أدب وفن

شرفة زمن…قصة قصيرة

محمد حسين

شرفة زمن …قصة قصيرة..


متعب جداً من غسيل الذكريات ، أحبال الزمن تئن من تساقط حبات الفرح الهارب من شدة الغسيل،
غسالة الزمن القديم صاحبة الفم الباسم تقضم الغسيل تحيله إلى كومة من البكاء.
غسالة الزمن الحديث جالسة في زاوية أطبق الوقت ذراعيه عليها لا تستطيع الإقلاع لأن نصف أصابعها بترت عندما دخلت في طاحونة الحسابات.
ماذا سأفعل يا هدى في ثنائية الزمنين؟
زمن يقضم أضلاع المشتهى وزمن توقف في محطة فقدت وقودها في زحمة البحث عن الماء..
هدى: أرى ثياباً معلقة في الهواء كقطع الدم المثلج في عروق الأرصفة وثياباً فقدت لونها من عرق الضياع وأخرى لم تعرف طريق الغسيل.
عندما دخلت ذات مساء إلى مصبغة لأغسل قميصي المثخن من عرق الأحلام والآلام،
رحب بي صاحب المصبغة كثيراً، أصبت بالدهشة من كثرة الترحيب اعتقدت أنه يغازلني، سألته لمَ كل هذا الترحيب أنا لست زبونة دائمة عندك ولا تعرفني؟
رد صاحب المصبغة : لأن لا أحد يحضر عندي للغسيل
قلت له: لماذا؟
قال: يبدو ان الزمن أصبح يغسل كل الثياب بطريقة….
لم افهم شيئاً مما قاله،
حملت جسدي المنهك على قدمي وعدت مسرعة إلى المنزل، في الطريق تزاحمت الأفكار في رأسي كشارع مزين بكل أنواع الفاكهة لكن أفواه المارة كانت مغلقة بإحكام،
ماذا يقصد هذا العجوز بكلامه؟ لم أستطع فك هذا اللغز رغم كل قراءتي بالكتب القديمة والحديثة .
هل تستطيع حل هذا اللغز أنت؟
أجل يا هدى:
عندما يكون الزمن بقساوة الصخور البلهاء ينقلب كل شيء رأساً على عقب، فتصبحين أنت هناك وهنا في نفس الوقت لكن في زمنين ومكانين مختلفين، تتعرى ذواتنا أمام مطرقة الحقيقة وتمتلئ ثيابنا بغبار الزمن الذي بتنا عاجزين عن غسيله، لذلك شربنا نخب التكيف المرَّ بصحته… هذا ما قصده العجوز صاحب المصبغة.
هدى: لا لا لنجرب إطلاق زخات من الحب المتمرد الكامن فينا على رأس الزمن المدلهم….

*كاتب فلسطيني /سوريا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى