صديقةُ الشَّمْسِ الصَّغيرةقِصَّةٌ لِلْأَطْفَالِ../ بقلم الكاتب رضا يونس

صديقةُ الشَّمْسِ الصَّغيرة
قِصَّةٌ لِلْأَطْفَالِ..
فِي صَبَاحٍ مُشْرِقٍ، أَطَلَّتِ الشَّمْسُ بِوَجْهِهَا الذَّهَبِيِّ، وَهِيَ تَنْشُرُ الدِّفْءَ وَالنُّورَ عَلَى قَرْيَةٍ فِي حِضْنِ الطَّبِيعَةِ الْجَمِيلَةِ. وَفِي زَاوِيَةٍ مُظْلِمَةٍ فِي بيتٍ قَدِيمٍ، كَانَتْ هُنَاكَ شَمْعَةٌ صَغِيرَةٌ تَقِفُ شَامِخَةً عَلَى رَفٍّ خَشَبِيٍّ، تُرَاقِبُ الْأَشِعَّةَ الْمُتَدَفِّقَةَ مِنَ النَّافِذَةِ بِدَهْشَةٍ.
قَالَتِ الشَّمْعَةُ بِصَوْتٍ خَافِتٍ:
ـ يَا لَهَا مِنْ قُدْرَةٍ عَظِيمَةٍ! أَيَّتُهَا الشَّمْسُ، يَكْفِيكِ أَنْ تَظْهَرِي فَيَسْتَيْقِظَ الْعَالَمُ.
ابْتَسَمَتِ الشَّمْسُ، وَقَالَتْ بِصَوْتٍ دَافِئٍ:
ـ وَأَنْتِ، أَيَّتُهَا الصَّغِيرَةُ، لَدَيْكِ أَيْضًا قُدْرَةٌ عَلَى التَّأْثِيرِ.
تَنَهَّدَتِ الشَّمْعَةُ، ثُمَّ قَالَتْ:
ـ لَكِنَّ ضَوْئِي مَحْدُودٌ بِخُطُوَاتٍ قَلِيلَةٍ، بَيْنَمَا أَنْتِ تُضِيئِينَ نِصْفَ العَالَمِ.
لَمْ تُعَلِّقِ الشَّمْسُ، لَكِنَّهَا تَرَكَتْ كَلِمَاتِهَا مُعَلَّقَةً، كَمن يخْفِي سِرًّا مَا.
فِي المَسَاءِ، غَابَتِ الشَّمْسُ وَرَاءَ الأُفُقِ، وَبَدَأَ اللَّيْلُ يَكْسُو الفَضَاءَ. وَفَجْأَةً اهتزتِ الارض بزلزال قوي، وانْقَطَعَتِ الكَهْرَبَاءُ؛ أَظْلَمَتِ القَرْيَةُ، وَتَعَثَّرَ النَّاسُ فِي طُرُقَاتِهِمْ. ارْتَجَفََ الببْتُ القَدِيمُ، فَاسْتَجْمَعَتِ الشَّمْعَةُ شَجَاعَتَهَا، مُتَهَيِّئَةً لِلاِشْتِعَالِ.
بَعْدَ ثَوَانٍ، سَمِعَتْ طَرْقًا عَلَى البَابِ، ثُمَّ أَنْصَتَتْ إِلَى صَوْتِ طِفْلٍ يَقُولُ:
ـ أُمِّي، لَا أَرَى شَيْئًا، أنا خائف، هَلْ مِنْ ضَوْءٍ؟
تناولتِ الأُمُّ الشَّمْعَةَ وَأَشْعَلَتْهَا، فَانْتَشَرَ نُورُهَا فِي الحُجْرَةِ، ثُمَّ حَمَلَتْهَا إِلَى الخَارِجِ. تَبِعَهَا الجِيرَانُ وَالأَطْفَالُ، كُلٌّ مِنْهُمْ يَحْمِلُ شَمْعَتَهُ وَيُشْعِلُهَا مِنْ نُورِ الأُولَى.
خِلَالَ دَقَائِقَ، امْتَلَأَ الشَّارِعُ بِسِلْسِلَةٍ مِنَ النِّقَاطِ الْمُضِيئَةِ. وَصَارَ اللَّيْلُ آمنًا مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ.
طَلَعَتِ الشَّمْسُ فِي صَبَاحِ اليَوْمِ التَّالِي، فَوَجَدَتِ الشَّمْعَةَ وَاقِفَةً وَقَدْ فَقَدَتْ نِصْفَ طُولِهَا، وَلَكِنَّهَا كَانَتْ تَبْتَسِمُ بِرِضًا.
قَالَتِ الشَّمْسُ فِي رِفْقٍ:
ـ أَرَأَيْتِ؟ لِكُلٍّ مِنَّا مُهِمَّتُهُ الخَاصَّةُ. لَوْ لَمْ تَكُونِي هُنَاكِ، لَظَلَّتِ القَرْيَةُ تُعَانِي مِنْ لَيْلٍ مُظْلِمٍ وَطَوِيلٍ.
ابْتَسَمَتِ الشَّمْعَةُ، وَقَالَتْ بِثِقَةٍ:
ـ نَعَمْ يَا صَدِيقَتِي، رُبَّمَا ضَوْئِي ضَعِيفٌ، لَكِنَّهُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنْقِذَ عَالَمًا صَغِيرًا.
ضَحِكَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ أَرْسَلَتْ أَشِعَّتَهَا الذَّهَبِيَّةَ تُدَاعِبُ لَهَبَ الشَّمْعَةِ قَبْلَ أَنْ يَنْطَفِئَ، وَقَالَتْ فِي سَمَائِهَا:
ـ وَهَكَذَا تَكْتَمِلُ الحِكَايَةُ.. ضَوْءٌ كَبِيرٌ يُوقِظُ الكَوْنَ، وَضَوْءٌ صَغِيرٌ يَحْمِيهِ.




