روضة الشامخي: “شوارع ” نورة عبيد “قصص كطلق الرصاص”

جولة في شوارع نورة عبيد
حين حمّلتني نورة عبيد وزر الصدى في كلمة الإهداء
كنت أخاله حملا أو جمرا…بيد أنني خمنت جورا..!
أدرت مزلاج القراءة فانداحت الأصداء من تلقاء نفسها.
في نهج الفيلات يعود اللحم مطبوخا إلى الشاة ولا يحيل عليها بل على بهيمة أخرى سكنت خلف الجدران وتقيأت الجسد يوما فصار الجزار مهووسا بحديث اللحم نيئا ومطبوخا يتلذذه بخياله بعد أن هجرته أنثاه..!
وفي شارع الخلوة يبدو العطِر عطنا والبراز إفرازا ل”خمج “الأرواح المتعفنة التي ينخرها دود الخيانة في تقاطع دال بين إسهال الأمعاء ونزيف النفوس المتعبة..!
في شارع الحب تنسى العاشقة كيف تشعل الغاز فيشعل أبوها في قلبها حديث العشق ويترك لها مذاق القهوة وريحها وروحها وينسحب مثل ملاك نزل بالوحي في ميقات مختوم..!
والحرية لم تعد غير اسم لغير مسمى…فالحاوية هي موطنك الطافح بالكناسة…شارع الحرية مكتظ برجال الشرطة في تناقض صارخ بين القيد والحرية التي تتبدى لك موؤودة بين طبقات البراز يتحفك به ذو ربطة العنق والسيارة الفارهة -المرجح أنه السياسي الماكر-هدية مفخخة يعابث بها الوعي الجماهيري الزائف المبني على الطمع فتصير طُعما لناخب أحمق ذاكرته قصيرة كالسمكة…ينغمس من تلقاء نفسه في البراز السياسي فلا يجني غير الرائحة النتنة..!
وفي نهج البلدية يعيش الطالب المحروم على الكفاف تكفيه مؤونة القطط من الأسماك…!
وعليك أن يكون سلاحك تعقلك المُشاكل للجنون وأنت تفك شفرة التورية التي تجريها الكاتبة في معظم ما تكتبه ، فتفهم في نهج السعادة مثلا أنّ الفرح رديف للكآبة…!
سيميائية مخصوصة تلك التي عليك أن تتوسل بها لفك طلاسم المعنى المراد رغم عري العبارة أحيانا..!
و تبتسم بمرارة إذ تطالعك الساردة تتخفى خلف اسم الصديقة في نهج الدباغين حيث الكتاب بخس وصاحبه يلوك هزيمته ، إنه يُهان ويُستهان بكتابه ويُهمل إهداؤه..وفي شارع العناق يبدو الكتاب جثة بيضاء ملقاة في العراء تنتظر انتشالها من المقبرة لأن الموتى ينامون نهارا ولا يقرؤون..بين شارع العناق ونهج الدباغين يقف الكتاب أو لعله يتمدد مقبورا بين الأحياء..!!!إنها السخرية اللاذعة والكوميديا السوداء..!
لله در الحاكي إذ ينسج خيط الحكاية من توهج المعيش وعفنه وعنفه معا ، فيتلقف المحكي له تفاصيل ذاته في آنيتها وغيريتها المكلومتبن تلقف المندهش من حاله المكتشف لسوءاته العاري من سراويل المداراة والحجب الموهوم..!
تُعرّي الكاتبة عفن الإنسان في لغة ترفل في البيان
لها صقيع الماء إذ يجري في حلق المحموم فيسري البرء في يسر ،ولها حرارة الشوق إلى الغمر بعد البين والحنين إلى السكون بعد الأين وغواية الممنوع في كلّ حين ..!
تجول بين ردهات “شوارع”يتلاعب برأسك المكان والزمان..تتوه بين الدوال ..العثور على المدلولات يتطلب حفرا بمعول لا صنو له..لا تمنحك القصة غير ظاهرها وتدير لك ظهرها..المعنى ناشز لك أن تبذل عقلك في تدبره ولك أن تهادنه حتى يلين ، لكن لا فكاك من غوايته ولن تقدر على هجره في كل الأحوال..!
تأسرك الحكاية فتسعى مسيطرا متقصيا السمت إثرها ، فهي لم تُكتب ليُمحى منك أثرها..!
تتقن نورة عبيد الرقص مع دوالها ومدلولاتها وتحرك
دماها ببراعة حكاء قديم يعرف المعنى ومعنى المعنى وسر المغنى..يستزيد منهما ويزيد إليهما من روح فياضة يعبق منها الروح والريحان رغم نقلها للعفن والعطن والآسن …إنه السرد الآسر.!
قَصَص كطلق الرصاص يرديك قتيلا وأنت في منتهى السعادة …أهو العسر كالبسر أم الخسران كالكسب المنحوت؟ربما …بلى …بل هو الظفر،وأيّ ظفر…!
وهو إلى ذلك تقصّ للمكبوت والمسكو ت عنه…
لن أقرأ لكم الأقاصيص كلّها حتى أترك لكم فرصة القراءة ولذة الاكتشاف…!
إنها”شوارع”يا سادة فأوسعوا لها الرف في مكتباتكم…!
روضة الشامخي




