«يوليسيس»… الرواية التي غيّرت وجه الأدب الحديث

«يوليسيس»… الرواية التي غيّرت وجه الأدب الحديث
جودت هوشيار*
عندما صدرت «يوليسيس» عام 1922، لم تكن مجرد رواية جديدة يضيفها جيمس جويس إلى رصيده الأدبي، بل كانت حدثاً غيّر مسار الرواية الحديثة. فقد دفعت حدود الكتابة إلى آفاق غير مسبوقة، وأعادت تشكيل نظرة النقاد والقراء إلى الفن الروائي، وأسهمت في ترسيخ مفهوم حرية التعبير، ولا سيما في الولايات المتحدة، كما تركت بصمتها الدائمة في الحياة الثقافية والسياحية في أيرلندا.
ويكاد يجمع مؤرخو الأدب على أن «يوليسيس» هي الرواية النموذجية لعصر الحداثة. صحيح أن تقسيم الأدب إلى مدارس واتجاهات ليس سوى وسيلة تقريبية لفهم تطوره، ولا يستطيع أن يحيط بعظمة عمل فريد كهذا، إلا أن فهم الحداثة يظل مفتاحاً أساسياً لفهم عالم جويس وروايته.
فما الذي يميز الحداثة الأدبية؟
لقد تعامل كتّاب الحداثة مع الرواية بوصفها فناً ينبغي أن يُعاد اختراعه في كل مرة. لم يكن هدفهم رواية قصة جيدة فحسب، بل ابتكار شكل جديد للرواية نفسها. كانوا يكتبون وكأن كل عمل هو المعركة الأخيرة مع التقاليد الأدبية، وكأن عليهم أن يفتحوا باباً لم يُفتح من قبل. لذلك جاءت أعمالهم تجريبية، جريئة، متمردة على القوالب الموروثة، وكان كل كتاب بمثابة إعلان عن بداية جديدة في تاريخ الأدب.
وفي هذا السياق، تبدو «يوليسيس» الإنجاز الأكثر طموحاً. فحتى بين أعظم الروايات الحداثية، ما تزال تحتفظ بمكانتها الاستثنائية، لأنها دفعت التجريب الفني إلى أقصى حدوده.
تتألف الرواية من نحو ستمائة صفحة، لكنها لا تروي سوى يوم واحد فقط: السادس عشر من حزيران (يونيو) عام 1904، وهو اليوم الذي أصبح يُعرف اليوم باسم «يوم بلوم» (Bloomsday)، نسبة إلى بطل الرواية ليوبولد بلوم. يتابع القارئ خلال هذا اليوم العادي تجوال بلوم في شوارع دبلن، وزياراته للمحال والمقاهي والمكتبات والحانات، ولقاءاته العابرة بالناس، وتأملاته التي لا تنقطع. ومن خلال هذه التفاصيل اليومية البسيطة، يبني جويس صورة بانورامية للمجتمع الإيرلندي بأكمله.
ولم تعد رحلة بلوم مجرد حدث روائي، بل تحولت إلى معلم ثقافي وسياحي. ففي كل عام، يحتفل الآلاف في دبلن بـ«يوم بلوم»، حيث يسير المشاركون في الشوارع نفسها التي سار فيها بطل الرواية، ويرتدون أزياء تلك الحقبة، ويزورون الأماكن التي وردت في النص. وقد أصبحت هذه الجولة جزءاً ثابتاً من هوية المدينة الثقافية، سواء أكان الزائر قد قرأ الرواية أم لم يقرأها.
ومن الطريف أن كثيرين يعرفون «يوليسيس» أكثر مما يقرؤونها. فالرواية اكتسبت شهرة جعلت اسمها مألوفاً حتى لمن لم يفتح صفحاتها قط. وربما تكون عبارة: «لم أقرأها، لكنني أعرفها» دليلاً على أن الكتاب تجاوز حدود النخبة الأكاديمية وأصبح جزءاً من الثقافة العالمية. وهذه، بطريقتها الخاصة، إحدى علامات الخلود الأدبي.
أما الذين قرأوا الرواية فعلاً، فيمكن تقسيمهم إلى فئتين: فئة نجحت في اجتياز صفحاتها الكثيفة والمركبة حتى النهاية، وفئة لم تكتفِ بالقراءة الأولى، بل عادت إليها مرات عديدة محاولةً اكتشاف طبقاتها الخفية، وإشاراتها الثقافية، وألعابها اللغوية، ورموزها التي لا تنتهي.
فـ«يوليسيس» ليست رواية تُقرأ مرة واحدة، بل نص يزداد ثراءً مع كل قراءة. ففي كل فصل إشارات إلى حياة جويس الشخصية، وإلى تاريخ أيرلندا وعلاقتها المعقدة بإنجلترا، وإلى الصراع بين الكاثوليكية والقومية الإيرلندية، فضلاً عن إحالات لا تنتهي إلى الفلسفة، والأساطير الإغريقية، والمسرح، والشعر، والأدب الأوروبي القديم والحديث.
ومن هنا كثيراً ما توصف الرواية بأنها امتحان لثقافة القارئ وسعة اطلاعه. فكلما اتسعت معارفه بالأدب والتاريخ والأساطير والفلسفة، استطاع أن يكتشف مستويات جديدة من المعنى. ومع ذلك، فإن الرواية لا تفقد قيمتها لدى القارئ العادي، لأنها تحتفظ في جوهرها بقصة إنسانية عن الوحدة، والحب، والغيرة، والبحث عن الهوية، ومعنى الحياة اليومية.
وتقوم الرواية كلها على نظام بالغ الدقة. فلا تكاد توجد فيها كلمة أو صورة أو إشارة جاءت مصادفة؛ فكل تفصيل موضوع في مكانه، وكل حدث مرتبط بشبكة واسعة من الرموز والإحالات. وقد كشف الباحثون، بعد عقود من صدور الرواية، عن البنية المعمارية المحكمة التي أخفاها جويس خلف ظاهر النص.
ومن أكثر ما يلفت الانتباه تنوع الأساليب التي يستخدمها الكاتب في الفصول الثمانية عشر للرواية. فكل فصل يكاد يكون تجربة فنية مستقلة. فالفصل السابع مكتوب بأسلوب يشبه التقارير الصحفية وعناوين الجرائد، بينما يحاول الفصل الحادي عشر أن يحاكي الموسيقى في إيقاعه وبنيته. أما الفصل الثالث عشر فيقلد اللغة العاطفية للروايات النسائية في القرن التاسع عشر، في حين يأتي الفصل السابع عشر على هيئة سؤال وجواب، محاكياً كتب التعليم المسيحي الكاثوليكية، أما الفصل الأخير، وهو المونولوغ الشهير لـ«مولي بلوم»، فيُعد من أروع نماذج تيار الوعي في الأدب العالمي، إذ يتدفق الوعي الإنساني بلا فواصل تقريباً، في ثماني جمل طويلة تمتد عشرات الصفحات.
ولم يكن استقبال الرواية سهلاً عند صدورها. فقد مُنعت في الولايات المتحدة وبريطانيا سنوات طويلة بتهمة «الفحش»، بسبب صراحتها في تناول الجسد والرغبات الإنسانية. لكن حكماً تاريخياً صدر عام 1933 عن محكمة أمريكية اعتبر أن الرواية عمل أدبي رفيع لا يجوز حظره بدعوى خدش الحياء، وهو قرار أصبح علامة فارقة في تاريخ حرية النشر، ومهّد الطريق لنشر كثير من الأعمال التي كانت تخضع للرقابة.

وبعد أكثر من قرن على صدورها، ما تزال «يوليسيس» تحتفظ بمكانتها بوصفها واحدة من أعظم روايات القرن العشرين، وواحدة من أكثرها إثارة للإعجاب والجدل في آن واحد. إنها رواية تتحدى قارئها، وتطالبه بالصبر والمعرفة، لكنها تكافئه باكتشاف عالم أدبي لا يشبه أي عالم آخر، وتثبت أن يوماً عادياً في حياة إنسان عادي يمكن أن يتحول، بين يدي عبقري مثل جيمس جويس، إلى ملحمة إنسانية خالدة




