أدب وفن

“وخز الماضي”، رواية لمحمد إقبال حرب،العجز عن الخلاص الوطني والفردي وصوفيَّته

“وخز الماضي”، رواية لمحمد إقبال حرب،
العجز عن الخلاص الوطني والفردي وصوفيَّته


د.عبد المجيد زراقط

الوحدة الأزلية/ فضاء قراءة الرواية
يُهدي المؤلِّف روايته ” إلى مَن كبَّلته ضوضاءُ وجوده، فاستغاث بوحدة أزليَّة، على وسادة الفناء”. يثير هذا الإهداء سؤالين: أوَّلهما هو: ما هذه الوحدة الأزلية التي يستغيث بها مَن كبَّلته ضوضاء وجوده؟ وثانيهما هو: ما المقصود بوسادة الفناء وما علاقتها بالوحدة الأزلية؟
في إجابة سريعة تقتضيها هذه المقالة القصيرة، يمكن القول: أزلية، لغويَّاً، مصدر صناعي من أزل، ويعني دواماً لا بدء له. وأزلية العالم، فلسفياً، تعني أنَّ العالم أزليٌّ لاعلَّة لوجوده، والوحدة الأزلية مصطلح فلسفي وديني دالٌّ على الله، وهو كائن لا بداية له ولا نهاية، وإذ يكن الأمر هكذا، فما هي العلاقة بين الله والعالم، يجيب ابن سينا عن هذا السؤال، فيقول: العالم أزلي، فاض عن الله. وهذا يعني أن الإنسان، بوصفه الكائن العاقل، في هذا العالم، هو مافاض عن الله، وإذ يعيش في العالم، وتكبِّله ضوضاء وجوده، أي ما طرأ على ذلك الفيض/ الطُّهر من موبقات الحياة وشرورها…، يعود إلى وحدته خارج هذه الضوضاء، وإلى الفيض الأزلي، فيحيا حياة الطُّهر الأزلية على وسادة الفناء. فماذا يعني الفناء،هنا، هل يعني الفناء في هذه الدنيا الفانية، فإن يكن الأمر هكذا، فإن الكلمة الصحيحة هي الموت، وليس الفناء، لأن الإنسان يموت، ولا يفنى، وإلا كيف يفنى، وهو يستغيث بوحدة أزلية!؟
بنية الرواية
يشكل هذا الإهداء فضاء قراءة هذه الرواية. وإذ نقرأها، نرى أنَّها تبدأ بفصلٍ غير مرقَّم معنون ب” بداية البوح”، وتنتهي بفصل غير مرقَّم كذلك معنون ب”َاَخر الهمس”، وبين الفصلين نقرأ سبعة عشر فصلاً مرقَّمة، تروي ماحدث في الماضي وشكَّل وخزه.
تأتي هذه الفصول غير معنونة، ما يعني أنَّها البوح الذي بدأ في الفصل الأول، وانتهى همساً في الفصل الأخير، ويؤدِّي ذلك الراوي العليم الذي يعرف كلَّ شيء، فيقصُ، ويصف، ويعلِّق، ويترك للشخصية الرئيسية، في حالات كثيرة، أي للراوي الشخصية، أن تقصَّ الأحداث التي تحتاج إلى الإيهام بصدقيتها.
بداية البوح
يتألف فصل بداية البوح من وحدتين متصلتين،غير منفصلتين بأيِّ علامة نصِّية: الأولى هي تعريف للوحدة وبيان لرؤية معظم البشر لها، وتعاملهم معها، فهي ” عالم متكامل بحدِّ ذاته، تحكمه قوانين وطقوس غامضة، متى أدركها بشريٌّ فقد بشريته…أكثر البشر يزورون معابد الوحدة، كرحلة سياحية، ويسمُّونها رحلة تأمل، قلَّة هم الرحَّالة الذين يصرُّون على اكتشاف أدغالها، ونبش أسرارها…”، والذين اقتحموا معبدها، وُصم بعضهم بأمراض الكاَبة والجنون …، وقلَّة انتقلت إلى ذلك المعبد بنجاح…
الوحدة الثانية هي التعريف بشخصية رئيسية من شخصيات الرواية، وهي ماريو، فقد اكتشف هذا ” عالم الوحدة، منذ سنوات طوال، لكن مشاغل الحياة أخرته عن الفوز بمعبده الخاص، رغم محاولاته المتتالية التي سعى إليها بشوق المريد…”. وهذه المشاغل أبعدته” عن ممارسة طقوس الانعزال، لذلك لم يبن معبده الخاص، في تلك الفترة”.
ثم تلي ذلك مقتطفات من مسار حياة ماريو. بدأت جذوة المشاكل مع زوجته بعد سنتين من زواجهما، عندما أخبره الطبيب، بوجودها، أنَّه عقيم، ذُهل، فأخبرته أنَّها تحبُّه كما هو ، ورفضت أن يتبنَّيا طفلاً، أو أن يطلقها. ثم تحوَّل العشق إلى رتابة ومشاكل دائمة، فغادرت البيت بعد ثمانية عشر عاماً من الزواج.
اعتقد ماريو بأنَّ النساء، زهرات السماء، ويجدر به أن يشتم عبق أكبر قدر من زهر الاَلهة، وبأن المرأة كيان كامل مساوٍ للرجل، وكان جذاباً طلق اللسان، حلو الكلمات،ماقرَّبه من الجنس الناعم، فتهافتت عليه النسوة، وكثيرا ماكان يتساءل عن التناقض في تصرُّفاته، فهو رجل أعمال رصين تتهافت عليه المؤسسات العملاقة، وهو في حياته الخاصة ماجن يسعى وراء الجنس الاَخر، لايخبر أحدا بعلاقاته حتى صديقه الحميم بوب، فهما تربيا معاَّ، وغادرا مع أسرتيهما إلى أميركا بسبب الحرب الأهلية، وبقيا في مدينة “وايماث” حتى إنهاء الدراسة الجامعية، عانيا من تنمَّر الطلاب الأميركيين ، وغيرا اسميهما من باسل وهاني إلى ماريو وبوب. وعادا إلى لبنان فور تخرجهما.
اَخر الهمس
يتألف فصل” اَخر الهمس”، كذلك، من وحدتين، الأولى تخبرنا أنَّ ماريو قرأ رسالة ليلى، وجاء فيها أنَّه أوهمها بأنَّه يحبُّها، فصدقته. تزوجها بعقد عرفي في تركيا، وتركها بعد ثلاثة أيام، بعد أن سرق الورقة التي كتب عليها العقد. حملت منه، فسافرت هي ووالدها إلى أميركا، حيث أنجبت ابنها، وعانت بعد وفاة والدها كثيراً. أكملت دراستها، فنالت شهادة الدكتوراة، ودرَّست في الجامعة، وجاءت في إجازة إلى لبنان، لأن ابنها يريد أن يعرف أباه.
أحرق ماريو رسالة ليلى وحقيبتها ومقتنياته الشخصية، بعد أن شعر بحقارته التي وصفته بها ليلى، في رسالتها. فاسترخى في مقعده، في صحبة صديقتيه: كأس النبيذ وعلبة السجائر، وهما من بقايا عالم المادة ، القادرتان على القضاء على متطلبات الجسد، وغدا جاهزاً لإتمام بناء معبده الخاص في علياء الوحدة، والمضيِّ في رحلة الزهد الأبدية . وكان عليه أن يمرَّ بباب الطُّهر، كما أمره المنادي:” طهِّر نفسك لكي تضيء معبد وحدتك”، فباب الطُّهر هو مدخل المعابد قاطبة…، وإذ شدَّ العزم الى حيث اهتدى قلبه، وجد معبد وحدته فضاءً ساكناً يتوسطه مذبحٌ من فراغ تحدِّده مشاعر سامية لا يعرفها البشر، وصلى وحيداً صلاة اللقاء، ودخل باب زاويته، فأطبق السكون الأزلي على ضوضاء وجوده. وهكذا كان هو المثال لمن أُهديت إليهم هذه
البوح
بعد مرحلة المجون والصخب …، أصاب ماريو الضجر من حواء، ومن مباهج الحياة التي أصبحت بلا طعم، وأصبح نجاحه في العمل روتيناً مملاً، ولم تعد القراءة وهجاً مبهجاً…، فجذبه الحنين إلى عالم الوحدة، فأخذ يرتاده كل يوم على خجل، حتى قطع شوطاً أوصله إلى الشعور باللذة، وأصبح قاب قوسين من بناء معبده الخاص، لكن الحَراك الشعبي جذبه، فشارك فيه، وهدفُه تحقيق دولة علمانية وطنية، غير أنه لم يلبث أن انسحب منه، بعد ازدياد الجماعات المندسة وهجوم أصحاب الدراجات بعصيِّهم، ثم جاءت جائحة الكورونا، وانهيار ودائعه المصرفية، فقرر، بعد هذه الخيبات، الانعزال التام، محاولاً إيجاد طريقه، مريداً صوفياً يدبُّ، في سفره الأول، وحيداً للخلاص من عالم المادة، والسمو إلى عالم أسمى، من دون أن ينعم بالتتلمذ على يد مسافر خبير يرشده.
وهو، في وضعه هذا، جاءته رسالة من ليلى تخبره أن له ولدا منها، غدا فتى في السابعة عشرة من عمره، مرفقة بشريط فحص ” دي. ن. أي” للولد. اقتلعت عاصفة هذه الرسالة أسس وحدته، بعد أن أجرى فحصاً له أكد أبوته للولد.
ثم يمضي السرد في مسارين: أولهما سرد وقائع الحاضر المتمثلة بحواره مع هذه المرأة التي لم يتذكرها، وبمعاناة الواقع المعيش الذي يوصل صديقه بوب، بعد فقده وديعته، في المصرف، إلى التقاط طعامه من الحاويات، ثم إلى الانتحار، وثانيهما استعادة وقائع ماضيه، ليعرف من هي هذه المرأة.
يعلم، في سياق هذين المسارين، أنَّه ليس عاقراً، وأنَّ زوجته تدبرت أمر الفحوصات التي تفيد بذلك، لأنه لم يعطها الجنسية الأميركية. وعندما يعجز عن تذكر من هي ليلى، تحدَّد له هذه موعدا ليلتقي بها وبابنهما عند درج الفاندوم في الجميزة، ، في الرابع من اَب، فيطلب من زوجته أن توافيه إلى هذا المكان ، ليعطيها ورقة طلاقها، وهدفه أن يعلمها أنَّها خدعته، وأنَّ لديه ولداً من امرأة سواها، مايعني أنه ليس عاقراً. يلتقي ليلى، وقبل أن يلتقي ابنه، يحدث الانفجار، فتُقتل هي وابنهما، وزوجته، فيُغمى عليه، وعندما يفيق بعد أيام، يتدبَّر أمر الدفن والحصول على حقيبة ليلى، وفيها رسالتها له، ويعود إلى منزله، وإلى وحدته.
صوفيَّة العجز عن الخلاص
إن يكن ماريو يسعى للخلاص كما يسعى الصوفيُّ، فإنَّ الصوفيَّ، كما هو معروف، يفرُّ إلى الله، للخلاص من أدران الدنيا، كما جاء،في الاَية الكريمة:” ففرُّوا إلى الله، إنِّي لكم منه نذيرٌ مبين…”( الذاريات/ ٥٠) ، ويمرُّ في فراره/ سفره بأحوال من جهاد النفس ومقامات من الخلاص إلى أن يصل إلى مقام الإنسان الكامل، أو إلى السيمرغ كما جاء في منظومة منطق الطير للشاعر الصوفي فريد الدين العطار. أما هو، أي ماريو، فإنَّه يسعى إلى بناء معبد الوحدة الخاص به، بعد أن يمرَّ بباب الطهر، ما يثير أسئلة منها: هل يسعى ماريو إلى الوحدة بسبب الفساد السائد في الوطن وخيبات الخلاص منه، أو بسبب ماارتكبه هو من موبقات جعلته ذلك الحقير الموصوف؟ وهل هذا اللجوء إلى الوحدة هو الحل على المستوى الوطني؟ أو هو الدالُّ على العجز عن هذا الحلّ، فكان هذا اللجوء هو الحلُّ الفردي؟ ثم ماهي هذه الوحدة؟ هل هي العزلة بصحبة الكأس والسيجارة؟ وما هو معبدها؟ وكيف يتحقق الطهر المفضي إلى بناء ذلك المعبد والإقامة فيه؟ وهل هو ذلك الطهر الذي تحدثنا عنه اَنفاً؟ وهل يمكن أن يتحقق هذا الطهر بمساعدين هما كأس النبيذ والسيجارة؟ وهل هذا السعي هو نوع جديد من الصوفية؟
تثير هذه الرواية هذه الأسئلة وأسئلة أخرى قد يثيرها القارئ، وتترك له الإجابة عنها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى