زفاف على دروب النزوح(إهداء إلى جميع العرسان في مخيمات الوطن)_قصة قصيرة

زفاف على دروب النزوح
(إهداء إلى جميع العرسان في مخيمات الوطن)
كردستان يوسف*
كان برد كانون الثاني يقضم العظام في مخيم الشهبا، لكن دلشاد لم يكن يشعر إلا بحرارة يد آفين بين كفيه.
نظر في عينيها العسليتين اللتين شهدتا أكثر مما تحتمل عيون فتاة في العشرين، وهمس: “آفين، هذه المرة سنعلن موعد زفافنا..سأرتب لك حفلة أكثر من رائعة، حفلة يحضرها الجميع.. سنرقص حتى الفجر.”

ابتسمت آفين، بشعرها الأسود الذي يتحدى كل عتمة ليالي الكرد الحزينة، ابتسامة حزينة وأردفت:
“هذه المرة الثالثة التي تعدني فيها بموعد زفافنا يا دلشاد. في شهبا، ثم في الطبقة، والآن…”
صمتت. لم ترد أن تذكره بظروف النزوح الأخير وطبيعة المكان الذي يضمهم، فلم يكن دلشاد يمتلك ظل بيت، كما معظم أهل قريته الذين نزحوا.
رأى دلشاد في عينيها ظلال كلام لم تبوح به، فقال لها ممازحاً:
“الثالثة ثابتة.”
ابتسمت آفين ابتسامة قصيرة، وخيم الصمت عليهما في الوقت الذي ارتفع فيه صخب الأطفال الذين كانوا يلعبون في باحة المدرسة.
انتهى بهم الأمر إلى إقامة مؤقتة في مركز إيواء بمدرسة باردة الجدران في وسط مدينة قامشلو.. كانت جدران الصف تحمل رسوماً لأطفال عادوا إلى بيوتهم بعد انتهاء الفصل الدراسي الأول.
قصتهما بدأت في بستان زيتون في إحدى قرى عفرين، حيث كان دلشاد يساعد أسرته في القطاف، وكانت آفين تجمع الزيتون مع عائلتها أيضاً.. التقيا خلف شجرة زيتون عجوز، تبادلا نظرات، ثم كلمات، ثم وعوداً.
في عفرين، كان الحب يعني المشي عبر الممرات الجبلية للقاء لا يزيد عن دقائق معدودة.. كانا يتبادلان رسائل مكتوبة على أوراق دفتر مدرسي، ويرسمان أحلاماً ببيت صغير تحت ظلال أشجار الزيتون.
نشبت الحرب، وانهالت القذائف وحمم الطائرات، وتوغلت الفصائل الإرهابية في قريتهم وحولت جبالهم إلى جحيم.
التحق دلشاد بوحدات حماية الشعب الكردية وقاوم الغزاة مع رفاقه وأبناء شعبه، لكن لم يكن هناك توازن في القوى، فالطائرات التركية لم تكن تترك فرصة للمقاومين للتقدم، فانسحب المقاتلون بشرف بعد مقاومة بطولية، ونزح مع عائلته إلى مخيم الشهبا، حاملين ذكرياتهم في حقائب مهترئة وأكياس بيضاء.
وفي المخيم، تقدم دلشاد لخطبة آفين، وافق الأهل، وحددوا موعد الزفاف بعد شهر.
لكن الحرب طاردتهم في مخيم الشهبا، وقبل أسبوع من الزفاف، اضطر سكان المخيم للنزوح مرة أخرى، رحلوا في قافلة طويلة في رحلة مرهقة، تاهت الدموع بين قطرات المطر.. كان المطر ينهمر بهدوء وريح باردة تلفح الوجوه والأجساد المتعبة.
رتبت آفين ثياب زفافها البيضاء في كيس من النايلون، ولم يتوفر لدلشاد الوقت لشراء طقم رسمي يليق بيوم الزفاف.
في مخيمات الطبقة، عاشوا تحت خيام هزيلة، يقاومون صقيع كانون الذي تسلل عبر ثقوب القماش.. حددوا موعداً جديداً.. لكن المعارك في شيخ مقصود ودير حافر اقتربت، وها هم ينزحون مرة أخرى، هذه المرة إلى قامشلو.
في مركز الإيواء، قرروا أن لا ينتظروا أكثر.. كفى هروباً،
قال دلشاد لأبيه: “قامشلو محطتنا الأخيرة. لقد قررت، سنتزوج غداً.”
نظر إليه والده نظرة استغراب، وهو ينفث النفس الأخير من سيجارته، وقال له:
“زواج الآن؟ وفي هذا الظرف ونحن في هذا المكان الحقير؟ لا نمتلك المال الكافي لإيجار بيت ومصاريف العرس.”
رد عليه دلشاد: “لم أعد اهتم بهذه الأمور. لقد اتفقت مع آفين أن نتزوج هنا ودون أي حفل أو لوازم.”
في ممر المدرسة، نظموا حفلاً بسيطاً.. حضر والداهما وأخواتهما الصغار، وبعض النازحين الذين وجدوا في هذه المناسبة بصيصاً من الفرح، ومتطوعون من منظمة إنسانية قدموا العصير وبعض الحلوى.
كانت آفين ترتدي فستان زفافها، ووضعت على رأسها إكليلاً أحمر اللون، ودلشاد ارتدى قميصاً نظيفاً، لكنه كان واسعاً عليه بعد ما خسر الكثير من وزنه خلال الأيام الأخيرة.
وقف الشيخ عبد الرحيم، وهو نازح مثلهم، وقرأ الآيات، وأنجز طقوس عقد القران، ثم نظر إلى العروسين وقال: “هذه أول مرة أعقد قراناً في مثل هذه الظروف، ففي زمن السلام يكون هناك لحم وأرز وسكاكر وزغاريد، تكون الفرحة صاخبة، لكن الآن فرحنا حزين عميق كالجرح، فرح وبلدنا بعيد عنا، وأهلنا تشردوا كل في مكان.”
واختتم الشيخ كلامه قائلاً: “عسى أن يجعل الله هذا اليوم بداية سلام.”
تبادل دلشاد وآفين الخواتم، لم يتكلما، كانت الكلمات قد استنفدت في مسيرات النزوح، فقط دموع تساقطت بهدوء، دموع لم تكن كلها حزناً، بل كانت أيضاً غضباً على الحرب، وتحدياً لها، وأملاً غريباً لا يعرف مصدره.
مسك دلشاد يد عروسته، وشعر بدفء جسدها الرقيق الذي تحمل أكثر مما ينبغي، همس في أذنها: “سنبني بيتنا، ولو تحت خيمة.” وقادها إلى وسط الممر وبدأ يرقص معها.
كان الحضور يعيشون مشاعر مختلطة من الحزن والفرح، شاركوهم الرقص والتصفيق، وأطلقت النسوة الزغاريد، وكانت كاميرات الهواتف تتابع حركاتهما، لتملأ بعد قليل صفحات فيسبوك، ويتحول الحدث إلى خبر إعلامي تتناقله وكالات الأنباء حول العالم.
نظرت آفين عبر النافذة المكسورة إلى الخارج، كانت قامشلو تعيش حياتها بقلق،فالمنطقة تغلي مثل مرجل على نار الحرب.. تقارير عن تحركات هنا وهناك، دوي بعيد أحياناً.. حرب تنتظر في الأفق، لكن في عينيها كانت راية ملونة بألوان قوس قزح ترفرف فوق بيت من حجر، وأطفالاً يلعبون في حقل قمح، ومدرسة يتعلم أولادها باللغة الكردية.
“نعم”، أجابت بصوت لم يسمعه إلا هو “سنبني بيتاً.”
في تلك الليلة، ناموا على إسفنجة وتدثروا ببطانية واحدة، في إحدى صفوف المدرسة التي تحولت إلى غرفة نوم بين ليلة وضحاها.
كان العالم خارج الغرفة يحترق، لكن داخلها كان دفء جديد يولد.
بعد سنة، وفي بيت مجاور للمدرسة، ولدت طفلتهما الأولى، وسماها “هيفي”. كانت هيفي تبكي بقوة صافية، وكأنها تعلن عن وجودها في عالم لم يرحب بقدومها.
نظر دلشاد إلى ابنته، ثم إلى زوجته المتعبة المبتسمة، وفكر في المستقبل.. رأى في خياله طفلة تكبر، تبني حجارة بيتهم الجديد الذي سيكون له نوافذ تطل على بستان زيتون.. رأى طفلة تزرع الأرض التي ستعود إليهم يوماً.. رأى علماً ملوناً، علم بألوان قوس قزح، يحمل ألوان الزيتون والقمح وغيمة بيضاء، وحمرة تنساب كالفجر.
كان الطريق طويلاً.. الحرب لم تنتهي .. النزوح قد يتكرر، لكن شيئاً ما تغير، لقد بنوا عائلة في قلب العاصفة، زرعوا بذرة، وفي الأفق حيث يلتقي الظلام بالنور، بدا وكأن ضوءاً جديداً بدأ بالانبثاق.
أمسك دلشاد بيد آفين، وهمس: “سترى هيفي السلام.”
ردت آفين بإيماءة، وعيناها على ابنتها النائمة، كانت تعلم أن الحرب طويلة، لكنها تعلم أيضاً أن الحياة أطول، لقد بدآ رحلتهما معاً، وسيستمران، خطوة خطوة، نحو ذلك الأفق الذي ينتظرهما.
*شاعرة و قاصة
%%%%%%%%%%%
**ملاحظة: القصة ليست توثيقاً حقيقياً لزفاف محدد، وإن تشابهت الظروف.. والصور تعبيرية، وهي التي كانت سبباً في متابعة الحدث والاستفسار عن ظروف حالة الزواج، ووجب التنويه.



