جائحة كورونا بعد عام على ولادة المولود الجديد: إنتشارْ مخيف وسلالات جديدة تبعث على الهلع ومخاوف من إنخفاض فعالية الوسائل التشخيصية واللقاحات! (الجزء الثاني)

جائحة كورونا بعد عام على ولادة المولود الجديد: إنتشارْ مخيف وسلالات جديدة تبعث على الهلع ومخاوف من إنخفاض فعالية الوسائل التشخيصية واللقاحات!
(الجزء الثاني)
من المعلوم حتى اليوم أن السلالات
الجديدة من فيروس كورونا والتي ظهرت مُؤخّراً في المملكة
المتحدة البريطانية وجنوب افريقيا قد إنتشرت في معظم القارات وفي أكثر من 33 دولة حتى ألساعة بعد أن ظهرت الثلاثاء الماضي في الولايات المتحدة الأميركية وفي دولة تشيلي وفي الصين وفيتنام قبل البارحة وبعد ان انضمّت تركيا الى اللائحة في الساعات الأخيرة التي ستتغيّر يومياً بحسب المعطيات المُتسارعة.
وقد تسبّبت هذا السلالة الجديدة التي أُطلق عليها في بريطانيا عدّة اسماء منها : “202012/01-VOC” او
“VUI-202012/01” او “VUI-UK”
او “B.1.1.7” او “COVID-20″، بزيادة مُخيفة في عدد الإصابات بكورونا في بريطانيا وحيث اصحبت السلاسلة المُهيمنة او المُسيطرة بنسبة 62% في لندن وبنسبة 43% في اقليم “كنت” في جنوب شرق البلاد.
وعند الكلام عن جنوب افريقيا تحديداً يؤكّد الخبراء انّ السلالة التي ظهرت هناك مُختلفة عن السلالة البريطانية وقد إضطرّت السلطات المُختصّة فيها إلى إتخاذ تدابير صارمة من أجل الحدّ من إنتشارها في منتصف هذا الأسبوع الحالي بعد أن سجّلت السلطات الصحيّة هناك أعلى رقم قياسي للحالات في 24 ساعة وهو حوالي 12000 حالة في يومٍ واحد وحيث اصبحت هي السلالة المُهيمنة او المُسيطرة هناك بنسبة 80 الى 90%.
وهناك مخاوف عالمية حقيقية من إزدياد إنتشار هذه السلالات مع حركة الملاحة وإنتقال المسافرين التي تشهدها عادة عطلة عيدي الميلاد ورأس السنة الميلادية وما يُصاحبهما من إحتفالات وفعاليّات ومناسبات إجتماعية يلتقي خلالها الاهل
والأصدقاء ومختلف المواطنين في كل دولة ضمن تقليدٍ سنوي نعرف جميعا أهمّيته بالنسبة لمختلف سكان المعمورة.
هذه المقالة سوف تحاول إلقاء الضوء بشكلٍ تفصيلي على خصائص هذه السلالات الجديدة والمشاكل التي يواجهها الأطباء معها وكيفية حصولها واهمّيتها في محاولة لفهم المخاطر التي قد تترتّب على ظهور هذه “الطفرات الجينيّة او الوراثية” التي أربكت الكثير من الحكومات في معظم دول العالم، في ظل إستمرار تزايد عدد الحالات الجديدة من كورونا في معظم الدول، وخاصة في القارتين الأمريكية
والاوروبيه كما شرحنا في الجزء الأول من هذه المقالات.
1 – زيادة العدوى و الانتشار السريع: بحسب معظم الدراسات التي أُجريت في المملكة المتحدة البريطانية فإن هذه السلالة الجديدة تتميّز عن السلالة العاديه المعروفة بأنها سريعة الإنتشار وتزيد من نسبة إنتقال العدوى بمعدل 50 إلى 74% . وهذا ما سيكون له دون أدنى شك تأثير كبير على زيادة الحالات اللتي ستستوجب الدخول إلى المستشفيات و بالتالي لعدد الوفيات الناتجة عن ذلك. لكن الخبراء في المقابل يُؤكدّون أن السلالة الجديدة لا تتسبّب بأشكال أكثر خطورة من الإلتهابات الفيروسية مقارنة مع الفيروس الآخر المُنتشر ولا تُطيل من فترة المرض او فترة الإستشفاء كما رشح من التقارير الأوّلية.
وفي التقرير الذي رفعه “المجلس العلمي الاستشاري للحكومة البريطانية” حول هذا الملفّ والذي تسلّمته السلطات هنآك في 22 كانون أول 2020 والذي لم يُفصح عن مضمونه لوسائل الاعلام سوى في 2020/12/22، يُؤكّد الخبراء أن هناك زيادة مُؤكّدة في نسبة إنتقال العدوى مع هذه السلالات الجديدة.
وهناك أيضا زيادة متوسطة في مستوى “العبء أو الحمل الفيروسي” (Viral load)، أي كمية الفيروسات التي من المُمكن أن تنتقل من شخص لاخر، والتي قد تكون سبباً لنقل العدوى.
لكن الخبراء يُؤكّدون أنهم لم يلحضوا حتى اليوم الى وجود أية زيادة في “خطورة هذا الفيروس لناحية مستوى فداحة وخطورة الأعراض والأضرار ومدّة المرض والإستشفاء ( فترة البقاء في المستشفى نتيجة الإصابة). كذلك الأمر بالنسبة ل “ردّة الفعل المناعية” التي تتسبّب بها هذه السلالة الجديدة من الفيروس. بحيث لم يظهر فعلياً أي مؤشر لمقاومة أو لتمرّد أكبر لهذا الفيروس على جهاز مناعة المصابين به.
وقد أنهى المجلس الاستشاري المذكور تقريره بالقول أن هذه المعطيات الوبائية تُؤّكّد على أهمية أخذ أقصى درجة من الاحتياطات الإحترازية وإعادة تقييم سريع لمسار الأمور في أقرب فرصة مُمكنة على ضوء إستمرار إجراء الفحوصات المخبرية والدراسات السريرية والمؤشرات الوبائية والدراسات التسلسلية الجينية (genetic sequencing) وهذا هو الأهم في هذا المجال على مختلف أنواع الفيروسات الموجودة على الاراضي البريطانية لكشف كل الطفرات الجينية المُسقبلية التي قد تحدث. وعلى ضوء تطوّر إنتشار هذا الفيروس والمراقبة الدقيقه للحالات الجديدة الناتجة عنه من المُمكن إعادة تصويب الأمور ووضعها في نصابها الواقعي والعلمي الدقيق. وهذا ما فتح باباً واسعاً لإعادة تقييم الامور سلباً أو إيجاباً حول كل هذه المعطيات الأوّلية في الأيام أو الأسابيع القليلة المُقبلة.
2: – مشكلة الصعوبات التشخيصية: المشكلة الثانية التي نُواجهها مع هذه السلالات الجديدة هي الصعوبات المُتعّلقة بكشفها والتعرّف الدقيق عليها. فهي لا يُمكن التعرّف عليها سوى بواسطة بعض تقنيّات التسلسل الجيني للتعرّف على الطفرات الجينية التي حصلت عليها. فالفحوصات المُتوفّرة حالياً عبر فحص ال PCR الكلاسيكي المُستعمل حالياً تسمح بتشخيص وجود فيروس كورونا بشكلٍ عام. لكن التعرّف إلى السلالة الجديدة يحتاج إلى
” فحوصات أو إختبارات المستضد” (Antigenic tests) التي تكشف وجود بروتين مُعين وهو البروتين N نسبةً الى مُكوّن فيروسي يحيط بالحمض النووي الفيروسي (Nucleocapsid) وهو غطاء بروتيني يغلّف الحمض النووي للفيروس. ولذلك فإنّ كل الفحوصات او إختبارات المُستضد التي لا تكشف هذا البروتين تحديداً لا تكشف هذه السلالة الجديدة بحيث يجب التعرّف بشكلٍ خاص على هذا البروتين الذي حصل فيه طفرة جينية معيّنة لكي نكشف السلالة الجديدة.
وهنا نشير إلى أنه رغم هذه الصعوبات يُطمئن معظم الخبراء ان اكثر الفحوصات إستعمالاً حالياً اي ال RT-PCR او الفحوصات التي تعتمد على تقنيّات تُسمّى تقنيّات الELISA تحتوي على فصح المستضد المذكور وقادرة على التعرّف على البروتين N الذي ذكرناه وبالتالي التعرّف على هذه السلالة الجديدة.
3- “فيروس مُتغيّر أو مُتحوّر” أو “سلالة جديدة”:
في البداية وقبل إطلاق أي تسمية على هذا الفيروس الجديد يجب أن نعرف أن فصيلة الفيروس التاجي الحالي
SARS-COV-2
وهو المُكون من حبل من الحمض النووي الريبي تحصل عليه طفرات جينية مُتعدد منذ بداية ظهوره في مدينة “ووهان الصينية” المعروفة.
و أن هذا النوع من الطفرات الجينيّة الخفيفة معروف من قِبل الخبراء وتتميز به هذه الفصيلة من الفيروسات. والمعروف أيضا أنّ هناك أخطاء أو طفرات بسيطه قد تحصل عند كل عملية تكاثر للفيروس حيث أنه من المُمكن ان تحصل بعض الأخطاء في نقل بعض الأحماض الأمينيّة التي تحلّ مكانها احماض اخرى عند عمليات الإستنساخ أو تكرار هذا الحبل المُكوّن للجينوم أي للوحدات الجينيّة المسؤولة عن تكاثر الفيروس وجميع مُكوّناته ووظائفه المختلفة. هذه الأخطاء الطباعية في تكرار أو استنساخ الحمض النووي غالباً ما تكون غير ذات أهمية ولا تترك أي اثر على نوع الفيروس
ولا تزيد من خطورته. لكنها أحياناّ في المُقابل قد تغُيّر الفيروس لناحية تغيير عدد من الحوامض الأمنية التي تدخل في تركيبة عدد من البروتينات المُهمة مما يُبدّل كثيراً الفيروس بشكلٍ جوهري ويغير وظيفة هذه البروتينات وبالتالي طريقة تعاطي الفيروس مع خلايا جسم الإنسان. وهنا نتكلّم عن فيروس مُتغيّر أو مُتحوّر او عن “سلالة جديدة” في حال كانت الطفرات اساسية بالنسبة لوظائف الفيروس.
ومن أهم هذه الطفرات الجينية التي طالت هذا الفيروس التاجي وهي الطفرة التي سرعان ما ظهرت في شهر كانون الثاني 2020، الطفرة التي أنتجت السلالة المعروفة بإسم
D614G والتي انتشرت سريعاً بعد أن بدأ الفيروس بالإنتشار منطلقاً من مدينة ووهان الصينية .
والتي أصبحت بسرعة في شهر شباط الماضي “السلالة المُهيمنة” أو “المُسيطرة” في كل أنحاء أوروبا ومنها إنتشرت أيضا في كل أنحاء العالم. وكما قلنا فإن هذا النوع من الطفرات الجينيّة يميز هذا النوع من الفيروسات. وقد أحصى الخبراء حتى اليوم أكثر من 12 ألف طفرة جينية مختلفة منذ ظهور الجائحة. وقد أكّد المستشار العلمي للحكومة البريطانية Patrick Vallence
ان السلالة الجديدة التي ظهرت في بريطانيا في نهاية السنة الماضية تحمل 23 او 24 تغيير جيني أو طفرة وراثية أو جينية، في حين كانت التقارير الاوّلية تشير إلى حصول 17 طفرة وراثية عشوائيه مهمة فقط. ومن أهمه هذه الطفرات الطفرة التي سميت ب N501Y والتي غيّرت البروتينات الموجودة في النتوءات الموجودة في غلاف الفيروس بروتين S نسبة لكلمة Spike. وهذا العدد من الطفرات بحدّ ذاته يُعتبر مُهمّ لأنه ادىّ إلى تغيير وظيفة بعض البيروتينات الموجودة على غلاف الفيروس ومنها البروتين التي سبق وذكرنا أن له دورٌ هام جداً في عملية إلتصاق الفيروس بالخلايا وفي عملية دخوله إليها عبر اللاقطات الموجودة على خلايا جسم الإنسان.
وبذلك تكون نتيجة كل هذه الطفرات الجينيّة الوصول إلى سلالة جديدة من فيروس كورونا.
وهذا ما أقلق الخبراء الذين وجدوا أن الفيروس حصلت عليه طفرات وراثية مُتعدّده أدّت إلى تغيير مُهم في عملية إلتصاقه ودخوله إلى جسم الإنسان
وهذا ما تسبّب في الزيادة الكبيرة في نسبة انتشاره ونقله للعدوى كما قلنا سابقاً.
أما السلالة التي ظهرت في جنوب إفريقيا فلا معطيات علمية دقيقه حولها.لكن بعض المؤشّرات الأوّلية تُشير إلى أنها قد تكون حصلت فيها طفرات جينية بشكلٍ أكبر واوسع وان هناك زيادة كبيرة في نسبة إنتشارها وفي نسبة إنتقال الادوى بها اقد تصل الى نسبة 80 او 90 % وهذا ما يشرح هذا التسارع الرهيب لعدد الحالات في جنوب افريقيا بشكلٍ مُقلق في الأسبوع الأخير . بحيث أن بعض التقارير تُؤكّد ايضاً ان هذه السلالة الخطيرة تنتقل بسرعة اكثر بين الأطفال والشباب. وقد تسبّبت بحسب بعض التقارير ببعض الحالات الحرجة من إلتهابات كورونا عند بعض الشباب الذين لم يكونوا يعانون من أية أمراض سابقة.
اخيراً ظهرت بحسب بعض الخبراء في الأيام الأخيرة سلالةً جديدة في نيجيريا. وقد تمّ إكتشافها عند مريضين هناك. وتقول التقارير الأوّلة الواردة من هناك ان هذه السلالة قد تكون ظهرت هناك بين ٣ آب و ٩ تشرين اوّل . ويعكف الخبراء في العلوم الجينية على دراسة هذه السلالة الجديدة لتحديد خصائصها لكنها من المؤكد مختلفة عن تلك التي تمّ إكتشافها في بريطانيا او في جنوب افريقيا
وتؤكّد الكثير من المعطيات ان هذه السلالة الجديدة المجهولة الخصائص والخطورة حتى اليوم قد تكون هي سبب الزيادة الهائلة لأعداد الحالات التي تمّ تشخيصها مُؤخّراً في نيجيريا حيث سُجّلت ايضاً ارقام قياسية لعدد الحالات الجديدة.
سوف نُكمل حديثنا عن تأثير هذه السلالات الجديدة على طريقة عمل اللقاحات وما هي توقّعات الخبراء في هذا المجال في الجزء الثالث والأخير من هذه المقالات بعد ان تكون ظهرت معطيات اخرى جديدة في هذا المجال.
د طلال حمود- طبيب قلب وشرايين- باحث مهتم بعلاقة جائحة كورونا وامراض القلب والشرايين- مُنسّق ملتقى حوار وعطاء بلا حدود




