسلا . إن فردا يقضي حياته من ثكنة إلى ثكنة من أجل الحصول على الترقية ، والذي يدرس الإستراتيجية ليس في حاجة إلى أن يكون شجاعا . وبالطبع ، فهو لم يكن مهيأ للحكم . إن فكرة الأمر والطاعة هي خاصّة ذهنية طفولية . هذا يفسر أن المستبدين هم أشخاص غير ناضجين .
إنه أمر يبعث على الفضول . بالرغم من سلالة الحروب والعنف ، أنتم شخص مسالم . تكرهون العنف ثم إنكم تضعون صيغا شرطية في كل الجمل . هل من أجل هذا تتسلون في عملكم ، تبتكرون الجرائم والمبارزات والخيانات ؟
لم يسبق لي أن فكرت في ذلك . من المحتمل أن أشكِّل بطريقة ما ، ذاكرة لأسلافي . ومن الممكن أنه من خلالي يسعون إلى محو حيواتهم المتمثلة في الحروب والعنف .
متى فكرتم في أن تكونوا كاتبا ؟
دائما . شرعت في الكتابة وعمري لا يتجاوز فترتئذ السنة الثالثة أو الرابعة . لقد كشف لي جدي ، وهو عالم نفس فوضوي ، قيمة الشعر ، كون أن الكلمات ليست فقط وسائل للتواصل ، بل أنغام موسيقية ، سحرية ومركبة . لقد نصحني بالقراءة ، وعمري كان يناهز الرابعة والثمانين كما نصحني بالاستمرار في القراءة ، وألاّ أكتب إلا متى شعرت حقيقة بالحاجة إلى ذلك . لاسيما ، ألاَّ أتسرع في النشر . فلقد سبق له كتابة رواية ولم يقم بنشرها أبدا . وفي الواقع ، فقد أصبحت كاتبا فلأنها كانت رغبته والتي لم يتوفق فيها . امتثلت إلى كل نصائحه . إنني أتحدث بحنين معين ، لأنه في عام 1955 ، حالت آفة العمى بيني وبين القراءة . ففي تلك السنة بالذات حدث شيئان أساسيان في حياتي : فقد رُقّيت إلى مدير للمكتبة الوطنية لبوينس آيرس ، وفي نفس الوقت تقريبا أصبت بآفة العمى . مائتا ألف مجلد في متناول يدي … دون أن تكون لي القدرة على قراءتها .
لقد حققتم أمنية جدكم ، لكن ليس بالكامل . كان أبوكم على خطإ . اعترفتم أنتم نفسكم حينما كتبتم ، في مقدمة [كتاب] تخييلات Fictions) ( ، أنه من غير المجدي الرغبة في أن نطور في خمس مائة صفحة ما يمكن اختزاله في عشرين أو ثلاثين صفحة .
لم أقرأ ، في الواقع ، كثيرا من الروايات . قرأت كونراد ، ديكنز ، دوستويفسكي ، ميلفيل Melville) ( … ودون كيشوت ، مثل أي شخص آخر . وسيكون من غير المنطقي ألا أكون قارئا للروايات ، أحاول كتابة الرواية .
الحياة مليئة بالمفارقات . مُنحتم جائزة سرفانتيس في حين أنكم لا تحبون لغته الإسبانية .
لم أقل ذلك أبدا ! كان يمكنني قول أن الفرنسية جميلة جدا ، مع صيغ جميلة لا توجد في موضع آخر ، مثل ظروف الحال y) ( في ” أنا هناك j’y suis) ( ، أظل هناك أو ظروف المكانen) ( لعبارة “ سنتحدث عن ذلك مرة أخرى “nous en reparlerons ) ( . على أنه لدينا في الإسبانية ، فعلي ser) ( و estar) ( ، اللذينلا يوجدان في أي لغة أخرى ، واللذين يفصلان الميتافيزيقي عن المحتمل . لدينا أيضا حركية مرغوب فيها من النعوت وبناء أكثر مرونة للجملة . يوجد في حوزة الإسبان ما يجعلهم يفتخرون بلغتهم . لكنهم لا يجيدون التحدث بها . فهم يتلفظون بها كما لو أن الأمر كان يتعلق بلغة أجنبية .
إذن ما هو مبعث هذه الفكرة الشائعة التي مفادها أنكم لا تشعرون بالارتياح في اللغة الإسبانية ؟
أحب إبداء الرأي فيما أكتب ، وليس ما كنت قادرا على قوله . أو بخصوص ما يتم حملي على قوله ، لأنه ، بواسطة الخجل ، لا أملك القدرة أحيانا ، على معارضة مُحاوريَّ . بالمقابل ، فحينما نكتب ، فإننا نقوم بالتصحيح إلى ما لا نهاية . وفي الواقع ، فإن هذا الرأي تم استخلاصه من حديث مع بابلو نيرودا ، جمعنا اللقاء أول مرة . قمنا لمدة ساعتين بإدهاش بعضنا بعضا . فقد قال لي : “ لا يمكن الكتابة بالإسبانية . “ أجبته : ” أنت على حق ، فهذا هو السبب في أن لا أحد يكتب أبدا بهذه اللغة . ” فأشار حينئذ : ” لماذا لا تتم الكتابة بالإنجليزية أو بالفرنسية ؟ ـ حسنا ، لكن هل نحن متأكدين أنه يجدر بنا الكتابة بهذه اللغات ؟ “ لذلك عزمنا أمرنا أنه كان يتوجب علينا الاستسلام بالاستمرار في الكتابة بالإسبانية .
حديث غير مألوف بين شخصين لم يكونا متفاهمين .
لقد كتب قصيدة شعرية ضد طغاة أمريكا اللاتينية مخصصا بعض المقاطع الشعرية للولايات المتحدة الأمريكية ، ولكن ليس مقطعا شعريا واحدا لبيرون Péron) ( . كان يُفترض أنه كان مفعما بنقمة نبيلة ؛ وفي الواقع ، فقد كان بصدد التفكير في دعوة رُفعت ضده بالأرجنتين ولم يكن يرغب في إزعاج حكومةبلادي . لقد كان متزوجابامرأة أرجنتينية وكان يدرك جيدا ما حدث هناك ، أليس كذلك ؟ لكنه لم يكن يرغب في أن تتسبب له القصيدة الشعرية في أذية ما . لما ذهبت إلى الشيلي ، انكسف لعدم رؤيته لي وحسنا فعل . كان الناس يرغبون في الإيقاع بيننا . كان شاعرا شيوعيا شيليا ، وكنت شاعرا أرجنتينيا محافظا ، كنت ضد الشيوعيين .
ما هي مؤاخذتكم على الشيوعيين ؟
لا يمكنني أن أكون متفقا مع نظرية تبشر بهيمنة الدولة على الفرد . غير أن ما سيقوم بحكيه لا يمت بصلة إلى نوعية شعر نيرودا . لما تم منح ميغيل أنخيل أستورياس Miguel Angel Asturias) ( جائزة نوبل عام 1967 ، قلت ساعتها على الفور أن نيرودا الذي كان يستحقها . علاوة على ذلك فقد حاز عليها في آخر المطاف سنة 1971 . لا يبدو لي من العدل أن نصدر أحكاما على كاتب من أجل أفكاره السياسية . لأنه إذا كان صحيحا أن روديارد كيبلينغ Rudyard Kipling) ( قد نافح عن الإمبراطورية البريطانية ، لابد أيضا من الاعتراف أنه كان كاتبا عظيما .
ففي وقت من الأوقات تجاهلتم ، أنتم أيضا ، جرائم العسكريين في بلادكم .
مخافة السقوط في التكرار ، ينبغي أن يكون التفكير بسيطا . حينما يناهز المرء ، مثلي ، ثمانين عاما ، فإنه يظل وحيدا تماما . كما تعلم ، لا أقرأ الجرائد ولدي معرفة قليلة جدا بالناس . ومع ذلك فقد سمعت كلاما عن ” اختفاءات ” . أصدقائي أكدوا لي ذلك ، بصدق ، أعتقد أن الأمر كان يتعلق بسُيَّاح غيروا ببساطة المكان ، على أنه لم توجد ” اختفاءات ” . صدقتهم ، حتى زارتني أمهات وجدات لا بلازا دو مايو (la plaza de Mayo) جئن لزيارتي . من بينهن كانت توجد ابنة عم مالكي واحدة من أهم الجرائد الأرجنتينية . فهمت على وجه السرعة أن تلك المرأة لم تكن ممثلة . قالت لي أن ابنتها ” اختفت ” منذ ست سنوات . كانت تود أن تُقال لها الحقيقة ، حتى ولو أن ابنتها اختطفتها يد المنون . لقد راسلت الوزراء ، رئيس الشرطة ، الفاتيكان ، وكانت تتلقى نفس الجواب : ” سوف تكون معك في البيت في غضون ستة أشهر . ” ولم ترها مرة أخرى أبدا . إن الأرجنتينيين معتوهون تماما .
مثل عبارة ” اختفى ”
يعتبر الواقع أكثر رعبا : اعتقل أولئك ” المختفون ” ، عذبوا ثم اغتيلوا . إنه فيلم انتهى نهاية فظيعة جدا .
قبل إصابتكم بالعمى ، كنتم ناقدا سينمائيا . هل أنتم نادمون عن تلك الحقبة ؟
ليس كثيرا ، لأن السينما لم تعد صامتة .
كان ذلك أفضل ؟
بطبيعة الحال ! فيما بعد ظهرت السينما بالألوان . كارثة أخرى .
أيّ فيلم تتذكرونه ؟
فيلم من إخراج جوزيف فون ستيرنبيرغ (Josef Von Sternberg) ، حول قطاع طرق شيكاغو (1) . كان فيلما ملحميا . أيام قليلة بعد ذلك ، قام كارلوس غارديل Carlos Gardel) ( بالغناء في قاعة السينما نفسها ولم أكن أرغب في الاستماع إليه ، مخافة فقدان الانطباع الذي تركه لدي هذا الفيلم . هكذا أخلفت حضور حفل كارلوس غارديل .
هل يجسد كارلوس غارديل ، بالنسبة لكم بأبهة ما يُطلق عليه الروح الأرجنتينية ؟
لقد تم تشويه وإفساد الروح الأرجنتينية لمرات عديدة . وخصوصا بواسطة الديكتاتور المقيت بيرون . لم أكن في أي وقت من الأوقات بيرونيا تغيرت البلاد كثيرا . مما لا ريب فيه أننا نعيش ، في الوقت الراهن ، سنوات تعتبر مثيرة للسخرية بواسطة بقية العالم ، لكنها بالنسبة لنا تعتبر مخيفة وجهنمية (2) .
على أي حال ، يستمر غارديل في أن يكون رمزا للأرجنتين . ألم تقولوا أنه يغني من حسن إلى أحسن ؟
لما كنت طفلا ، كان الناس يرقصون التانغوtango) ( في ما بينهم . ليست النساء ، لأن الكلمات كانت صعبة . كانوا يرقصون بصوت خفيض ، بطريقة غير معبرة . لاسيما حينما كان الأمر يتعلق بالجرائم والدم . فقد لديهم هذا الخجل الخاص بالأرجنتينيين . إلى أن ظهر الفرنسي كارلوس غارديل . إن اكتشافه الكبير ، بالإضافة إلى سحر صوته ، يكمن في مسرحة التانغو . أتذكر أنني كنت بصحبة والدي بالولايات المتحدة الأمريكية وكنا نستمع إلى موسيقى التانغو التي لم تكن تثير اهتمامنا . ومع ذلك لحظات فيما بعد ، سوف نبكي من شدة التأثر .
لو كنتَ أصما ، فلن تستطيع تذوق لا التانغو ولا الميلونغاmilonga) ( .
كنت أتمنى أن أكون موسيقيا ، لكنني لست سوى كاتب . إن حرماني ربما يعزا إلى صممي الموسيقيِّ . لا أفهم شيئا في الموسيقى ، باستثناء القيثارة ، التي أحبها كثيرا . بصفة عامة ، فإن رعاة البقر gauchos) ( لا يجيدون العزف على القيثارة ، لكنهم يستطيعون مضي ساعات في إصلاحها ، وهو ما ينتج بالفعل نوعا من الموسيقى الأولية .
بالمقابل ، من ضمن شغفكم تحضر النّسابة ، أليس كذلك ؟
إنها بالنسبة لي تشكل جنسا أدبيا . يمتلك الإنجليز قولا مأثورا جميلا : “ الطفل العليم الذي يعرف من هو أبوه . ” أكثر علما هو من يعرف أصل والد جده ، أليس كذلك ؟
لقد سبق لكم أن حدثتموني عن والدكم . ووالدتكم ؟
لقد كانت من أصل إنجليزي وكنت أتكلم معها بالإنجليزية . صغيرا جدا كنت ، اصطحبتني معها إلى سويسرا وكنت أتكلم الفرنسية مع المعلمة ، تعلمت اللاتينية بمعية أستاذ . ومع والدي ، كنت أتكلم وأكتب بالإسبانية . اعتقدت لفترة معينة ، أن كل شخص يمتلك لغته الخاصة . كان يركبني الفضول بخصوص مئات الملايين من الاصطلاحات التعبيرية . على أنه ربما هذا هو السبب الذي يجعلنا ألاّ نتفاهم حقيقة .
