أدب وفن

عبد العزيز برينيص يقرأ بين سطور “شوارع ” نورة عبيد


شوارع مجموعة قصصيّة صادرة عن Edition Zayneb زينب للنّشر و التوزيع
Noura Abid
«شوارع» مجموعة قصصية للكاتبة نورة عبيد، صدرت عن دار زينب للنشر، وتضم عشرين قصة، تُفتتح بـ «نهج الفيلات» وتُختتم بـ «نشيد الشوارع». العنوان ، يرسم تعاقدٍ اأوليّامع المكان؛ إذ يتوقع القارئ أن يكون على موعد مع طرقات مألوفة، وأحياء يمكن السير فيها بالذاكرة أو بالخيال. غير أن هذا التوقّع سرعان ما يتبدد، فالمجموعة تخلق نوعًا من الخيانة الفنية الواعية: الشارع ليس مكانًا بل هو علامة لغوية، وحيّز رمزي، وحرف شحن دلالة
تأخذك النصوص إلى حالة من التيه الجميل؛ فلا أنت في شارع محدد، ولا في زمن يمكن الإمساك به. الزمن مائع، والمكان مراوغ، ولا نظام يحكم هذه الشوارع سوى نظام اللغة . لغة تتقدم بكونها الفضاء الحقيقي للنص، حيث تتحول الجملة إلى طريق، والاستعارة إلى منعطف، والنهج إلى إشارة مرور لا تفضي إلى يقين.
يخال القارئ أن النفس ستجوب الأزقة والبطاح، وأن القصص ستمنحه متعة التجوال ، لكنه يجد نفسه محاصرًا داخل النص، يتنقل بين طبقاته الدلالية، يفك شفراته ويبحث عن الوالدة فيه ويتعثرفي فهمه . وهنا تتجلى لذة المعاناة القرائية: فهذه النصوص لا تُقرأ بطمأنينة، بل تُفكّك، وتُساءل، وتُعاد قراءتها. إنها قصص تقوم على رموز نفسية ووجودية، وكأنها تستعيد مقولة خفيّة: في البدء كان الرمز، لا الحكاية.
تُظهر نورة عبيد جرأة نقدية واضحة، إذ لا تتردد في فضح الواقع الاجتماعي والإنساني بكل ما فيه من عفن وزيف ورياء واختناق. الواقع هنا لا يُقدَّم في صورة مباشرة، بل عبر طبقات رمزية مكثفة. فالذرة لها أخوات، منهن المستورة والمحجوبة، كما في «شارع الخلوة»، حيث تتجلى ثنائية الرغبه والاختباء أما «شارع الحرية»، فليس فضاءً للتحرر كما يوحي اسمه، بل مكانًا تغزوه النتانة: خصومات، سبّ وشتم، فوضى لغوية وأخلاقية، في مشهد أقرب إلى بازار ساخن ، مشهد يحرّك الرصين ويضحك الحزين، ويكشف هشاشة القيم حين تتحول الحرية إلى فوضى.
في شوارع «لا مكان فيها، ليس فيها سالم»، يتجسد واقع في العزلة الإنسانية القاتلة . الشخصيات محاصرة، لا بالأسوار، بل بالتناقضات الاجتماعية، وبالفراغ الداخلي. تأخذك الكتابة الى شارع آخر على مفارقة التسمية؛ فبعض الشوارع تحمل أسماء تناقض حد ها. هذا التناقض ليس اعتباطيًا، ولا ترفا لغويًا بل أداة نقدية واعية، تُحدث صدمة تأويلية تدفع القارئ إلى إعادة التفكير في العلاقة بين الاسم والمسمّى، بين الخطاب والواقع.
يتحوّل السرد، بذلك، إلى قراءة نقدية للمدينة والمجتمع. المدينة هنا ليست عمرانًا، بل كيانًا نفسيًا واجتماعيًا، يختزن القهر، والخذلان، والتواطؤ الصامت. أسماء الشوارع تدور على غير أسمائها:
فـ«شارع السعادة» لا سعادة فيه، بل خواء مقنّع، و«شارع العناق»ليس احتفاءً بالحياة، بل عناق الأموات بعد ثِقَل العيش، وكأن العناق لا يتحقق إلا بعد الفقد.
وبعض الشوارع لا تمشي فيها أنت، بل تمشي فيك. تتحول إلى حالة داخلية، إلى تجربة شعورية، تشبه التحليق على بساط سحري، غير أن هذا البساط سرعان ما ينكشف هو بساط قد من أسئلة وجودية، لا تأخذك إلى الخلاص، بل إلى مزيد من التحديق في الذات. والبحث في أغوارها
لغة المجموعة واضحة، مألوفة، مشدودة إلى التفاصيل اليومية، لكنها في الوقت ذاته محمّلة بدلالات عميقة. تشعر وأنت تقرأ أنك تعرف هذه الشوارع، وأن الشخصيات ليست غريبة عنك، بل تشبه وجوهًا مررت بها، أو حالات عشتها. هذه الألفة اللغوية تمنح النصوص قوة حافظة ومائزة لأنها تجعل القارئ شريكًا في التجربة، لا مجرد متلقٍّ.
«شوارع» ليست مجموعة قصصية تقليدية، بل رحلة في شرايين النفس. نصوص تجعل القارئ يرى شوارع ذاته، ويعيد اكتشاف العالم من حوله كما لو أنه يراه للمرة الأولى. نورة عبيد تقتحم شوارع الحرف بجرأة، وتتمرد على الأجناس الأدبية الصارمة، وتقدّم كتابة تقع في منطقة بين القصة، والتأمل، والنقد الاجتماعي. إنها كتابة لا تمنح الأجوبة، بل تفتح الأسئلة، وتجعل من القراءة تجربة فكرية وجمالية وتأسيسية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى