أدب وفن

«نريد بلادًا جديدة»… مدينة قرنبالية تحتفي بالشاعر التونسي الكبير آدم فتحي

«نريد بلادًا جديدة»… مدينة قرنبالية تحتفي بالشاعر التونسي الكبير آدم فتحي

البشير عبيد*


لم تكن عشية الجمعة 19 ديسمبر
   بدار الثقافة قرنبالية مجرّد موعد ثقافيُ يضاف إلى  أرشيف الأنشطة المعتادة، بل كان لحظة ذات كثافة رمزية عالية، اجتمع فيها الشعر والمطر والذاكرة والوفاء في مشهد واحد. ففي وقتٍ كان فيه البرد قاسيًا والمطر غزيرًا، اختار الحضور أن يتقدّموا نحو دفء آخر، دفء الكلمة الحرة، لأن القصيدة، حين تنادي، لا تعترف بالطقس ولا تعتذر عن حضورها.
الأمسية التي اختارت عنوان «نريد بلادًا جديدة» لم تُقدَّم باعتبارها احتفالًا بروتوكوليًا، بل بوصفها فعل اعتراف ثقافي بتجربة شاعرٍ ترك أثره العميق في الشعر التونسي والعربي، هو الشاعر آدم فتحي. تكريمٌ خرج عن منطق المجاملة ليقترب من معنى الوفاء، ومن استعادة مسار إبداعي ظلّ وفيًا للكلمة، وللإنسان، وللأسئلة الكبرى.
حضور الشاعر… حين يصبح الصوت وطنًا
جلس آدم فتحي في صدر المكان بهدوء الكبار، أنيقًا في حضوره كما في نصّه، متخففًا من ادّعاء النجومية، ومتسلحًا بما راكمته السنوات من صدق وتجربة. في صوته شيء من البلاد، وفي قصيدته شيء من الذاكرة الجماعية، وفي نبرته ذلك التوازن النادر بين الحسّ الإنساني والوعي الجمالي.
لم يكن حضوره مجرّد حضور شاعر مُكرَّم، بل حضور تجربة كاملة ما تزال قادرة على استقطاب أجيال مختلفة، وعلى خلق لحظة إنصات جماعي حقيقي. لحظة تتحوّل فيها القصيدة من نصّ فردي إلى مساحة مشتركة، ومن صوت ذاتي إلى وطن رمزي مؤقت.

تداخل الفنون: الشعر حين يعبر حدوده

تميّزت الأمسية ببعدها الجمالي المركّب، إذ لم يُقدَّم الشعر في عزلة، بل انفتح على الغناء والمسرح في تجربة تفاعلية لافتة. فقد امتزجت قصائد آدم فتحي بالغناء، وتعانقت مع الأداء المسرحي من خلال مشاركة المبدع نزار عبد الرزاق الكشو، إلى جانب مجموعة البحث الموسيقي( نبراس شمًام  عن فرقة البحث الموسيقي و خميس البحري عن عيون الكلام و عمار القاسمي عن الحمائم البيض..كما كان حضور الشاعر المميز الناصر الردسي و الكاتب الدكتور ناصر بالحاج لافتا…كل هذه المداخلات أعادت إلى النصوص روحها الشفوية الأولى، ومنحتها حياة جديدة.
هذا التداخل بين الفنون لم يكن مجرّد تنويع شكلي، بل تجسيدًا عمليًا لفلسفة جمالية رافقت تجربة آدم فتحي منذ بداياتها: الإيمان بأن الشعر كائن حيّ، قابل للتحوّل، وأن القصيدة حين تغادر الورق لا تفقد عمقها، بل تتكثّف دلاليًا وتكتسب أفقًا أوسع.

«نريد بلادًا جديدة»: من القصيدة إلى الوعي الجمعي

حين ردّد الحضور مع الشاعر عبارته الشهيرة «نريد بلادًا جديدة»، لم تكن الجملة لازمة محفوظة أو شعارًا عابرًا، بل إعلان رغبة جماعية، أقرب إلى قدرٍ يُتلى منه إلى عبارة تُقال. بدت الجملة، في تلك اللحظة، خلاصة مسار شعري طويل، تحوّلت فيه القصيدة إلى سؤال مفتوح، وإلى مرآة تعكس خيبات وآمالًا متراكمة.
هنا، تماهى الصوت الفردي مع الصوت الجماعي، وتحوّل الشعر إلى أداة تفكير جماعي في معنى الوطن، وفي جدوى الحلم، وفي إمكانية التجدد خارج اللغة المستهلكة.