هل تكتبون مثل والدكم ، أم أن والدكم يكتب على شاكلتكم ؟
كنت أتمتع بأسلوب باروكي جدا ، مثله . عند الشروع في الكتابة ، كنت أحاكي معلميه ، عن تواضع أو طموح . أعتقد أن الكاتب يعثر على أسلوبه الخاص بعد سنوات عدة . لما كنت شابا ، كنت أقوم بنسخ أبي ، كنت أبحث عن عبارات عتيقة ، غير متوقعة . في الوقت الحالي أحاول تجنب الاستعارات ، الكلمات الشادة ، كل ما يمكن أن يقود إلى استشارة معجم ما . أسعى إلى الوصول إلى الجوهر المشترك للغة ، أبعد من الحدود الزمنية أو الجغرافية .
هل تظنون أنكم تمكنتم من أن تصبحوا بورخيس ، الآن وقد أصبح لديكم ” عملا ” ؟
إن ما تقوله مؤثر جدا ، لكنني أرجوك أن تضع [عبارة] عمل بين هلالين . لا أملك ” عملا” ، بل شذرات . أجهل لماذا أنا شهير . في البداية كنت أتصور أنني لن أنشر شيئا ؛ من ثم ، أنني كنت أشكل خرافة أرجنتينية ، على أنه في الوقت الراهن ينبغي علي أن أستسلم والتفكير في أنني لست دجالا : لقد مُنحت وسام جوقة الشرف بفرنسا ، كما مُنحت دكتوراه فخرية من جامعات عدة … بيد أن ما كان بورخيس يفضله ، هو مزيد من المدح من أجل ما لم يكتبه بعد بدلا مما كتبه . بمعنى ، من أجل ما قام بمحوه والموجود بين ثنايا السطور . بإمكان المرء فعل ذلك بفضل سرفانتيس وبفضل الأدب الفرنسي والإنجليزي ، لأن الإسبانية ، بصفة عامة ، تعتبر لغة مفخّمة . لطالما حظرت في ذهني جملة لبوالو : ” تعلمت من موليير فن صناعة أبيات شعرية سهلة ممتنعة . “ في تقديري الخاص ، قلة من الكتاب هم من توصلوا إلى الكمال ، ماعدا ربما كيبلينغ في قصصه القصيرة . لا تتضمن إفراطا في الكلمات . أسعى إلى التعلم منه ، بكل تواضع . أن أكون في ذات الوقت بسيطا ومعقدا . بطبيعة الحال ، بعض الموضوعات تستوجب الرواية ، مثل اجتياح نابوليون لروسيا . لكني لا أفكر في كتابة الروايات .
لاسيما أنكم لم تقرأوا تولستوي .
كنت قد شرعت في قراءة الحرب والسلم ، لكنني تخليت عن ذلك عندما أصبحت الشخصيات فاقدة للانسجام . قال جورج مور George Moore) ( بأن تولستوي قام بوصف دقيق جدا للجنة تحكيم ، وعند العضو الرابع لم يعد يتذكر خاصيات العضو الأول . ومثلما أنني لم أعد أبصر زهاء ربع قرن ، فإن ثمة من يقرأ لي ، كما أني أفضل إعادة القراءة . كي أكتب ، فإني أكتفي بالإملاء . وعند بلوغ أربع وثمانين سنة ، فإن لدي مشاريع كثيرة .
عندما أتيت لرؤيتكم آخر مرة ، مع إغناسيو رامونيث (Ignacio Ramonet) ، كنتم شغوفين بعلم الاشتقاق .
أكمل . إن أصل الكلمات سوف يمضي قدما أكثر من أصل الأجيال . لاحظ العبارة السكسونية bleich) ( ، التي تعني عديم اللون . لقد تطورت في اتجاهين متعارضين . نحو الإسبانية إلى أبيض blanco) ( في الإنجليزية نحو أسود black) ( . وهل تعرف ما هو مصدر كلمة جاز jazz) ( ؟ من لغة المولّدين البيض لمدينة أورلينز Orléans) (الجديدة ، حيث كانت عبارة to jazz) ( تعني ممارسة الحب ، لكن ممارسة ذلك بطريقة سريعة ، متشنجة ، كما تشير إلى ذلك تلك المحاكاة الصوتية . لقد تعلمت للتو أن العبارة التجميلية تنحدر من اليونانية : تنظيم العالم . تجميل الوجه ، كما لو أن الأمر كان يتعلق بالكون . فضولي ، أليس كذلك ؟
أخبرني الأستاذ باسكوال Pascual) ( على التو أن جزر الكناري لا تعني وجود كثير من العصافير في تلك الجزر . لقد تم تعميدها خلال القرن الأول بواسطة ملك موريتانيا إذ إنه رأى فيها كلاباcanes) ( ضخمة .
يا لها من خيبة ! لكنك علمتني شيئا . ففي اليوم الآخر ، قدم لي صديقك رامونيث تفسيرا للأصل الإثيمولوجي لكلمة غابون Gabon) ( ، التي تنحدر من البرتغالية غاباو gabao) (، معطف .
يا لها من ذاكرة ! تشبه ذاكرة فونيس ، بطل إحدى قصصك القصيرة .
في هذه الحالة ، لا ! فونيس مات محطما بواسطة ذاكرته . إن تلك القصة القصيرة هي استعارة عن السهاد .
لهذا السبب فهو يقلقنا كثيرا .
طبعا ، إن انعدام النوم يعتبر فظيعا . فقد عانيت منه خلال سنة بمدينة بوينس آيرس . كان الصيف بلياليه الطويلة ، ومع أزيز البعوض … كما لو أن عدوا شيطانيا كان يهددني .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لما كنت صغيرا ، قال لي والدي : ” اُنظر جيدا إلى الأعلام ، الجمارك ، الجنود ، الكهنة ، إذ إن كل ذلك سوف يندثر وسيكون بمقدورك رواية ما شاهدته إلى أبنائك . “
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليس الإله ؟ يلاحظ جدا أنكم لا غنوصيون ، كي لا يُقال أنكم ثنويون . هل مرد ذلك إلى تأثير والدكم أم أنكم تلقيت تربية دينية ؟
تربية دينية ، مثل الجميع . لكن ذلك لم يدم طويلا . لقد أدركت على الفور ، بقراءة الإغريق ، أنه ثمة آلهة متعددة . لماذا إله واحد ؟ ولماذا أصبح هذا الأخير إلها خيّرا ؟ لم يكن بمقدوري أن أغفر له كونه كان مسؤولا عن حياتي . أيّ دين هذا ، الفاتيكان ، بمعية أبناكه ، شرطته وخدماته السرية ؟ فقد قال السيد المسيح : ” مملكتي ليست من هذا العالم . ” قال أبي أن كل شيء ممكن في هذا العالم ، وحتى الثالوث . كيف يمكن الإيمان بهذا المسخ اللاهوتي ؟ إن اللاهوت هو أكثر غرابة من الأدب العجائبي : كائنات ثلاثة ، من بينها يمامة ، في إله واحد … إننا أبعد ما نكون عن كوابيس ويلز Wells) ( أو كافكا . بالمقابل ، فأنا معجب بالتوراة . فكرة أن تضم إلى كتاب واحد بين نصوص أربعة لمؤلفين مختلفين ثم إسنادها إلى الروح القدس ! إجمالا ، كان بإمكاني أن أكون … ميتوديا méthodiste) ( ، على سبيل المثال ، مثل بعض أسلافي ، لكن ليس كاثوليكيا . ينتمي كاثوليكيو بلادي إلى نوع يقززني . فهم يعتقدون ان الأرجنتين بلد أساسي ، في حين أننا نعرف أن الأمر يتعلق ببلد متأخر ، حيث ليس بالإمكان فهم تاريخه دون الإحالة على إسبانيا .
هل تهتمون دائما بالشجارات اللاهوتية ؟ منذ آباء الكنيسة ، فليس ثمة شيء جديد ذي أهمية .
في الوقت الراهن تم التخلي عن الكنيسة تماما ، لكنها لا تنفد ، شأنها في ذلك شأن ، الروايات السوداء ! ثم أي ترجيس : يتم البحث عن الإله كما لو أن الأمر كان يتعلق بسفاح سوقي . لقد قيل لنا أن الإله شخصية كلية القدرة تفيض طيبة ، على أنه يكفي ضجة بسيطة لبعوضة من أجل التشكيك فيه . لا يتحدث الناس سوى السياسة والرياضة . شيئان تافهان قادران على ابتكار شعور وطني . ترغب الحكومة حاليا في تنظيم مباراة في كرة القدم . هذا لا يصدق ، أليس كذلك ، من طرف حكومة ؟ لنتخيل رئيس الدولة وهو ينهض صارخا ” هدف ! “ فكيف يمكن للمرء أن يكون مثيرا جدا للسخرية ؟ الجرائد والناس يصرخون : ” لقد هزمنا الدولة الفلانية ! ” هلكان يكفي أن أحد عشر من صبية الأرجنتين بسراويل قصيرة يسجلون نصرا في مباراة ضد أحد عشر صبيا من بلد آخر لهزم أمة …
لقد سافرتم كثيرا في الآونة الأخيرة .
حينما كنت شابا ما كنت أستسيغ فكرة السفر . حاليا ، وقد بلغت من العمر عتيا وأصابتني آفة العمى ، لم أتوقف عن فعل ذلك . أرغب في تعرف المشرق ، الذي يختزل بالنسبة لي في مصر والأندلس ، والهند أيضا ، التي أعرفها بفضل كيبلينغ . أتوفر على دعوة للذهاب إلى اليايان فعجلت بالخطى للتوجه إلى هناك . سوف تقول لي كوني أعمى لن أعجب بذلك ؛ لا أعتقد ذلك . فمجرد تخيّل ” أنا في اليابان ” يمثل فعلا ثروة . لا قدرة لي على رؤية البلدان ، لكنني أدركها ، لا أدري عبر أي علامة من العلامات . ليس ذلك غريبا ؛ يحدث ذلك يوميا . في هذه اللحظة أدرك صداقتك ، ليس من خلال ما قلت لي . إنه شيء يتعذر التعبير عنه . ما الذي يجعل شخصا ما شخصا عاشقا ؟ فهو لم يصبح كذلك من جراء ما يشاهد أو ما يسمع ، لكن بسبب بعض العلامات الغامضة التي تصدر عن الآخر . طيب ، فأثناء الحديث مع بعضهم ، فإنه يتم الشعور إذا ما كان هذا الشخص يحبكم أو ما إذا كنت غير مكترث به . يتم الإحساس به على هامش أقواله ، التي عادة ما تعتبر أقوالا تافهة .
هل تملكون قدرة الإحساس بمشهد طبيعي ؟ تدركونه أيضا عبر اهتزازات الأصوات ؟
إن ما أتصوره يمكن أن يكون في غير أوانه تماما . من المحتمل أن أستحضر انطباعات استبقيتها من زمن تمتعت فيه بالبصر . في الوقت الحالي ، وأنا أغمض عينا ، أكون قادرا على حزر بعض الألوان ، وخصوصا الأخضر والأزرق . لم يفارقني اللون الأصفر أبدا . وبالمقابل ، لقد فقدت اللون الأسود . تعوزني الظلمة ، فضولي ، أليس كذلك ؟ أعمى محروم من الظلمة . فحتى وأنا نائم ، أجدني في سديم مائل إلى الخضرة أو الزرقة .
مع الكثير من الأسفار ، تتأكد فكرة المواطنية العالمية التي تم تكوينها عنكم .
إن فكرة الحدود والأمم تبدو لي فكرة عبثية . الشيء الوحيد الذي يستطيع غوثنا هو أن نكون مواطني العالم . سوف أحكي لك نادرة شخصية . لما كنت صغيرا ، ذهبت مع والدي إلى مونتفيديو . لا بد أنني كنت في التاسعة من عمري . قال لي أبي : ” لاحظ جيدا ، الرايات ، الجمارك ، العساكر ، الكهنة ، إذ إن كل شيء سيندثر وسيكون بإمكانك رواية ما شاهدته لأبنائك . ” إنه عكس ذلك تماما . في الوقت الراهن ثمة العديد من الحدود ، العديد من الأعلام أكثر من أي وقت مضى .
لكن كهنة أقل ، على أي حال .
ماذا نعرف عن ذلك ؟ إنهم متنكرون ، الآن . وبما أن والدي كان نباتيا ، فقد دلني على مجزرة كي أستطيع القول فيما بعد : ” حتى أنني رأيت متجرا كان يُباع فيه اللحم . ” من المحتمل أن أبي كان على صواب ؟ لاشك أنها كانت نبوءة سابقة لأوانها والتي سوف تستغرق بضعة قرون كي تتحقق .
بعد فوات الأوان ؟ توصي الكتب المقدسة بالانسحاب من الحياة في سن تناهز سبعين عاما .
إني مسن جدا ، أليس كذلك ؟
لم أكن أقصد ذلك ، بورخيس .
إني أنتظر لحظة الموت بتلهف ، على أنه في عائلتي كان الموت باستمرار مرعبا . ماتت والدتي في التسعين من عمرها ، يائسة . ليس ما أخشاه هو الموت ، لكن العجز . فقد اختفت سلالة كاملة معي ، الشيء الذي يعتبر أكثر إيلاما بالنسبة لعاشق لعلم النّسابة مثلي .
لا تنزعجون كثيرا .سوف لن تتركوا ورثة .
لقد طمأنتني . الآن ، هل أستطيع انتظار الموت بهدوء ؟
يبقى أن نرى ذلك . لقد كتبتم ، أو قلتم : ” الأبدية تترصدني . “
علاوة على ذلك فإن الخلود الشخصي شيء لا يصدق ، كالموت الشخصي . أعتقد أنني أعدت صياغة بيت شعري لفرلين ” فكل ما تبقى ما هو إلا مجرد أدب ” . حذار ، لست مسؤولا لا مما استطعت قوله ، ولا على ما أقوله في الوقت الحاضر . الأشياء تتغير باستمرار ونحن أيضا . سوف لن أسوق لك جملة هيراقليطس الشهيرة بخصوص النهر الذي يتغير ، بل أسوق لك بيتا شعريا لبوالو : ” اللحظة التي أتحدث معك فيها أصبحت بعيدة عني بالفعل . “
ومع ذلك ، فقد يحدث لكم أن تسخروا من الموت . أو حول طول العمر ، ” عادة سيئة يصعب اقتلاعها ” .
لست أنا من قال ذلك ، بل صوت الشعب vox populi) ( . ” لا شيء يشبه الموت / لجعل الناس في أحسن حال . / الموت هو عادة / مشتركة يشترك فيها الناس جميعا . ”
سيُقال عن بورخيس ! هل يخشى بورخيس الموت ؟
لا . مثل أبي ، كان لدي أمل كبير في الموت كليا ، الروح والجسد . الكثير من المؤمنين الذين كانت لي بهم سابق معرفة ، أصيبوا بالرعب . البعض منهم كان يأمل الذهاب إلى الجنة والبعض الآخر كان يهاب النار . وبالمقابل ، فإن شخصا لا غنوصيا مثلي ، لا يؤمن بكل تلك القصص ، لن يكون جديرا لا بالجزاء ولا بالعقاب . فلم يتبق لي سوى الانتظار .
أستطيع أن أعطيكم عنوان الجمعية من أجل الحق في الموت بشرف ، التي أنتمي إليها .
أنتحر ؟ كما قال ليخونيس ” أرغب في أن أكون سيد الحياة وسيد موتي أيضا ” . ثم انتحر . لطالما فكرت في ذلك ، لما كنت سيء الحظ أكثر من المعتاد . وكذلك لمعرفة ما يحدث لما يفقد المرء حياته ، بعد فقدان البصر ، أليس كذلك ؟ من ثم قلت لنفسي أنه كان يكفي امتلاك فكرة الانتحار . الآن وأنا قد أصبحت شيخا مسنا ، أقول لنفسي لقد فات الأوان . يمكن للموت أن يأتي في أي لحظة . لكن لا تزال في حوزتي كوابيس ومشاريع تتطلب قرابة عامين أو ثلاثة أعوام …
ــ
(1) يتعلق الأمر بفيلم العالم السفلي ( ليالي شيكاغو ) ، 1927 .
(2) ـ عاشت الأرجنتين من 1976 إلى 1983 تحت نظام ديكتاتوري عسكري قمعي للغاية . فقد تم ” اختفاء ” ما يقارب ثلاثين ألف شخص ، اغتيلوا من طرف العسكريين .
مصدر النص : Le Monde Diplomatique ) (. اُنظر موقع : www.monde- diplomatique.fr ، غشت 2001 . الصفحتان 24 ـ 25
رامون شاو Ramon Chao) ( روائي وصحافي .
- نقلا عن مجلة نزوى – صفحة قصائد مترجمة




