الشاعرة والناقدة اللبنانية هالة نُهرا لـ«الأهرام»: الإبداع يكون عندما يأتيك الشجر رغم تصحر البصر حاورها مدير تحرير “الأهرام” د. أشرف أبو السعود

حوار مع هالة نهرا في جريدة “الأهرام”- حاورها مدير تحرير “الأهرام” د. أشرف أبو السعود.

هالة نهرا ناقدة موسيقية وفنية، وكاتبة، وشاعرة، وصحفية لبنانية، كتبت النقد الفنّي والثقافي فى عددٍ من أبرز الصحف والمجلات الثقافية والفكرية والمنصّات الإعلامية على مدى حوالي 20 سنة.
أطلقت هالة نهرا كتابها الأول «إضاءات موسيقية وفنية» حيث طرحت هاجسها النقدي النظري والعملي، وأظهرت إضاءاتها الخاصة والقيّمة على عددٍ من الفنانين والمبدعين والمؤلّفين الموسيقيين في أعمالهم، واندرج الكتاب في كاتالوج مكتبات جامعات عالمية مثل «ستانفورد»، و«هارفارد»، و«إيموري»، و«جورج تاون»، و«بنسلفانيا»، و«برنستون»، ومكتبة جامعة «نيويورك». تمّت ترجمة بعض قصائدها إلى الإسبانية والألمانية والإنجليزية، وكُرّمت في ساحات إبداعٍ عربية عدّة.
وفى حوار مع “الأهرام” تقول نهرا إنها ولدت فى بيت يؤمن بأن الفنون هي أصل الحضارة، لدرجة أن الموسيقى قد تسربت فى أوصال روحها منذ نعومة أظافرها. من هذا المنطلق ترى أنّ الفنّ الحقيقي هو المقياس الحقيقي للثقافة والحضارة عند الحكم على المجتمعات، والإبداع هو أن يأتيكَ الشجرُ عن طيب خاطرٍ حين يتصحّرُ البصرُ…
1-من وجهة نظرك ما الذي دفع فتاة لبنانية شابة للدخول في معترك النقد الموسيقي والفني في وقت لم يكن هذا الحقل النخبوي مطروقاً لدى النساء؟
*درستُ الموسيقى والعزف على آلة العود والصولفيج والنظريّات الموسيقية منذ الصغر في “المعهد الوطني العالي للموسيقى -الكونسرفتوار اللبناني” ومعاهد أخرى رفيعة المستوى، ودرستُ في الجامعة العلوم الموسيقية لسنوات وما يرافقها كالأكّوستياء أي فيزياء الصوت، والألسنية، والتاريخ، والمواضيع والمجالات النظريّة، والمقامات الموسيقية المشرقية العربية الأساسية، والفنّ الكلاسيكي الغربي. الموسيقى شغفٌ مزمنٌ يجري في عروقي ومنسلّةٌ أنا من بيتٍ ثقافيّ يعشق الموسيقى والفنون التي تعكس أحد أهمّ أوْجُه الحضارة. في المقابل، لديّ شغفٌ بالكتابة واللغة العربية منذ طفولتي ومراهقتي ولطالما كانت لديّ وجهة نظر نقديّة منذ نعومة أظفاري تحضّ عليها الثقافة والمعرفة وكان لديَّ تقييمي الخاص لما أتلقّاه سمعيّاً أو عبر المشاهدة والقراءة. كتبتُ أيضاً النقد لأنه الجسر بين العمل الفنّي والفنّان والمتلقّي/الجمهور، والنقد ليس مهمّةً أكاديمية جامدة وجافّة، بل هو شغفٌ بالبحث غير التقليدي وغير الأكاديمي ينطلق من ثقافة السؤال وحبّ المعرفة.
إن الفنَّ الحقيقي مقياسٌ حضاري وثقافي للحكم والتقييم، ووسيلةٌ وأداة لإرهاف وتهذيب الذوق، للاستدلال قدر المستطاع عبر بلوغ أو ملامسة جانب من حقيقةٍ غامضة ومجهولة انطلاقاً من المعلوم وللاستنارة. الفنّ هو أن يأتيكَ الشجرُ عن طيب خاطرٍ حين يتصحّرُ البصرُ في العقلِ والقلبِ ويلبسُ الأفقُ الشجر… النقد متابعات أحياناً وقد يشكل جزئياً تأريخاً من نوع آخر لناحية محاولة إعادة صوغ الواقع أو النتاج عبر كتابتهما نقدياً ومساءلتهما من أجل بلورتهما.
وبوصفي كاتبة وناقدة وشاعرة أعتبر أنّ القارئ المدرك العميق والمتلقّي الرصين المُحِبّ شريكٌ في العملية الإبداعية وأحترمه كثيراً. القارئ أو المتلقّي العميق بهيٌّ ودوره أساسي في نشر وتعميم وبناء الوعي في ظلّ التصحّر والانحطاط، وفي ترميم الذائقة الفنية.
2- كيف نجحتِ فى الحفاظ على الحدّ الفاصل بين هالة الناقدة التى تحلّل تجربة فنان كمرسيل خليفة أو زياد الرحباني وهالة الشاعرة التى تكتب بانفعالات ذاتية؟
*أحياناً وليس دائماً، يتداخل الأدب والنقد ويتسلّل الشعر إلى النصوص بصورةٍ تلقائية لأنّ الشعر والنقد ليسا منفصلين على الإطلاق، بل إنهما يتكاملان إبداعياً ويعكسان كالمرايا أغوار الشخصيّة.
الشعر كما كتبتُ عنه في مقدّمة ديواني أجنحةٌ للفكر لكي يطير ويلامس القلب، وهو العَمود الفقريّ للأغاني والأناشيد والمحرّض على التجلّي واعتناق روح الجمال. الشعر استحضارٌ واستشرافٌ وحدسٌ. الشعر أكثر من تعبيرٍ ومن لهب مصابيح، وأكثر من كوّة في جدار العالم السميك، وأكثر من رسالة، وأكثر من خيال، وأكثر من وجهات نظر، وأكثر من ذاتية وأبعد من موضوعية. بالشعر تتجدّد اللغةُ، واللغة هي “بيت الوجود”. الشعر هو الزفرة العميقة التي يطلقها الكون، وهو المفاتيح التي بوسائطها ينجلي بتقطُّر الغامض والمجهول والمحجوب واللامنظور الخفيّ.
الشعر والنقد متّصلان ومتوازيان في آن. الشاعرة في روحي تغذّي روحي النقدية، والناقدة فِيَّ تزوّد شِعري بآفاقٍ كونية أرحب.
3-صِفي لي شعورك عندما سمعتِ صوتاً أجنبياً (كولومبياً) يصدح بكلماتك العربية. ما إحساسك تجاه نصّكِ الذي نسجتِه بحسّك الشرقيّ؟
*عندما أدّت المغنّية الكولومبية جوانا مونسالفي في سلوفينيا بمرافقة موسيقيين أجانب من دولٍ عديدة قصيدتي “يا ضوء الأضواء” التي مَوْسَقَها المؤلّف الموسيقي المبدع وجدي أبو ذياب شعرتُ بالبهجة، فهكذا يصل أدبُنا العربي ونتاجُنا إلى العالم ويكون عابراً للثقافات والحدود والقلوب والأرواح. شعوب الأرض إخوتنا في الإنسانية وأنا ممتنّة لتأدية الأجانب في أوروبا لنصّي الشعريّ باللغة العربية بكلّ هذا الحبّ.
4- عندما تكتبين عن جيل ليلى مراد وزكريا أحمد وفيروز والرحابنة هل تشعرين أنّ عليك مهمّة إنقاذ ذاكرة موسيقية مهدّدة بالانقراض أم أنك تحاولين قراءتها بروح جديدة خالية من الحنين؟
*ليلى مراد وزكريا أحمد وفيروز والرحابنة وأم كلثوم وسواهم قاماتٌ مُشرِقة خالدة وعظيمة في سِجِلّ تاريخ الموسيقى العربية وفي الذاكرة والوجدان. النوستالجيا للالتماعات النهضوية المُشرّفة حاضرة، ولأنّ أعمالهم تتسلّح بمستواها الإبداعي الرفيع والفريد فهي عابرة للزمن.
5- ما الذي يخيفك بشدّة عند ترجمة قصائدك إلى اللغات الأجنبية مثل الألمانية أو الإسبانية؟ ولماذا؟
*لا أخاف من شيء وحين تُترجَم برفعةٍ وذوقٍ بعض القصائد والنصوص وتُنقل إلى لغاتٍ أخرى يقرأ الآخَر الذي لا يجيد العربية نتاجنا. الترجمة شديدة الأهمّية في إيصال قصائدنا وثقافتنا وأفكارنا وتصوّراتنا ورؤانا للعالم، وفي التفاعل الثقافي والحضاري حول العالم مع نتاجنا مثلما نتفاعل نحن أيضاً مع ما يصل إلينا من نتاج العالم. لكن إذا لم يكن المترجم حسّاساً جدّاً تجاه اللغة والصوَر والاستعارات والمجاز والبلاغة وإذا لم يكن مبدعاً في اللغة والأدب فإنّ النصّ الأصليّ قد لا يصل كما ينبغي له أن يصل إلى القارئ الأجنبيّ وربّما يُحدث ذلك خللاً ما أو التباساً ما أو انزياحاً ما في المعنى بسبب اختلافات اللغات وخصوصيّاتها وهذه الأمور قد تحصل ولا مشكلة جوهرية في ذلك، حتى ولو حدث فأنا لا أعلّق. إنّ ذلك ليس أساسياً إذا وصلت روحية النصّ الأصلي بأمانة ومحبّة عبر الترجمة إلى الآخَر كما أنّ الشعر لا يُترجَم ترجمةً حَرفية ويستلزم مترجماً خلّاقاً مثقّفاً في مضمار الأدب.
6- لوحظ أن لغتك الشعرية تتأرجح بين الفصحى والمحكية اللبنانية. ما هو الضابط والحاكم فى ذلك أنت أم النص عندما يكون متمرّداً على العقل؟
*لا شيء فوق العقل. الحالة الشعرية هي التي تفرض نفسها عليّ إنْ بالفصحى التي أعشقها أو باللهجة المحكية.
7-بعد أكثر من 20 عاماً في عالم الصحافة، ما هو التحوّل الأكبر الذي آلمك فيها وما القناعة التى تسلّحتِ بها طوال هذه الفترة؟
*أحزن عندما أرى وألمس تراجع بعض الصحافة الثقافية أو تقوقُع البعض، مع فائق احترامي وتقديري الكبير ومحبّتي الجارفة للصحف المرموقة والمجلات والمواقع التي تصون المستوى بانفتاحٍ مطلوب ومرغوب وبذوقٍ رفيع وتصون الكاتب المثقّف في آن ودوره وحقوقه. لا بدّ من دعم الصحافة الثقافية على الصُّعُد كافّة والمثقّفين والمبدعين فيها فلن يُنهِض العالم العربي إلا العقل العربي. أنا أتعلّم كلّ يوم شيئاً جديداً ولا أدّعي امتلاك المعرفة المطلَقة ولا حيازة وكالة حصرية في الفهم. نتعلّم باستمرار كلّنا دون استثناء من أخطائنا الفاتنة وتجاربنا ومن التراكم المعرفيّ الذي يفضي إلى تحوّلٍ نوعيّ مذهل فنتسلّح بالخبرة والتمرّس والحكمة مع مرور العقود والزمن. الأهمّ أن يبقى الكاتب يتعلّم باستمرار من الحياة حين يُسهم في الوقت نفسه في البناء المعرفيّ الضروريّ.
8- لو خيّرتِ اليوم أن يبقى اسمكِ فى تاريخ الشعر العربي أو فى تاريخ النقد الموسيقي، أيّهما تختارين ولماذا؟
*لقد وصل نتاجي الشعريّ إلى أهمّ وأبرز المكتبات الأكاديمية العالمية التي حرصتْ هي على طلبه واقتنائه وقراءته ودراسته وصونه لديها، كما وصلت إليها كُتُبي التي طلبَتْها في النقد الموسيقي-الفنّي والثقافة وتمّ اقتناؤها وحفظها في العالم والحمدلله. بتجاربنا المتواضعة نمتشق شعلةً في الظلام وفي المدى لنضيء، ونحفر بذلك أسماءنا وأثرنا بتواضعٍ في الزمن في فلَكَيْ الشعر/ الأدب والنقد وفي مضمار الثقافة، وأتمنّى أن يكون نتاجي مفيداً للآخر والعالم ومؤثّراً بلا أدنى ادّعاءٍ بالكمال لديَّ فالكمال لله العظيم وحده. الشعر والنقد والكتابة والثقافة غرامي وولعي.




