قراءة الأديب سليمان جمعة ل نص”نهايات مطروقة”للأديب حسن أجبوه

نهايات مطروقة
للموت رائحة شبقة و نتنة، تعجل بتكويري كندف ثلجية تتضخم أحجامها نزولا لقعر الغربة، أفتش مسارعة دقات عقارب الساعة، عمّا أدثر به عري جسدي المشتعل.. مخافة الفضيحة.. الطرقات المتتالية على الباب، تحاصر شرودي و تتغلغل داخل دماغي، الذي يكاد ينفجر باحثة عن منفذ بين الأصوات لأدفن عاري البريء…
- إنه الزلزال ! عجلي بالهروب قبل أن تتهدم الحيطان..
- ياجماعة، دعونا نكسر الباب .
أصوات النسوة المنافقات تخدر أحاسيسي، فيتصاعد تدفق الأدرينالين بعروقي، ليغدي بدني الكسيح و يحوله غيلة تزدرد كل الأجسام المتواطئة أمامها… - يالهذا القدر العنيد! لمَ لمْ يمهلني هنيهات لأكمل صولاتي، وأجفف مستنقع الآثام المحيط بذاكرتي!!
هؤلاء النسوة المتواريات خلف الباب بجلابيبهن السوداء أراهن وقد كتمن تشفيهن بهلاكي، فأنا بالنسبة لهن مجرد دمية ممسوخة دخيلة على البلدة، فتنت أعين شبابهن وأسالت لعاب شيوخهن، لتُقطع خيوط المودة وتنكشف أقنعة الرتابة..
أحاول بكل ما أوتيت من طاقة أن أزيح هذا الجلمود عن ساقي منازعة الألم و الفضيحة.. تتمازج قطرات العرق مع تدفقات السائل الأحمر و اهتزازات ماتبقى من الحيطان.. تتلاشى الأصوات المقززة ومعها تتوالى همهمات حشرجة تئنّ بجانبي.. هل أكتمها ؟ لا بد من وأدها لتكمل تعداد الجثث التي دفنتها خلسة تحت سطح القبو.. هذا الفقيه الزاني الذي طالما ادعى العفة والكفاف، باتت روحه الٱثمة بين يدي.. لابد من التخلص منه و إخراس هاته الحشرجة و لنقل أن الزلزال فعل فعلته وذهب معه لخالقه ! باليد اليمنى حملت رفات بعض الحجر المتساقط من السقف و طفقت أدق على هذا الوجه الزائف الذي يذكرني بالرجال.. كل الرجال الذين رغبوا في انتهاك لحمي كان مصيرهم مثله..
لكن ماذا أنا فاعلة بعد انتهاء الأمر؟ سيفتضح أمري وتدرك تلك النسوة مصير أزواجهن وأبنائهن الذين تصطف هياكلهم بالقبو ! (وقد ظننن) أنهم هاجروا للمدينة !
لابد من الهرب قبل فوات الأوان وأن… أحاول لملمة جسدي العاري و إبعاد الصخرة الجاثمة فوق ركبتي… فلا أستطيع لذلك سبيلا.. تتوالى الهزات ومعها تتقاذف النبضات وتتسارع والمصير المحتوم يدنو…
أدير وجهي ناحيته، فتشمئز نفسي من منظره الملطخ.. أتحسس الركام بجانبي ،الغبار والأتربة وقطع الزجاج … بخفة ورشاقة أزرع القطعة بجيدي فتتطاير شرارات الدماء لتغطي الضوضاء المستشرية بالمكان و يحل معها سكون لم أنعم به مُذ وطأت رجلاي هذه البلدة.
تمت
✍️ حسن أجبوه
لكل نص شخصية متخيلة
لحظات من حياة تمر هنيهة في بال قلم مبدع ..تلك الحياة اضيفت الى الوجود بلغة الوجود ..الخيال والتأمل..
عند قراءته يعود من غياب ..
اذا ما يلاقي زاوية قبول من القارىء..
واقول: قراءة
لان القراءة توليد للمعنى وتبليغه للمدى الذي انشىء له ..
ومن يقرأ هي شخصية ثقافية ايضا تألف ان تعيش الحياة المقترحة للفكرة التي تجسدت كائنا او مجتمعا حيا..
العنوان للنص وليس النص للعنوان ..والا كل المعاني القاموسية هبطت النص تلوي عنقه وتشتته ..هناك معنى يتحرك من تلك المعاني فلنرصده..
عند قراءة النص نرى الى تشظ لمجتمع وجدانيا وفكريا واخلاقيا تعبث وتعيث فيه فسادا بصورة متخفية وسرية وخلف اقنعة
لذا اقترحت رؤية الكاتب هذه الحياة المتخيلة كاستشراف لفضح وتمزيق هذه الاقنعة وكشف زيف حركاتها.. بذلك الكشف تتحقق رؤية النص وتعيد السلام للمجتمع او للسارد ..للبدء من جديد او للقبول بتلك الحياة المتخيلة ..وتبني حركتها وسبيلها المفضي الى الثقة بذاتها وقيمها وتثبت انتمائها حيث يتوحد الظاهر والباطن…
لذا توخى النص نصوصا تسكن خزانة الكاتب الضمني او السارد ..
فاستحضر سورة من الطبيعة كرة الثلج التي تتكور فتكبر اذا ما انحدرت الى القاع ..
وهنا قاع الغربة ..الغربة عن الذات الموحدة غير المتشظية ..
واستعان بحكاية “ريا وسكينة” الشعبية
لاصطياد اصحاب الشبق المتجاوزين الذين ارادوا انتهاك حرمتها ..
واستعان من بعيد بطيف الغازية ليسهل اتهام الساردة حسب العادات والتقاليد والفقه ..
واستعان بآية الزلزلة من القرآن الكريم ..ليكون العقاب الاهيا لقرية حق عليها القول ..فمن انذرها ؟
تلك النصوص اسهمت او كانت الاطار لبنى معرفية ستشكل بنية النص وحركته ..
الطروق وهو فعل يأتي في ليل وعلى غفلة اي متخفيا ..
والموت وهو اختفاء او نهاية حياة وغياب الحركة والجثمان..اي غياب..
والقبو وهو مكان صراع غير ظاهر فيه نخفي ما نريد الاحتفاظ به من اشياء لا نحتاج اليها مؤقتا اي نغيبها .
الجلابيب السوداء التي تغيب اجسادا سترت رغبتها ..البوابة التي تحجز..الحصار .. والنميمة التي تخفي الضغينة والكراهية واللاقبول..
فنرى الى هذه البنى انها تخفي امورا اي تشكل فضاء لحياة غير مرئية مغيبة ..تقف قبالة حياة ظاهرة مزيفة …
تبدأ الحركة من قلب الزلزال الذي طرق لينهي هذا الزيف ..فأظهر المغيب ..اظهر الهياكل المنتة لرواد الشهوة الذين قتلتهم ..لذا قالت ..رائحة الموت والشبق.. .فاندمجا ..وهي تكورت بنداف الثلج الابيض كثوب براءة مما يرجف نساء القرية .. وآخر الزوار الفقيه الزاني .. ..ضربه الزلزال ولكنها اجهزت عليه لكي لا يفتضح امرها فيكتشف النسوة ان ازواجهن لم يذهبوا الى الغربة انما جاؤوا اليها والغربة هنا تشبه غربتها اي اختلافها عنهم وغربتهم اي توبتهم …فالزلزال نبش الاسرار كان عقابا استشرفته الذات المغتربة لانه من ثقافتها واعتقادها ..ولان الفقيه لم يعاقب ويكتشف الزناة فحل به وبهم العقاب ..وهي في خضم الزلزال عاشت وهما ما يشبه الرجم الذي يأمر به الفقيه.. .فاجهزت على نفسها ..لكي لا يفتضح امرها ويذهب سرها معها بريئة امام ذاتها التي حققتها بالانتقام ممن ارادوا بل اسقطوا القيم وانتهكوها ..فكان بالها زلزالا..قضى على الجميع ..
كما الطوفان يطهر القرية من فساد استشرى ..
القارى كالنص ينتميان الى القيم نفسها والى النص الاعلى نفسه اللذين يشكلان الرؤية المرجعية التي تتحاور تحت سقفهما رؤية النص ورؤية القارىء ..لتصبح الحياة المقترحة قابلة للوجود والتحقق..
وهكذا نرى ان البنى المعرفية
كانت بصفتها او بهويتها الساترة قد رسمت رؤية النص . وعند استنطاقها ضمن الاطار العام اي الحكاية والزلزال افصحت وابلغت ..
باسلوب فيه من الشعرية نصيب ومن بعض الغموض المقبول شفافية اوصل الاديب حسن اجبوه رسالته
..فالسقوط الاخلاقي لا يمكث كثيرا في الخفاء ..فالذات الجمعية المتمثلة بالفتاة الساردة شعرت بغربتها عندما انزلقت بها الى القاع اي هددها الزوال او انتصار الفساد. فثارت ..ودمرت هذا العبث..للبدء من جديد بحياة غير متشظية وفيها سلام وطمأنينة ..
سليمان جمعة




