أدب وفن

ميراي شحاده: مَحارات الجمال في عنوان ديوان “نايا، ألوانُ الدَّهشة” لمؤلّفه الشاعر زين الدين ديب

ميراي شحاده: مَحارات الجمال في عنوان ديوان “نايا، ألوانُ الدَّهشة” لمؤلّفه الشاعر الأستاذ زين الدين ديب

كلمة الأديبة المهندسة ميراي شحاده الحداد (رئيسة ومؤسِسَة منتدى شاعر الكورة الخضراء عبدالله شحاده الثقافي) في الندوة حول ديوان “نايا، ألوانُ الدَّهشة” لمؤلّفه الشاعر الأستاذ زين الدين ديب، بدعوة وتنظيم من أسرة “الملتقى الأدبي” وبالتعاون مع “الرابطة الثقافية طرابلس” و “جمعية الوفاق الثقافية”، نهار السبت 7 شباط 2026 (قاعة المؤتمرات – الرابطة الثقافية طرابلس).

أرومُ ألوان الدهشة يا زين
كي من نزفها تُكحّلُ عينايَ
في الشعر تُبحرُ اليوم مقاماتي
كلحن بياتٍ، كوزنٍ على بحر نايا
في ملتقى الحب، يا فيحاءُ ألقٌ
يستلُّ الصِّبا دومًا من همس منايَ
واشوقي، مدثّر بالموج، قلقٌ مشظّى
مدّه صلاة وجزره في العشق غوايه
كأنّا من أسرى الهذيان، ولدنا
نسابق الريح وكلّنا يقول: هنا منفاي!
نتوه، على هدب قصيدة ونعود لنرتمي
ضحايا جبابرةً، لا بداية نعيها ولا نهايه
نطير على أفنان الشعر كالعصافير
ندوس أقفاصنا والحبرُ رصاصٌ ورايه
ونروم ألوان الدهشة يا زينُ
كي من نزفها نأوي حزن المرايا
!

الشِّعرُ، ذلك الكائنُ الغريبُ الذي يقتحمُ لُبَّ لُبابِكَ، ويتقمَّصُ شَغافَ روحِكَ، فينطقُ بك ويَنزِفُ منك؛ وتتورَّدُ وجناتُ روضِه لثغرِ حبيبتِكَ ولمعة عينيها، ويغفو على دندنةِ أحلامِكَ، ويَبزغُ على زقزقةِ بلابلِكَ، ويزمجرُ في وجهِ رصاصِ أعدائِكَ. وأنتَ الندى المُقيمُ أبدًا في أساطينِ مملكته، المُرتَمي في هدهدةِ ينابيعِهِ، بين راحتي الزمانِ والمكان، مسرىً للحبِّ يمتدُّ حتى عناقِ ديمتِكَ الأخيرة.
والشِّعرُ حركةٌ دائريّةٌ تجاوُزيّةٌ ارتقائيّةٌ حرّة، لا تُدرَك بقانونٍ سوى صدق البوح وشفافيّته؛ فإذا تجرّد القول من التكلّف، انكشف القارئ على ذاته، وظنّ — ولو لبرهة — أنّه هو من يُكتَب، ويتجلّى حزنُه وفرحُه عبرك ومن خلالك.
هكذا تتبدّى تجربةُ الشاعر زين الدين ديب في قصائدِه؛ إذ يخترق الحقولَ الإبداعيّة بثباتٍ واضح، وقد بلغ في ديوانه هذا درجةً لافتة من النضج الفنّي، تتجلّى في غزلٍ متوهّجٍ لا تخمد جذوتُه عند المرأة، حيث يُجسِّد توتّرًا دلاليًّا قائمًا بين جسدانيّة الجمال وروحانيّتِه، في صياغةٍ شعريّةٍ متماسكة تُحسن الإمساك بحدود هذا الصراع وإيقاعه. وإلى جانب ذلك، يضمّ الديوان نصوصًا مشحونةً بالاحتجاج الوجداني، تُقارب مواجع العروبة المُهمَّشة، وتكشف عن وعيٍ شعريٍّ حادٍّ بأسئلتها الاجتماعيّة والوجوديّة.
غير أنّي لا أستفيض في هذا الحفل في الوقوف عند هذه التجلّيات، إذ إنّ الدكتور مصطفى الحلوة قد أدلى بدلوه المعرفيّ البحثيّ في مقدِّمةٍ لا هي مقدّمةٌ فحسب، بل دراسةٌ أفقيّة وعموديّة، نقّب فيها عن زَفَرات الديوان بأكمله، واستقصى أنساقَه الشعريّة ووقف بإسهاب عند تمثّلاته الاجتماعيّة والدلاليّة.
كما أنّ قلمي لن يتوقّف في هذه العُشيّة عند أفانين تأمّلات شاعرِنا، ولا عند رمزانيّتِه والقلق الوجودي المتأجّج في نصوص ديوانه؛ إذ إنّ الدكتور رياض عبيد قد أفرد لهذه الجوانب مدخلًا فلسفيًّا أدبيًّا رصينًا، وثّق فيه البعدَ الفكريَّ للتجربة الشعريّة، ورصد إيقاعاتِها الجماليّة والمعرفيّة، كاشفًا عن قصيدةِ زين الأبلغ، تلك المحاكة من نسيج عناوين قصائده.
وبعد أَنْ طفتُ في مَطاوي هٰذا الدِّيوانِ، وَمكثتُ في أَبْراجِ غَزَلِهِ ووِجْدانِيّاتِهِ، وَتَلَمَّستُ تَرَدُّداتِ فَلْسَفَتِهِ الوُجودِيَّةِ وَحَرَكَتِهِ الإِبْداعِيَّةِ، اسْتَوْقَفَنِي العُنْوانُ مِرارًا، فَانْثالَتْ في وِجْدانِي تَساؤُلاتٌ جَمَّةٌ: أَلِلْدَّهْشَةِ أَلْوانٌ تَتَزَيَّنُ بِها «نايا»؟
فَإِذا ما قُرِئَ العُنْوانُ عَلى أَساسِ أَنَّ «نايا» مُبْتَدَأٌ وَ«أَلْوانُ الدَّهْشَةِ» خَبَرُهُ، فَإِنَّنا نَكونُ أَمامَ تَرْكيبٍ اسْمِيٍّ مُكَثَّفٍ، مَشْحونٍ بِطاقَةٍ دِلالِيَّةٍ عالِيَةٍ، يَجْمَعُ بَيْنَ رُسوخِ الِاسْمِ، أَيِ الثَّباتِ الِاسْمِيِّ، وَاتِّساعِ أُفُقِ التَّأْويلِ، أَوِ الِانْفِتاحِ التَّأْويلِيِّ.
وكأنَّ «نايا» لا تُستَحضَرُ بوصفِها اسمًا مُجرَّدًا لحفيدته، بل باعتبارِها الذّاتَ الشِّعريّةَ للشّاعر وصوتًا داخليًّا قائمًا بذاتِه، ينتظرُ من الخبرِ – أي «ألوانُ الدَّهشة» – أن يكشفَ حقيقتَه ويُضيءَ ماهيّتَه. إنَّ تصديرَ «نايا» صدرَ الجملةِ يمنحُها بُعدًا وجوديًّا واضحًا، ويجعلُها محورَ الرؤيةِ الشِّعريّةِ برمَّتِها.
غيرَ أنَّ اللافتَ لاحقًا أنَّ الاسمَ يغيبُ شكلًا عن القصائدِ الخمسِ والسَّبعين، في حينِ لا تغيبُ حَشْرَجاتُ النّاي عن أيٍّ منها؛ فكأنَّ كلَّ قصيدةٍ تتحوَّلُ إلى نايا أي نايٍ يَئِنُّ وجعًا، أو يُرَنِّمُ صلاةً، أو يشكو حبيبةً، أو يلعنُ طاغيةً. وهكذا تنتقلُ «نايا» من كونِها اسمًا إلى حالةٍ، ومن كيانٍ لغويٍّ إلى تجربةٍ شعريّةٍ معيشيّةٍ.
ويُعزِّزُ هذا التَّحوُّلَ حضورُ اشتقاقاتٍ صوتيّةٍ ودلاليّةٍ قريبةٍ، إذ تُذكَرُ «الحَنايا» مرّتَين، و«المَنايا» و«الثَّنايا»، في حينِ تتكرَّرُ لفظةُ «ألوان» تسعَ مرّاتٍ، من بينها قولُه:
لم يعد الشفقُ بألوانه المدهشة يجذب النفس القلقة… «ألوانٌ من حدائقِ الغيبِ/ حاصَرَتْ ألوانُها/ ألوانَ العذابِ الوَحشيّةِ»…
تستوطنُ الدهشةُ قمحَ قصائدِه، فلا تفصحُ عن ذاتها لفظًا إلّا مرّتَين: مرّةً في توصيف الشفق بألوانه المدهشة، وأخرى في قوله: «أدخلُ طقوسَ الدهشةِ فيكبّلُني الصَّهيل.» الوارد في قصيدة “جنون التوحّد” صفحة 78 من الديوان.
هذه جملةٌ شعريّةٌ، كغيرِها من الجمل، تقوم على مفارقةٍ خلاّقة، تُحوِّل الدهشةَ من أفقِ تحرّرٍ إلى تجربةِ ضغط، وتجعلُ من الصوتِ رمزًا للقيد، فتجسِّدُ مأزقَ الشاعر بين نشوةِ الإبداع وثِقَلِ الوعي.
وفي الختام، جاءت مداخلتي منطلِقةً من عنوان «نايا، ألوان الدهشة» بوصفه بنيةً حسّيّةً مركّبة، يتقاطع فيها فعلُ الحواسّ ويتداخل، فلا تنفصل الرؤية عن السمع، ولا الجمال عن الانفعال. إذ يقوم العنوان على تراسل الحواسّ الخمس وتفعيلها في نسيجٍ إيحائيٍّ واحد، فتتحوّل التجربة الشعريّة في الديوان إلى حدثٍ إدراكيّ شامل يُسمَع ويُرى ويُلامَس ويُذاق ويُستنشَق في آنٍ معًا. وبهذا يمنح العنوان طاقته الجماليّة العالية، ويغدو عتبةً دالّةً تفتح منذ اللحظة الأولى أفقَ التلقّي على عوالم الديوان ورهاناته الجماليّة و أبعادهالمعرفيّة.
تهانينا للأستاذ زين الدين ديب بمناسبة صدور ديوانه، إضافةً نوعيّة إلى المشهد الشعريّ.

(في الصورة، من اليسار: أ. زين الدين ديب، م. ميراي شحاده الحداد، د. مصطفى الحلوة، د. رياض عبيد)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى