تراتيلُ القيامةبقلم: الدكتور عبدالكريم بعلبكي

تراتيلُ القيامة
بقلم: د. عبدالكريم بعلبكي
بيروتُ 🇱🇧
مدينةٌ
تعلّقُ جرحَها
قنديلًا في صلاةِ الفجر،
وتخرجُ من رمادِها
كأنّ الرمادَ
بوّابةُ الضوء.
الأرصفةُ
دفاترُ الليل،
خطواتُ العابرين
حبرٌ يسيلُ في ذاكرةِ الحجر،
والريحُ
تقلبُ أوراقَ العتمة.
في صدرها
ينامُ ملحُ البحّارة،
وتفتحُ النوارسُ
نوافذَ الحنين،
وتنحدرُ على المرافئ
أجراسُ الضوء.
بيروتُ 🇱🇧
جملةٌ كتبتها النار
بمدادِ الياسمين.
كلّ نجمةٍ تسقطُ
توقظُ شرفةً،
وكلّ شرفةٍ
تفتحُ في الليل
بابَ دهشة.
هنا
الزمنُ يمشي حافيًا
على ذاكرةِ الحجارة،
والبحرُ
يلقي على كتفيها
عباءةَ الأبد.
بيروتُ 🇱🇧
امرأةٌ تحفظُ سرَّ القيامة،
تجمعُ شظايا الفجر
وتغرسها
في حدائق القلب.
مدينةٌ
يحملُ ظهرُها
سبعةَ آلافِ عامٍ من الأسئلة،
وقامةٌ
لا تعرفُ الانحناء.
فوق الجمر
تعبرُ الأغنية،
وفوق الرماد
يتعلّم الضوءُ
فنَّ الولادة.
عند بوابةِ الأبجدية
وقفتِ يومًا،
تعلّمين العالم
شكلَ اسمه.
ثم مضى العالمُ
يضيّعُ حروفه،
وتبقى الحروف
تعودُ إليكِ
لتتعلّم
كيف يُنقذُ المعنى
نفسَه من النسيان.
جاؤوكِ
بأعلامِ الفتح،
فاستقبلتهم أسوارُكِ
بابتسامةِ الحجر،
ثم ابتلعهم الزمن
كما يبتلعُ البحرُ
أسماءَ السفن.
مرَّ الفينيقيُّ
والرومانيُّ
والعثمانيُّ
والصليبيُّ،
وتناثروا
في غبارِ الطريق.
وبقي اسمكِ
معلّقًا
على شرفةِ التاريخ.
جرحكِ
أعمقُ من بحرِك،
وأقدمُ من صخرِك،
جرحٌ
لا ينزفُ
بل يُزهِر.
ياسمينٌ
يتسلّلُ من الشقوق،
ويملأ الهواء
بعطرِ الصمود.
في جدرانكِ
تنامُ الأسماء،
وفي ليلكِ
تمشي الذاكرة
حافية.
المرفأ
الذي ابتلع الأرواح
في صباحٍ أسود،
ما زال
يتنفّسُ في صدركِ،
والملحُ
يحرسُ نبضَ الموج.
بيروتُ 🇱🇧
في جراحكِ
يتوهّجُ المعنى،
وفي ناركِ
يتعلّم الرمادُ
كيف يصيرُ
بناءً.
في مقاهي الأزقة
جلس العاشقُ
والحالمُ
والفيلسوف،
والبحرُ
يصغي إلى الطاولة.
ومن حنجرتكِ
صعد صوتُ فيروز،
جرسَ فجرٍ
يوقظُ العالم.
بيروتُ 🇱🇧
الكرامةُ
ظلُّ جراحكِ،
وقامتكِ
قصيدةٌ
تكتبُ في الهواء
درسَ النهوض.
مدينةٌ
تعرفُ سرَّ القيامة:
تجمعُ شظايا الفجر،
وتزرعها
في حدائق القلب.
وهذه الكلمات
مطرٌ خفيف
يسقطُ على ترابك،
فينبتُ
للعابرين
خبزٌ،
وضوءٌ،
وأمل.
بيروتُ 🇱🇧
قنديلٌ
يعلّقُ البحرَ
في سقف الليل،
وكلّما ظنَّ العابرون
أن الفجرَ تأخّر،
ينهضُ من رمادكِ
ضوءٌ جديد. 🇱🇧



