أبواب الشعر المتفرقة وفن الانتقاءفي المجموعة الشعرية ” الجِنرالُ الذي أسْقطتْ عرْشَهَ عَربة ” نموذجا.للشاعر صابر العبسي

الناقد أ. هادي عرجون
أبواب الشعر المتفرقة وفن الانتقاء
في المجموعة الشعرية ” الجِنرالُ الذي أسْقطتْ عرْشَهَ عَربة ” نموذجا.
للشاعر صابر العبسي
(الجِنرالُ الذي أسْقطتْ عرْشَهَ عَربة) مجموعة شعرية استلهمها صاحبها من ملامح سيرة الجنرال الذي حكم البلاد أو جانب منها ليحدثنا عن هموم الشعب. ليجمع ألمه الذاتي وأفكاره تجاه هذا النظام وما يدور في فلكه إلى آلام الآخرين وأفكارهم، ليناقش قضايا اجتماعية وسياسية ويجعله موضوعا إبداعيا. يستجلي من خلاله آفاقَ الحقيقة كفراشة ضوءٍ، حتى يلون مشاعرنا بالشجن ويضفي علينا مسحةً من الرهافة والحزن، فتأتي الكلمةُ حارةً مشحونة بالأسى والقلق.
وقد جاءت المجموعة في شكل قصيدة مطولة رغم تقسيمها إلى عناوين فرعية، أبحر بنا صاحبها ضمن سياقات زمانية ومكانية متحوّلة غير ثابتة، ليسقط الزمان والمكان أمام الظلم والاستبداد الذي مرت به البلاد، فكانت بمثابة تراجيديا إلهية كان ضحيتها الإنسان وهو يحاول مصارعة الآلهة المتمثلة في (الجنرال) الذي صعد كقط البراري على ركح أكتافنا ليولد من زئبق المكان وحشرجة التاريخ نصوص تدخل من أبواب الشعر المتفرقة وليس من باب واحد، فالمجموعة تعتمد فلسفة شعرية واقعية غرائبية يشكلها الشاعر صابر العبسي بحرفية وسلاسة تعكس هموم هذا الوطن بالماضي والحاضر، وبالتالي هموم الشاعر الباحث عن الخلق الشعري، حين يحاول تشكيل عالمه الإبداعي، وهموم القارئ وهو يخطو الخطى بعينين مغمضتين ليتصفح ما تناثر من شعره، كي يخيط لنا برده جديدة مزخرفة بتفاصيل الحياة اليومية، وامتداد لمشروع شعري حيث يمكن لنا الزعم أن هذه المجموعة هي امتداد للمجموعة الشعرية (الخزاف النابلي) فسبحان من ألهم الشاعر صابر العبسي بأن يلخص الثورة في حركة بسيطة من يد خزاف ليشعل الثورة في فرنه، فهي الثورة على الجنرال، حيث يقول.
“هو ذا فجأة
قصمت ظهره قشة
لم يعرها ولو لحظة
أي وزن كما هي في وهن
لم تعر نفسها أي وزن،
فمن كان خلف ستار إذن: عبرها
في الظلام على الركح أسقطه
مثلما الوحش عن عرشه
فهل الربيع بضربة حظ
وصرنا أخيرا من الأمم الناطقة“(ص85).
فهذه المجموعة الشعرية تمثل سيرة وطن، وحكاية وطن تخلّص من أحاديّة الحكم، وتخلص من صنم الزعيم الواحد الذي نصب لنفسه تمثال بناء البلاد في مختلف مجالات الحياة، ليأتي بعده الجنرال الذي أسقطت عرشه عربة، الجنرال الذي كتم الأنفاس، ثلاثاً وعشرين سنة، ليسيطر القلق على البلاد برمتها، ويعشش اليأس في كل مكان. أعقبتها ثورة مطلوبة في الداخل والخارج، ولكنها في الآن نفسه ثورة مظلومة، فشل أبناؤها في التوافق حول مشروع بناء واضح، وتجاذبتها قوى الردّة هنا وهناك التي تعشق اللون الواحد وتنبذ ألوان الطيف التي يتسع لها هذا الوطن.
فكان لابد من وجود رابط رمزي يطرح أسلوب الشاعر ويميزه ليقترن بالفكرة ويخضع لمجمل الانفعالات الوجدانية، ويعبر عن الذات الشاعرة وفي الان نفسه يعبر عن الآخر من خلال رؤيا في الظاهر فردية ولكنها تعبر عن رؤيا جماعية لما حدث وما يحدث. إنها تمثل الهوية (الوطن)، والبيئة المجتمعية ، التي تميز المنجز الفني والتي يمكن اعتبارها بمثابة الثيمة التي تعبر عن الواقع المعيش فاختارها كرمزية يعبر من خلالها الشاعر عن ذاته، وعن الآخر، وبالتالي نتجاوز الفهم المباشر والسطحي الذي يعني الجنرال المستبد، والمكان(الوطن)، وما حواه ليتحول إلى رمز تعبيري المقصود منه الكيان والإنسان والوجود بالإضافة إلى الهوية والتراث والبيئة والأفعال اليومية المعيشية ليتداخل الذاتي بالجماعي ليعبر في ذات الوقت عن الوطن بتقلباته وثوراته.
فالمجموعة تختزن جزءا هاما من ذاكرة الانسان وتجاربه كما أنها مأوى الانتماء ومسرح الاحداث الذي يختزل الواقع. فالعلاقة بين الشاعر والمكان من شأنها أن تنعكس على عناصر العمل الادبي وهذا ما نراه مطبوعا على جدران الذاكرة الشعبية، كما هو مطبوع على صفحات المجموعة الشعرية.
والمتتبع لعناوين القصائد يلاحظ آليات وهندسة الشاعر في صوغ عناوين قصائده من ناحية التركيب والدلالة باعتبار أن العنونة تمثل مدخلا مهما لقراءة النتاج الإبداعي ومرآة تكشف ماهية المتن، وشكله، ودوره في فك شفرات النصوص بما فيها من وظائف، كالوظيفة الإغرائية وهي التي تقوم بإغراء القارئ وإثارة انتباهه، والوظيفة التعيينية وهي التي تعين النص وتحدد ماهيته وصنفه وتشير إلى محتواه بالإضافة إلى الوظيفة الدلالية التي تؤكد العلاقة الدلالية بين العنوان والنص، والتي تجعل القارئ ينطلق من العنوان إلى النص ومن النص إلى العنوان للوقوف على الرابط المنطقي بينهما وبين دلالتهما معا، خاصة وأن العنوان يساهم بدور كبير في تفسير النص من الداخل.
فقد اعتمد الشاعر صابر العبسي في متن قصائده على تقنيات الحداثة في بنائها والتي اشتغل عليها جل الشعراء المحدثين، في الشعر العربي عموما وذلك من خلال اعتماده عليها، كالرمز والقناع، وتداخل الأجناس، والايغال والانزياح، والاعتناء بالعنونة وتوظيف التراث بمفهومه الواسع.
ليكون متن القصائد بوابة أخرى للعبور إلى ما يرمي الشاعر صابر العبسي بثه في المتقبل من خلال تكرار الكلمة أو العبارة كـ: (الجنرال التي تكررت 84 مرة)، في مختلف مقاطع المجموعة والذي من شأنه أن يخلق تفاعل في مستوى المعنى، لتكون اللغة مطية يطوعها كيفما شاء حينما يستخدم الشاعر كلمات وعبارات ما كانت لتستعمل في قصيدة معاصرة خاصة عندما يتعلق الأمر بموضوع راهن باستعماله ثيمات جوهرية تمثل حقلا دلاليا في النص تدور حوله بقية الحقول وتتناسل منه بشكل أو بآخر. والذي يظهر بصفة جلية في نص (قتلة الخمرة لاغير)، حيث يقول(ص 148):
” فتَح البابَ الخشبيّ فطالعهُ
بمسدّسه الجنرال،
يداعبُ شاربَه ويناديه تعال
فتح الفانوس الورديّ،
فطالعه بمسدّسِه الجنرالُ
بهيئة طاووس ويناديه تعال
فتح الألبوم فطالعه بمسدّسه الجنرالُ
بهيئة عفريت ويناديه تعال
فتح الأزرار لمعطفه الشّتويّ
فطالعهُ بمسدّسهِ الجنرالُ
بهيْئة تمْساح ويناديه تعال”
كما يظهر كذلك من خلال تكرار عدد من الثيمات التي لها دلالاتها في النص ورمزيتها كتكرار ثيمة (الريح) حوالي 18 مرة في حين ذكرت كلمة الرياح مرة واحدة، ولكن هنا لنتوقف عند لفظ الريح في التفسير الديني، لماذا لفظ الريح وليس الرياح إذا نظرنا للمنظور القرآني الذي يشير أن لفظ الرياح يدل على موضع الرحمة في القرآن، والرياح تأتي منها الفوائد الكثيرة، مثل إصلاح الهواء، وإثارة السحاب، ونزول المطر. أما لفظ الريح فيدل على معنى العذاب والهلاك. ولكنها جاءت بصفة مختلفة لتبين إيجابية هذه الريح التي جاءت لتدل على الربيع والحرية، حيث يقول في نص (الرّبيعُ الّذّي قطعُوا رَأسَه) ص 73:
” عسْعسَ اللّيْلُ والرّيحُ هبّتْ فُجائيّةً
فاخْتفَى الجِنرالُ اخْتفَى
قِيلَ قدْ أسَرُوهُ
وقيل كَذلكَ قدْ أرْسلُوهُ
إلى جنّة الله فِي نزْهةٍ
بيْنما نحْنُ لمْ يبْق منْه
لَنا غيْر بزّتهِ العسْكريّةِ
كنّا عثرنَا عليْهَا هنالك فِي القْبوِ
منْ سَاحةِ الشّهداءِ فرحنا بها كما الله
ننفخ فيها كبالونة”
لينجلي الليل المفردة التي تكررت حوالي (19)، والتي تعتبر من أكثر المفردات التي وردت في التراث العربي وفي الشعر خاصة، لأن الليل ظاهرة كونية تتصل بحياة الإنسان اتصالًا قويًا، وقد حضرت في شعر صابر العبسي. بالإضافة إلى تكرار مفردة الظلام (15)، الذي يذكره بالظلام والسواد الذي يخيم على تونس، عندما يتحول الليل في استعارة جميلة إلى نور وضياء، مع انفلاق الصبح، فحينئذ تدب الحركة في المكان، ويستيقظ العباد والبلاد. حيث يمضي العمر بتعاقب الليل والنهار، فبتعاقبهما يصاغ هذا العمر، فيغدو مثل الخيال الذي تصوغه الرؤى ولكن الحياة والقدر هو الذي صاغه ليكون الانعتاق الذي أراده الانسان، إذا الشعب يوما أراد الحياة.
” تستضيء البلاد بأنوارها وتضيء
جميع الجهات عداه
انتهى الجنرال المحنط
من أثر البرد موعظة عبرة
فاستوى أبد الآبدين كفزاعة
عند مفترق الطرقات”(ص 131).
بالإضافة إلى تكرار ثيمة (الشمس) حوالي 23 مرة، والتي لها دلالتها ورمزيتها في الديانات القديمة واتخذوها إلاها كما اتخذ الملك في ذلك الوقت كرمز لإله الشمس في الأرض “فالملك هو الشمس، وصرفه للأموال يمثل أشعة الشمس” (1). وهذه الفكرة بالنسبة للإنسان القديم بدت أمرا طبيعيا لعدم قدرته على تمييز الظواهر الطبيعية وفق تأمل عقلي ومنطقي سليم، والشمس في المعنى الاصطلاحي: نجم ثاقب وكتلة ملتهبة من النار، ولكن لها في المعجم الشعري دلالات مختلفة فهي تدل على الوهج والتجلي، كما تشير إلى الأمل الذي سيبعث في الغد القريب، وهي دلالة على الميلاد والحرية والاستمرار لأنها تولد من بطن العتمة. يقول الشاعر في إشارة إلى الشمس مصدر الخلاص ومبعث الحرية والانتصار، وذلك في قوله: (ص 32):
” فأْزْهَرَتِ الشمْسُ مَزْهوّةً
والصّراصِيرُ فِي الحَانِ للتوِّ طنّتْ
قضَى نحْبَهُ الجِنرَالُ انْتهيْنا
مِنَ الحرْبِ فلْنبْدأ الكرنفال
الشّوارعُ غصّتْ بشَتىّ الأيَائلِ
واللاّفتَاتِ مِنَ الأرْجُوانِ “
هذا التكرار الذي من شأنه أن يجعل الشاعر لا يخلق صورة من عدم، وإنما يختار من الإمكانات المتاحة في اللغة، ويستعين بمدركاته الحسية المختزنة في لا وعيه الشعري، ويقيم تفاعلا من نوع خاص، ليشكل من خلال هذا نظاما لغويا قادرا على إبراز الدلالات التي تحتويها التجربة الشعورية الفنية. وهو ما يجعل موسيقى النص تكون هادئة خفيفة في بعض النصوص، كما تكون ظاهرة وصاحبة في بعضها الآخر، وقد تتنقل بين هذه الحال وتلك في النص الواحد، فالقصيدة في نهاية المطاف، ما يهمنا منها هو أن تترك لذة ما، وإيقاعا بنبض الوجود، وأثرا بالنفس، سلاحه قوة الصورة والرؤيا والموسيقى التي يحدثها مجموع الأحرف وباقة من الأصوات في النص الذي جاءت في شكل تنظيم معين لتعبر عن حالة من حالات الصمت في حضرة الشعر.
كما حملت قصائد المجموعة خطاب التناص الذي يجعل الحاضر عنده عنصرا أساسيا في وقفة التأمل التي يحاول من خلالها إبداء رؤية جديدة للنص الشعري. فالتناص القرآني يعتبر من أبرز التقنيات الفنية التي عني بها أصحاب الشعر الحديث، واحتفوا بها بوصفها ضربا من تقاطع النصوص، والذي من خلاله يساهم في ثراء النص الإبداعي، حيث يظهر هذا التناص في شكل مفردات قرآنية منفردة أو مقترنة بلفظة أخرى، أو اقتباس مباشر لنص قرآني ظهرت في عدة مقاطع نذكر منها:
الصفحة الأسطر الشعرية الآية بالقرآن الكريم
ص67 إلاّ هُو فِي دَعَةٍ سوّتْهُ منْ ذَهبٍ
سوّتهُ علَى نحْو لاً يشْفِي إلاّ الأكْمَهَ والأبْرصَ
والأعْمى والأرْعَنَ والرّضع في النّطقِ (بلاً) “وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله”
( جزء من الآية 49 من سورة آل عمران).
ص80 أيضْرعُ مبْتهلاً أمْ هو يرفع عنّا السماء كيْ لا تخرّ علينا؟
-ليحرسنا ويذكّرنا أنّنا رهن قبْضته
-ألا يسْتريح قليلا فيغفو ولوْ برْهة
-ليس تأخذه سنة إن غفا أكلتنا التماسيحُ الآية 255 من سورة البقرة.
ص 162 فشكرا ذهبتم مع الرب كيدا بكيد
إلى ساحة الخلد والاقتتال
وأمّا أنا قاعد ههنا فوْق أعلى جماجمكم
سأظل إلى أبد الآبدين “قَالُواْ يَٰامُوسَىٰٓ إِنَّا لَن ندخلها أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا ۖ فأذهب أَنتَ وَرَبُّكَ فقاتلا إِنَّا هاهنا قاعدون”
(الآية 24 من سورة المائدة)
ص174 يبْدُو حاكمًا مُسْتحكمًا سُلْطانَه
ومروّعًا بلدا بكامِله
لأوْهنُ منْ شِباكِ العنْكبوتِ مُولْولاً
فِي حضْرةِ الملكهْ إِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ
(سورة العنكبوت الآية 41)
بالإضافة إلى استعماله لعدد من الرموز الأخرى والتي تناولها الشاعر من زاوية مختلفة ومغايرة لا تتعارض مع النص الأصلي، من خلال استحضار القصص القرآني الذي يعطي مصداقية وتميز لدلالات النصوص الشعرية التي من شأنها أن ترفع من قيمة النص، حيث يوظف قصة إبني آدم حين علمه الغراب كيف يواري سوءة أخيه بقوله: (ص23):
” قدْ تجلّى غُرَابٌ يُجرْجرُ
جثة آخرَ داميةً
شبْهَ منْهُوبةٍ نابشًا
قشْرةَ الأرْضِ،
ثمّ بكلّ حنوّ
أهالَ التّرابَ عَليْه يُواريهِ”
بالإضافة إلى استحضار قصة النمرود بن كنعان الذي كانت نهايته على يد بعوضة قد دخلت في منخره وبقيت تعذبه أربعين يوما تأكل من دماغه إلى أن هلك، “وليس غريبًا أن يستخدم الشاعر الرموز والأساطير في شعره، فالعلاقة القديمة بينهما وبين الشعر علاقة ترشح لهذا الاستخدام”(2) وذلك من خلال قوله: (ص38):
” كلّ من واجهُوهُ
انتهوا
ما عداها الذبابة
تلك الذبابة
راقصة حوله
راوغته فلم تستطع
أن يهش عليها
وقد دلفت أنفه فتهاوى
علَى القاع يصرخ
فلتقطعوا الرأس رأسي
واستبدلوه بآخر من ذهب “
حيث نلاحظ من خلال كل هذا أن استخدام عناصر التراث في العمل الإبداعي لا يفقد النص بريقه بقدر ما يجعل من النص ثريا وقابلا للتأويل خاصة من خلال استخدام الشاعر لعالم الرمز والأساطير الذي مهد لتطور في نسق القصيدة التي اتخذت من عناصر الماضي فهما لأحداث الواقع، وفق آليات الاقتباس والاحالة والايحاء. وذلك من خلال توظيف قصة (زرقاء اليمامة)، التي اشتهرت بزرقة عينيها وحدة بصرها حتى أن قومها كانوا يستعينون بها لتحذيرهم من الغزاة، بقوله: (ص24):
” قالت له:
مَا أبْصَرَتْ واسْتبْصَرَتْ
لكنّهُ مَا كَانَ يُصْغي…
هكذا
أعْمَى كعَادتهِ يرَى الأشْياءَ
لكنْ،
لا يرَى مِنْهَا سِواهُ…”
بالإضافة إلى استعماله التناص الصوفي في بعض المواضع، وهو ما جعل الحاضر عنده عنصرا أساسيا في وقفة التأمل التي يحاول من خلالها إبداء رؤية جديدة للنص الشعري.
فالمجموعة الشعرية (الجِنرالُ الذي أسْقطتْ عرْشَهَ عَربة) عموما تصور الأزمة التي عصفت بتونس من حكم استبدادي متفرد باركه قطعان من الكلاب تحرسه وتدافع عنه، والمجموعة تبدو في ظاهرها إخبار عن هذه الحقبة ولكن في باطنها تنويع وتفرد رغم أنها تمثل سباحة في فلكها الرئيسي، لحركة تتشكل بصفات وانفعالات وانكسارات وخيالات وتصورات توضح صورة (الجنرال) الذي يبدو من خلال هذا الطرح، أنه شخصية استبدادية، ومن خلال تصوير صفاته بطريقة ترتقي إلى المستوى الأسطوري بقدرته على الخلق والتنقل بين الأزمنة، فهو الحزين السعيد، الواقع والأسطورة والغائب الحاضر، بلغة بسيطة تلتقط العادي واليومي والهامشي في الحياة لتحوله إلى مادة للشعر.
فالشاعر صابر العبسي من خلال هذه المجموعة لا يكتب عن الأشياء في حد ذاتها بل يعيد بناءها وخلقها بصورة مغايرة، كما أنه لا يحطم اللغة الاعتيادية إلا ليعيد بناءها إلى مستويات أعلى من حيث التشكيل والإخراج والدلالة فاللغة كما يقول أدونيس ” ممارسة كيانية للوجود أو هي شكل وجود، قبل أن تكون شكل تواصل، لم تكن اللغة للإنسان الشكل الأساسي لتواصله، إلا لأنها كانت الشكل المبين لوجوده. والشاعر لا يكتب عن شيء، إنما يكتب الشيء” (3).
ليخرج بنا من القوالب النمطية الجاهزة إلى خلق عوالم جديدة ليخلق تعبير شعري متعدد يتيح ما تقتضيه الحداثة من تغير وتجدد، والتحكم في توزيع اللغة وتوليدها من خلال المزج بين الحسي والمجرد، ولتوظيفها في إطار التعبير عن قضايا العصر، والذي جاء توظيفا بنائيا يهدف إلى خدمة سياق النص، والتعبير عن القضايا التي يرمي التعبير عنها من خلال هذا التوظيف كما أن المزج بين هذه الرموز من شأنه أيساهم في بناء عوالم شعرية مختلفة تأخذ أبعادا سياسية وفكرية وجمالية.
وفي الختام أكثر ما يمكن قوله إن المجموعة الشعرية (الجِنرالُ الذي أسْقطتْ عرْشَهَ عَربة) فيها الكثير من الكلام والمعاني عرجت على بعضها من خلال حضور الأنا الشاعر المتعلقة بهموم الشعب، فـ: الأنا لم تكن فردية ذاتية بقدر ما هي انعكاس لما يمر به الوطن على نفسية ذات الشاعر فهو يعكس لنا حالة واقعية، فجاءت قصائده برمزيتها عنصرا من عناصر التعبير التي تواجه الفكر مباشرة لذا بات من الضروري ان تكون الاستعمالات الرمزية نابعة من الافكار والمذاهب متصلة بخيال الشاعر واحساسه وثقافته وما يحيط به من موجودات وأحداث يصورها بأسلوب يتماهى فيه المعنى بالحقيقة وجهاً لوجه. إذ إن الوظيفة الأولى للشعر –لاسيما المعاصر-هي التعبير عن الواقع ونقل معاناة الناس وطموحاتهم من خلال صوت الشعر.
(1) قيس النوري: الأساطير وعلم الأجناس ص30، 1981 عمان.
(2) محمد عبد الحي، الأسطورة الإغريقية في الشعر العربي الحديث، ص 87.
(3) أدونيس، سياسة الشعر، دراسات في الشعرية العربية المعاصرة، دار الآداب، بيروت، ط1، 1985، ص80.




