إبحار على متن القصيد / قصيدة الشاعرة ندى الحاج / قراءة أدبية: الناقد محمد دويكات

نولدُ لنتذكرَ
ونلتقي
نسهو لنتذكرَ
ونلتقي
نرافقُ ظلَّنا حتى يختفي
نرأفُ ونتخطى
ونطوي المجهولَ
ونحِب
نخطو ونهفو
في يدنا ممحاة
وفي سيفنا قلب
نولدُ ونتذكرُ
أغنيتَنا على الجبين
وأمَّنا في الحنين
وساريةً تنادي بأصوات الريح
تقدم الشاعرة ندى الحاج في نصها النثري “نولدُ لنتذكرَ” ومضةً مكثفةً تعبر عن جوهر الوجود الإنساني في رحلته المتشابكة بين الذاكرة والنسيان، اللقاء والفراق، والحب والفقد. النص، على قصره، ينطوي على أبعاد فلسفية وروحية عميقة، مستخدمًا لغةً مكثفةً وصورًا شعريةً تلامس الوجدان
يفتتح النص بمفارقة وجودية: “نولدُ لنتذكرَ / ونلتقي / نسهو لنتذكرَ / ونلتقي”. هنا، يصبح التذكر ليس مجرد فعلٍ عقليٍ بل غايةً للوجود ذاته، يُولد الإنسان من أجلها، وحتى السهو أو الغفلة لا يُلغي هذه الغاية، بل قد يكون مسارًا آخر للعودة إلى الذاكرة واللقاء. هذا التكرار للعبارة يشي بدورة حياة تتسم بالبحث الدائم عن الانتماء والاتصال
تنتقل الشاعرة بعد ذلك إلى استعارة بصرية مؤثرة: “نرافقُ ظلَّنا حتى يختفي”. الظل هنا ليس مجرد انعكاسٍ للجسد، بل قد يرمز إلى الذات، الهوية، أو حتى الماضي الذي يلازمنا. اختفاء الظل يشير إلى لحظة الفناء، أو ربما تحرر الروح من قيود المادة، أو حتى نهاية مرحلة معينة من الوجود. تتبعها عبارة “نرأفُ ونتخطى / ونطوي المجهولَ / ونحِب”، لترسم مسارًا إنسانيًا يتميز بالتعاطف (نرأف)، والتجاوز للمصاعب (نتخطى)، ومواجهة المجهول بجرأة (نطوي المجهول)، وصولًا إلى أسمى المشاعر الإنسانية وهو الحب. الحب هنا ليس مجرد عاطفة، بل قوة دافعة تدفع الإنسان للمضي قدمًا وتخطي العقبات
تأخذنا الشاعرة إلى مستوى آخر من التأمل في عبارة “نخطو ونهفو / في يدنا ممحاة / وفي سيفنا قلب”. هذه الصورة شديدة الرمزية. الممحاة ترمز إلى القدرة على التسامح، النسيان المتعمد لما يؤذي، أو محو أخطاء الماضي. إنها أداة للتطهير والبدء من جديد. أما “سيفنا قلب”، فهي استعارة قوية جدًا؛ فالسيف، رمز القوة والحرب والصلابة، يتحول هنا إلى قلب. هذا يشير إلى أن القوة الحقيقية تكمن في المشاعر، في الرأفة، في الحب، وفي القدرة على الإحساس. إنها دعوة إلى أن تكون الإنسانية والرحمة هي سلاحنا الأقوى في مواجهة تحديات الحياة
يختتم النص بالعودة إلى نقطة البداية، ولكن بوعي أعمق: “نولدُ ونتذكرُ / أغنيتَنا على الجبين / وأمَّنا في الحنين / وساريةً تنادي بأصوات الريح”. “أغنيتَنا على الجبين” قد ترمز إلى قدرنا المكتوب، أو حقيقتنا الجوهرية التي وُلدنا بها. “أمَّنا في الحنين” تحمل دلالات عميقة للأصل، الانتماء، الدفء، والعودة إلى الجذور. الأم هنا ليست مجرد شخص، بل رمز للوطن، للأرض، للماضي الذي نحمله في داخلنا. أما “ساريةً تنادي بأصوات الريح”، فهي صورة شعرية غنية بالمعنى. السارية قد تكون رمزًا للأمل، للهوية، للمقاومة، أو للنداء الخالد الذي لا يتوقف، والذي يحمله الريح إلى كل مكان، وكأنها دعوة للاتصال بما هو أسمى وأبقى
:ختامًا
إن نص “نولدُ لنتذكرَ” هو نص فلسفي بامتياز، يدعو إلى التأمل في ماهية الوجود الإنساني وعلاقته بالذاكرة، الحب، والقوة الكامنة في الضعف. إنه نداءٌ للوعي بالرحلة الداخلية للإنسان، وأهمية التذكر، التجاوز، والحب كقوى محركة للروح. اللغة مكثفة، الصور الشعرية مبتكرة، والرسالة عميقة، مما يجعله نصًا يستحق القراءة المتأنية والتدبر




