أدب وفن

الحلقة – التاسعة – من – رواية “تحت ظِلال أشجَار التّين والزّيتُون” ( سيرة بطل مُجاهد شهيد معركة “أنوال” الماجدة)

الحلقة – التاسعة – من – رواية
“تحت ظِلال أشجَار التّين والزّيتُون”
( سيرة بطل مُجاهد شهيد معركة “أنوال” الماجدة)


بقلم : د.محمّد محمّد خطابي

-9-
“…عندما كا (مُوح) عائداً من شاطئ ” الصّفيحة” إلى بيته الذي يوجد في أقاصى الرّبوة العالية لقريته، كان يتراءىَ له من كلّ مكانٍ مرّ به جبل ” تقيشّة” الشّامخ المُجاور لبيته، ظلّ يحدّق النظرَ فيه بإعجاب حيث كان يظهر له من بعيد في أكمة قمّته ومرتفعاته مدفع كبير وضعه هناك “المجاهدون” وجعلوا فوهته الكبرى موجّهة نحو جزيرة “صخرة النكور” السّليبة ،إلاّ أنه وأهل قريته لم يسمعوا دويّ هذا المدفع الكبير منذ سنواتٍ بعيدةٍ خلت.
كان يمشي بخطىً بطيئة،وئيدة، متثاقلة ، وكان تفكيره شارداً ،وقد انتابه بعض العَياء بعد يوم طويل قضّاه مُستجمّاً مُستمتعاً بجمال الطبيعة الخلاّبة وبنسمات البحر النديّة في الجزيرتيّن الصغيرتين.
كانت تدور بخلده أفكار كثيرة مُتضاربة حول العديد من القضايا التي كانت تشغل باله باستمرار،مسألة البندقية التي اشترتها له أمُّه ،وفاة أبيه مغتالاً ظلماً وعدواناً، مشاكل النزاعات،والمشاكسات القبلية التي كانت تنشبُ على امتداد السّنة بين عائلات من قريته ، وبين القرىَ الأخرى المُجاورة ، و لم ينسَ مشاقّ العمل اليوميّ المتواصل الذي يضطلع به فى أراضي والده باعتباره أكبر إخوته سنّاً في الحقول الزراعية ب “الوطاء”، وبالأراضي الفلاحية ب”الواد البالي” (أغزار أباري) التي كانت توجد بمحاذاة ضفاف نهر “وادي غيس” ، كما كانت تشغله، وتؤرقه،وتُغضبه المناوشات الاستطلاعية العسكرية التي كانت تقوم بها دوريات من كتائب الجيش الاسباني القادم من مدينة “مليلية ” المحتلّة في مناسبات شتّى، وهو بَعْدُ في مقتبل العُمر، وريعان الشباب .
عندما كان (مُوح) في منتصف الطريق إلى بيته، وهو يقطع مَمرّاً ضيّقاً وعراً بين أخدود جُرفِ هوّةٍ سحيقة، ومُنحَدرٍ صخريٍّ شاهق حيث بدأ فى الصّعود عبر عقبة كأداء نحو أعلى الهضبة حيث توجد سُكناه .
في تلك الهنيهة تحرّكتْ ورفرفتْ بشكلٍ مُفاجئ إحدى الحمامات البريّة التي استقدمها من جزيرة البَرّ الصّغرى التي كانت مربوطة مع الحمامة الأخرى في حزام خصره ، عندئذٍ غابت عن باله على حين غرّة كلّ المشاغل الجادّة، والأفكار المُنغِّصة التي كانت تدور برأسه بدون إنقطاع ،عاد بتفكيره إلى الجزيرتيْن الصغرىَ والكبرَى ، وإلى منظر الأسراب الكثيرة من الحّمام البرّي الذي يحبّذ أن يصنع أعشاشه في مداخل تجاويف الصّخور الناتئة، والجحورالحجرية العالية بهما على امتداد السنة،شعر برغبةٍ في الأكل، كان الطّوىَ يُمزّق أمعاءَه، فهو لم يأكل طوال اليوم سوى بضع ثمرات من التيّن الشّوكي التي لا تُسمن ولا تُغني من جوع . جنح به خياله إلى التفكير في الحمامتيْن البرّيتيْن اللتيْن كان يحملهما معه ،شَعر بالرّيق يجري في فمه، ،ودار في رأسه أنّ الحَمام البرّي الذي يقطن فى أعالي الصّخور الصّلدة هي الطيور الوحيدة التي تنافس الطيور الداجنة من إوزٍّ، أو بطٍّ، أو دجاجٍ حرٍّ طليق (إعتّوقن) ، أو حتّى طيور الحِجل المشهورة والمأثورة في المذاق عندما تطبخ ، أو تُشوىَ على نار هادئة في تنّورالفُرن التقليدي في بيته..(يتبع) .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى