أدب وفن

سئمتُ من دورات تطوير الذات !عنوان صادم و لا شكّ …

سئمتُ من دورات تطوير الذات !
عنوان صادم و لا شكّ …

هل يمكننا التوقف عن محاولة ترقية أنفسنا إلى نسخٍ “أفضل” ممّا نحن عليه؟

أنطوان يزبك*

من هواياتي هذه الأيام البحث عن مقالات و أبحاث حول (التنمية البشرية ) وتنمية الذات والعمل على تطوير السلوك في الإداء الوظيفي والمواظبة على تطويره وهذه [ السلعة ] الدارجة إذا صحّ التعبير ، صارت الشغل الشاغل في كل العالم وكل المؤسسات ، دورات التطوير تحصد انتباه الجيل الحديث حول العالم ومن يستهجن هذه الدورات يستبعد و كأنه مصاب بطاعون !
عملية ركض ولهث دون إمكانية التوقف في مكان ما للاستراحة أو لأخذ نفس أو حتى إدراك نقطة معيّنة و محددة ومع هذا السباق المجنون مثل حصان يركض وقد لسعته نحلة تشعر أنك في مسابقة أولمبية شعارها :Citius Altius Fortius أسرع ، أعلى ، أقوى …

عثرت في مجلة : علم النفس اليوم Psychology today، على مقتطفات من بعض الأفكار التي أدلى بها الدكتور في علم النفس “جوش غريسيل ” لفتت انتباهي ، علّها تجيب عن بعض التساؤلات :

تطوير الذات أشبه بسيرٍ متواصل يمكننا أن نختار الاستغناء عنه.

حتى الممارسات القائمة على العملية نفسها، مثل التأمّل، يمكن أن تتحوّل إلى نوعٍ آخر من السعي لتحقيق الإنجاز.

لا نحتاج دائما إلى تطوير الذات لأنّنا جميعًا ممتازون كما نحن و يقصد الدكتور غريسيل هنا ، أن ما نملكه أكثر من كافٍ.

يُخبرنا الدكتور غريسيل عن مصادفة حصلت معه :
مؤخرًا عرض عليّ شخصٌ ما كتابين عن فنون الشفاء الروحي لكاتب محترم ومنحني الكتابين مجانًا. كان ذلك من النّوع الذي كنتُ سأرحّب به سابقًا، آخذهما بامتنان، وأضعهما على رفّ مخصص للكتب التي “سأقرؤها لاحقًا”. ربما كنت سأحاول قراءتهما، وربما أكملها إلى النهاية . لكن خرجت من فمي هذه المرّة، وبصراحة غير معتادة، هذه الجملة :
“لا شكرًا. لقد سئمتُ من تطوير الذات.”

هناك صناعة كاملة شبه منزلية مكرّسة لمساعدتنا على الوصول إلى نسخٍ أفضل من أنفسنا. وأنا أعرف ذلك جيدًا ؛ فأنا عالم نفس وأكسب رزقي من خلال مساعدة الناس على التخلّص من استراتيجيات التكيّف غير الضرورية والبدء في عيش ذواتهم الأصيلة. وأنا أؤمن بذلك بصدق، وقد رأيتُ نتائجه، وجرّبته بنفسي.

ولكن ، إمّا بسبب تقدّمي في السن وتراجع حيويتي الجسديّة، أو بسبب الهجوم المستمر من التسويق الذي يروّج لسلع المساعدة الذاتية، أو ربما بسبب امتلاكي لسلامٍ داخلي معيّن ، قررتُ أن أعلن عن حالة استراحة . أريد أن أطرح هذا السؤال :
كيف سيكون شكل حياتنا لو توقّفنا عن السعي، وبدأنا فقط نعيش كما نحن ؟

لا أعتقد أنّ هذه الفكرة جديدة جذريًا. فالتأمّل، والفلسفة الشرقية، والكثير من الحكمة القديمة تنصحنا بأن نكون أكثر حضورًا في العملية الفكرية وأقل سعيًا للنتائج. ما أحاول كشفه هنا و هو ما يبدو جديدًا بالنسبة لي على الأقل ، هو أنّ حتى تلك المنهجيّات، كما تُمارس غالبًا في الغرب، يمكن أن تتحوّل إلى مسارات جديدة من “تطوير الذات”. إنّه أمر خبيث حقًا ، و كم هو سهل أن نحوّل أي شيء إلى طريقة أخرى لكي نصبح أفضل وأكثر تطورا، أو نحسّن من أنفسنا. وربما الطريقة الأبسط لقول ذلك هي بكل بساطة : من السهل جدًا علينا تحويل أي شيء إلى سبب جديد للشعور بالسوء تجاه الذات .

لم أنهِ الكتب… أو قرأتها ولم أفهمها… أو قرأتها لكنني لا أتذكر ما قيل فيها…
تأمّلتُ ولكن لم أركّز كفاية… ركّزتُ ولكن لم أتأمّل طويلًا بما يكفي… أتأمل منذ سنوات ولكن لا أعرف إن كان ذلك يصنع فرقًا. ذلك الصوت الداخلي المزعج الذي يقول: “أنت لستَ كاملا ” . هذا الشعور اامعربد لا يختفي من خلال العمل الشاق على تطوير الذات. بل يهدأ عبر الاسترخاء في قبول الذات.

لقد لاحظت أمرًا مثيرًا في كل مرّة أقول فيها لشخصٍ آخر بصوتٍ عالٍ: “لقد سئمت من تطوير الذات.”
أولًا يأتيك ضحكٌ خفيف وكأنه مجرد حركة تنفّس عادية ، ثم يظهر ارتخاء واضح على وجه الشخص الآخر الذي صدمته بخيارك . “
ثم يقول لك مردفا :
تقصد أنّه يمكنني أنا أيضًا أن أسترخي؟ وأننا لا نحتاج إلى منافسة أنفسنا أو بعضنا لنصبح أفضل… أو لنصل إلى مكانٍ ما؟”
نعم هكذا غالبا ما تكون ردات الفعل !

يتابع الدكتور غريسيل قائلا :
أتذكّر حوارًا دار بيني وبين ابني الأوسط قبل عقود، وكان حينها في الرابعة من عمره. سألته عمّا يريد أن يكونه عندما يكبر. فأجاب، ببراءةٍ وبساطة لا يحملها إلا طفلٌ في الرابعة: “هل يجب أن أكون شيئًا ما يا أبي؟”

لسنا مضطرين لأن نكون شيئًا لأننا كاملون في جوهرنا .

إن أردتَ قراءة تلك الكتب، أو أخذ تلك الدورات، أو حضور ذلك المؤتمر في عطلة نهاية الأسبوع ، فافعل ذلك بكل تأكيد. لكن إفعله لأنّك منجذب إليها، فضولي تجاهها، شغوف بها. لا لأنك تحاول “تحسين نفسك”….
تبدو الحقيقة صادمة أحيانا ولكنّها مجزية ! .

*كاتب و باحث لبناني

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى