مارون الماحولي في “خلخال المَيّ”*يحوك الشعر بأهداب إلهامه ويعقده بحسّه المرهف**

مارون الماحولي في “خلخال المَيّ”*
يحوك الشعر بأهداب إلهامه ويعقده بحسّه المرهف**
مارلين سعاده*
17/03/2025
في الثامن من آذار 2025، وضمن إطار المهرجان اللبناني للكتاب، الذي تنظِّمه سنويًّا الحركة الثقافية أنطلياس، أطلق الشاعر مارون الماحولي ديوانه “خلخال المي – شعر باللبناني”* من خلال ندوة أقامها في مسرح الأخوين رحباني – أنطلياس، وقدمتها الإعلامية ندين صموئيل شلهوب، تخلّلها كلمة لوزير الثقافة القاضي محمد وسام المرتضى، وكلمة للشاعر هنري زغيب، قبل كلمة صاحب الديوان الذي أجرى توقيعه في المعرض ضمن جناح “جمعية تجاوز الثقافية”.
من بداية الرحلة، ومع الإهداء المؤثّر لوالده الذي حضر أكثر من مرّة في الديوان، نلامس روح الشعر المهيمنة بشفافيتها البلّورية: “اتديّنت بيّي… وما قدرت أوفيه” (ص 5)، بحيث لا تحجب الرؤية عن الحضور البحثي الرصين للشاعر الماحولي الذي يستعيد في التمهيد شيئًا من إصدارٍ سابِق له بعنوان “هو الشِّعر بين الفصحى والمحكيّة”، حيث قام بتحليل المعاني المستهدفة لكل نوع من القصائد، مشيرًا إلى أنّ مضمون كتابه ينضوي إلى فئة الـ “شعر باللبناني”، مبيّنًا الأسباب من خلال شرحه لما يمكن أن تشير إليه العناوين الأخرى، متوقّفًا في شرحه عند تاريخ الشعر المحكي ونشأته التي كان الشاعر رشيد نخلة في طليعة شعرائها، لتبلغ النضوج مع الشاعر ميشال طراد في ديوانه “جلنار” 1951 الذي شكّل نواة الشعر المحكي، مشيرًا إلى أنّ شعره امتاز بـ”الصناعة والنحت والتكثيف” مع فطريّة وعفويّة، وفق تعبيره.

كلّ ما سبق وما سيلحق من وقفات مع قصائد الماحولي، يشهد على شاعريّته وشغفه، بل عشقه للكلمة الشعريّة. فهو يضيف إلى خصائص الشعر المحكي “…التلميح والإيحاء والرمز والدهشة وتوسُّل الصورة الشعرية…” وهو بارع فيها جميعًا؛ فيدهشنا ويبهرنا إيمانه بالشعر وبما قد يعدنا به من جديد لا تحدّه حدود، أليس “هو الشعر”؟َ! ويكفيه ذلك للإشادة بقيمته وشموليته وهيمنته.
حين ترتحل مع قصائد الماحولي تجد نفسك مشاركًا إيّاه في هذه المغامرة، تقطعان دروبها معًا بتروٍّ وتأنٍّ، فهو غير مستعجل، يحوك الشعر بأهداب إلهامه ويعقده بحسّه المرهف، فلا يضيق أفقه بل يمتدّ حتى تتولّد منه صور تدعوك للغوص فيها والاستمتاع بألوانها الفريدة وإشعاعها المبهر، فلا تتوانى عن تكرار النظر إليها والتزوًّد من جمالاتها:
“وينَك تعا… تمّي ما عاد يخاف/ وفستان روحي مبكّل وشفّاف/ ع جفون “صبحو” متقّل الكحله… (ص 16).
إضافة الى عمله البحثي حول الشعر، يَدخل الماحولي في مغامرة توليد نمط شعري يزاوج بين الفصحى والعامية ليلد قصيدة تنتمي إلى كليهما، مكتملة الجمال، مُرضية لكلّ الأذواق: “داخت حواس الموج من خمر المدى/ وتعتّقت والشمس صارت خابية” (ص 19).
كما نقع على نمط آخر جديد من الشعر في قصيدته “ماحوليّات” (ص 37).
أمّا قصيدته “زنا حلال” (ص 25) فتضعنا أمام مشهدية مكتلمة ومبهرة:
“وإمرق زنا بالبال…/ ويتقمّصو كفوفو بإيديّي
تغلّي بخدّي… والجّفن عرزال/ وتتشَرشَفي برموش عينيّي”.

كما لا يخلو شعر الماحولي من الفلسفة، مجاهرًا بـ”فلسفة الحب” (ص 30) التي يلخّصها ببضعة حروف مغروفة من بحره محفورة من صخره!
قسّم الماحولي ديوانه إلى أجزاء غير متساوية ولا متشابهة، سِمتُها التنوّع والغنى، وقد تكون المرأة نالت منها النصيب الأوفر، فقد خصّها بالجزء الأول الذي عبّأه “من خوابي مرا” (ص 13)، كما أعطى الأنثى الأم نصيبًا وافرًا من الشعر في أجزاء أخرى من الديوان، لا سيّما في الجزء الثاني المعنون “من ضلوع القلب” (ص 45) والذي تضمّن العديد من القصائد المفعمة بالوفاء، واللفتة الإنسانية الراقية، أكان للأم “هوامش أم” (ص 45) و”شتلة ومرا” (ص 48) و”مش كلّن” (ص 49)؛ أو لكلّ مريض ويتيم وفقير وعامل….
في الجزء المعنون “أبعد” (ص 59) يقدّم الماحولي تحايا شعريّة لعدد من أصدقائه الشعراء، لا تخلو من الحس المرهف وجمال الصور، ولعلّ الشاعرة حنان فرفور نالت نصيبًا مميّزًا من التقدير في قصيدته “واحة شعر” (ص 64)، فَيا لسعدها بهذه البردة وهذه البَيعة!
وتتجلّى معلّقة الوفاء في قصيدته “حكيم الروح” (ص 65) التي كتبها في الطبيب ميشال بو سلبي، هذه القصيدة التي يهيمن عليها روح السلام والعطاء السامي، وتلتحف بروحانيّة قدسيّة مطرّزة بالحضور اللآسر للعائلة المقدّسة وأجواء الميلاد المفعمة بالخير. قصيدة قد تكون الأطول في الديوان، إذ شغلت خمس صفحات، واستحقّها الدكتور ميشال بو سلبي صاحب اليد البيضاء على أبناء المنطقة، عن جدارة.
بعدها ينقل لنا مجموعة من اللوحات الفنية تحت مسمّى “لوحات بلا رسّام” (ص 81)، ريشتها خيال مارون المبدع. قد يكون شعر الوصف للجماد ومحاكاته من أصعب أنواع الشعر، إلّا أنّ إحساس مارون المرهف وخياله الجامح والمجنّح لا يعجز عن بثّ الحياة في الجماد، حتى أنّه يجعلك تتذوّق نكهة جماله وتستمتع بها استمتاعه هو، ولا يسعك إلّا أن ترفع كأسه مشيدًا بحسّه وذوقه وجمال الصور في لوحاته الملوّنة بالحروف، يلمّعها بريق إبداعه ويحيطها بهالة جذّابة آسرة: “شو الليل!!/ لو ما تْمَلّحو النجمات/ وكيس القمر بيروِّب العتمات/ وتشرب صباح النّور عصفورة.” (ص 89)
وفي شهر الأم ننهي بوقفة سريعة عند قصيدته “سطور البجع” (ص 100) التي أودعها ما في قلبه من امتنان وحب وتقدير لوالدته: “كل شي مرق ع الأبجدية ناس/ في حرف متلك حرّ منحسّو: “همزة سطر”… ما بتنقرا بتنباس/ متل السِّكر ما منقشعو بالكاس/ بشفاف نشوة بال مندسّو”.
ومن قصيدته في الحبيس يوحنا الخوند “حيطان السما”، نقرأ: “ولمّا بتوبَك خَتْيَرو الخيطان/ وتَشّ البَرِد جسمك القِربان/ دْرَزت العَتِم بالضّو وِلبِستو.” (ص 117)
وأنت تُنعم النظر في ديوان “خلخال المي” لا يسعك أن توقف شهقة روحك إذ تلامس روعة صور الماحولي وصدق إحساسه.
*شاعرة و ناقدة لبنانية
نقلا عن مجلة كناية الثقافية
- مارون الماحولي، خلخال المَيّ – شعر باللبناني، دار موزاييك للدراسات والنشر، بيروت لبنان، ط. أولى 2025.
**https://metonymykinaya.com/2025/03/18/%d9%85%d8%a7%d8%b1%d9%88%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%a7%d8%ad%d9%88%d9%84%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%ae%d9%84%d8%ae%d8%a7%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%8e%d9%8a%d9%91/