قراءة نقدية في المسار الشعري والغنائي

الأمسية لم تكتفِ بالبعد الفني، بل فتحت أفقًا نقديًا مهمًا من خلال مداخلة قيّمة قدّمتها الدكتورة مفيدة الجلاصي، التي توقفت عند الخصوصية الشعرية والغنائية في تجربة آدم فتحي. مداخلة أبرزت قدرة الشاعر على الجمع بين بساطة التعبير وعمق الدلالة، وبين الهمّ الشخصي والأسئلة العامة، دون الوقوع في المباشرة أو الخطابية.
وقد شكّلت هذه القراءة النقدية جسرًا بين الذاكرة والراهن، ووسّعت أفق التلقي، محوّلة التكريم إلى لحظة تفكير في الشعر ووظيفته، لا مجرد احتفاء باسم.

آدم فتحي: مسيرة شعرية عابرة للحدود

ينتمي آدم فتحي إلى جيلٍ شعري آمن مبكرًا بأن القصيدة ليست معزولة عن العالم، ولا منغلقة على لغتها فقط. مسيرته الشعرية تميّزت ببحث دائم عن المعنى الإنساني، وعن اللغة القادرة على ملامسة القلق الفردي والجماعي في آن واحد. لم يكن الشعر لديه تمرينًا لغويًا صرفًا، بل موقفًا أخلاقيًا وجماليًا من العالم.
إلى جانب كتابته الشعرية، شكّلت الترجمة أحد الروافد الأساسية في تجربته، حيث أسهمت في توسيع أفقه الجمالي، وفي إدخال أصوات شعرية عالمية إلى اللغة العربية، بروح المبدع لا بمنطق النقل الحرفي. الترجمة، في تجربته، ليست فعل وسيط فقط، بل حوار ثقافي عميق، ومساءلة دائمة للغة والذات.
أما الإعلام الثقافي، فقد كان أحد الفضاءات التي تحرّك فيها آدم فتحي بوعي ومسؤولية، مؤمنًا بدور الكلمة في تشكيل الذائقة العامة، وفي الدفاع عن الثقافة بوصفها شأنًا عامًا لا نخبويا. حضوره في الإعلام الثقافي لم يكن ترويجيًا، بل تثقيفيًا، يسعى إلى إعادة الاعتبار للشعر والفن في زمن السرعة والاستهلاك.

نورة هويات: التكريم بوصفه وفاءً للمكان

يُحسب لهذه الأمسية أنها جاءت بمبادرة شخصية من الشاعرة المميًزة و المثقفة الحرًة المستنيرة المثابرة نورة هويات، التي تعاملت مع التكريم بوصفه فعل وفاء، لا حدثًا عابرًا. إيمانها بأن تكريم آدم فتحي هو تكريم لقرمبالية نفسها، للمدينة التي احتضنت أحلامه الأولى، منح اللقاء بعدًا إنسانيًا وجماليًا خاصًا.
بهذا الوعي، تحوّلت الأمسية إلى قصيدة تمشي على الأرض، وإلى احتفال هادئ بالمعنى، بعيد عن الاستعراض، قريب من الجوهر.

لحظة ثقافية تتجاوز المناسبة

في خاتمة الأمسية، كان الشعور العام أن ما حدث يتجاوز إطار أمسية شعرية. لقد كانت لحظة ثقافية مكتملة العناصر: شاعر بتجربة عميقة، تنظيم واعٍ، حضور نوعي، وتفاعل صادق. كلّ ذلك أسهم في خلق لحظة نادرة، تذكّر بأن الثقافة، حين تُدار بمحبة ومعرفة، قادرة على خلق المعنى حتى في أقسى الظروف.
وتبقى الخلاصة أن الكلمة الحرة، حين تجد من يصونها ويؤمن بها، تظل نابضة، تتنفس بيننا، وتذكّرنا بأن الشعر، في لحظاته الصادقة، لا يصف الواقع فقط، بل يوسّعه ويمنحه أفقًا آخر…
كما يليق بشاعر اسمه آدم فتحي.

– *شاعر و كاتب تونسي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى