أدب وفن

في يوم الشّعر العالميّ الشّعْرُ صَعْبٌ وَطَوِيلٌ سُلّمُه ..!

في يوم الشّعر العالميّ
الشّعْرُ صَعْبٌ وَطَوِيلٌ سُلّمُه ..!


د- محمّد محمّد الخطّابي *


إلى هؤلاء الشعراء الأفذاذ الذين عاشوا يوم الشعر العالمي ، فرسان الكلمة واليراع والإبداع، وأمراء القافية والبيان والإشعاع والإمتاع ، إلى عشّاق الشعر و الهائمين فى حلو الكلام وعذبه ، أهدي هذه الباقة حول صناعة الشعر ومشاغله وأهله وذويه. ومحبّيه .


الشّعر عناق للآمال والآلام


يقول هؤلاء الذين تخفق قلوبهم بمحبة الشعر والانشغال به وبعوالمه التي لا تحدّها حدود : الحديث عن الشعر هو الحديث عن الكون الهائل المحيّر.. عن عذابات النفس المكلومة التائهة في متاهات الحياة، ومرابض الكينونة في تناوش وتشاكس وديمومة متجدّدة. الشعر هو اللغة في أرقى مظاهرها، هو تجسيد للكون وما يكتنفه من غموض، وتساؤل واغتراب. واستلاب، هو ضرب من مناوشة الوجود. هو تعبير أفلاطوني، وهوميري، ولبيدي، وزُهيري أزلي عن توحيد الجزء في الكلّ والعكس. هو – كما يقول عنه كولاريدج – مخلوق يدبّ على قدمين ، دائم البحث عن القيم الجديدة، وهو ليس قصراً على التذوّق الفنّي أو وصف الإحساس المرهف أو رصد التسامر أو الانطواء أو الانتماء. بل هو مواجهة صريحة ومجابهة جريئة للواقع، واستكناه لخباياه وأسراره، كينونته ومتاهاته ، هو استجلاء لغوامضه ومفارقاته، و في آخر المطاف هو كيّ، ووخز، واحتراق وعناق للآمال والآلام.
يقول العارفون الشكوى عند الشاعر الحقّ حبّات متناثرة، وذرّات مبعثرة كأنها كثبان رملية منهمرة على وقع هدير أمواج صاخبة عاتية. الشعر لمحٌ تكفي إشارته، وليس بالهذر طُوِّلت خُطبُه، الشعرفكر يبعث على التأمّل وإعمال النظر، بضرب من المناوشة والمشاكسة والمعاناة والنغوص والتوتّر حيناً ، وبالخيال المجنّح الطليق والاسترخاء حينا آخر. والغربة عند الشاعر تنويعات حزينة ، تعزفها أوتار القلوب المعذّبة المكلومة، والقصيد نبع وارفٌ رقراق يتلألأ مشعّاً في أعماق النفس البشرية المحبّة العاشقة الولهانة.
يرى الناقد المكسيكي ساندرُو كوهين : “أنّ الشاعر هو مرآة الروح في النفس البشرية. وهو الذي يعمل على تجلية وتنقية ما علق بها من صدأ وبلى وأدران. ويجعلها تشعر بالحنين إلى الحياة الأولى الحالمة الخالية من أيّ أثر للتيارات المادية التي طغت وطبعت هذا العصر”. كان الشعر فيما مضى من الأزمان يُسمع ويُقرأ من طرف العديد من الرجال والنساء، وأعني به الشعر المكتوب، أيّ الشعر الذي بدأ الإنسان ينظمه بغضّ النظر عن الغناء أوالتقاليد.


المذياع والتلفزيون والسّينما والشّعر


لم يعرف التاريخ من قبل وسائل ذات آثار واسعة مثلما هو عليه الشأن فى عصرنا الحاضر بالنسبة للمذياع والتلفزيون والسينما ، وأخيراً الإنترنت، إنه منذ بضع عقود كان كل شخص «مهذّب» يقدّر مختلف الفنون الإبداعية وفي مقدّمتها الشعر، ويواظب على حضورها أو قراءتها أمّا اليوم فقد تبعثر هذا المعنى بطغيان المرئيات، وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي وهيمنة الفنّ السابع ( جيّده ورديئه) عن باقي الفنون .
وإذا كانت إبداعات القرنين الماضيين شعراً ونثراً لم تحقق مبيعاتها ما حققه بعض الكتاب والشعراء اليوم. ذلك أن الذي كان يُشترىَ «بضمّ الياء» منذ مائة سنة كان يقرأ، سواء تعلق الأمر بديوان أو كتاب مطبوع. وعلى العكس من ذلك أصبح التباهي اليوم ليس بالقراءة؛ بل باقتناء العديد من الكتب حتى وإن لم تقرأ .
ويرى بعض ممّن يتعاطون الشعر أن يولون عناية للموسيقى والراديو والسينما والتلفزيون -حتى وإن كانت هناك بعض المفعولية والمعقولية في أهمّية هذه الوسائل- إلا أنه ليس هناك من ريب أنها قد تسبّبت في تجميد وتشويه وغِلظة الحواس. ولا يمكن لهذه الوسائل برمّتها أن تنفلت أو تتنكّر لهذه القيم الجمالية. فلا يمكننا أن ننكر أن هناك موسيقي ممتازة، وهناك أفلام تستحقّ أن تُشاهد والتي تعتبر أعمالاً فنيّة رائعة. وهناك كذلك إذاعات جيّدة. كما إنّ هناك تلفازاً متقدّماً ومتطوّراً في جميع أنحاء العالم، بإبداعاته وطاقاته الفنيّة الهائلة فضلاً عن تقنياته العالية.


عوامل حجمت قرّاء الشّعر


من المعروف انّ هناك العديد من العوامل التي أدّت إلى نقص واضح في قراءة الشعر، وجعلت من الصعوبة بمكان وضع تفسير واضح لهذه الظاهرة. إلاّ أن هناك وجهة نظر بالمقابل لمحايد أو ملاحظ متضرّر وهو الشاعر الذي ليس له قرّاء كثيرون. إننا ما زلنا نستمع إلى أقوال مثل: إن العالم قد أصبح فظيعاً لدرجة أنه لم يعد هناك مكاناً للشعر» أو : «إنها بكاملها ، بهيئاتها، وامتشاقها، وهيافة خصرها، وطريقة مشيتها، وحديثها، بل حتى طريقة جلوسها إنما هي قصيدة حقيقية ناطقة. وإن التهديد بالحروب والجوع والأمراض الفتّاكة يعمل على بعث الكآبة في أقل الشعراء حساسية وشعوراً.
إلا أن كلّ ما سبق ليس عذراً لهجر الشعر، لأنّ الشعر ليس فنّاً زخرفيّاً، ولا أداة من أدوات الزينة والتنميق. فالشعر يفهم عموماً في الغرب بأنه حافل بالأشباح والأرواح والرومانسية والأحلام. وترجع هذه المفاهيم إلى الفلاسفة الإغريق، إلا أنه عندما ظهر أمثال «والت ويتمان» (1819م) و»شارل بودلير»(1821م) و»أستيفان مالارميه»(1842م ) و» أرثور رامبو»(1854م) فإنّ أمثال هذه المفاهيم بدأت تهتزّ، وطفق معها الشعر السحري الحالم يفقد رونقه وبهاءه وإشعاعه شيئاً فشيئاً.
إن كلمات مثل الأيديولوجية، الالتزام، النقد، التأمل، إعمال النظر، والاستنطاق قد أصبح لها من الانسجام والتوافق والحسن، والجمال الشيء الكثير. كما إن هناك فئة من الشعراء ما فتئوا ينشرون أعمالهم ودواوينهم، ويتركون آثاراً بالغة في قرّائهم. بل إن بعضهم قد خلّف مدارس واتجاهات شعرية خاصّة بهم، وهم بذلك إنما ينثرون بذوراً لقلّة وضآلة القرّاء. إن بعض الشعراء الجدد عند هجرهم للاستنطاق بحثاً عن أنغام وموسيقى وقيم جديدة، إنما كانوا يبعدون القرّاء عن ناصية الشعر.


الشّعر ليس فرجة رائعة


عندما يذهب الأغلبية الساحقة من القرّاء إلى الاستماع إلى الشعر يعتقدون أن الجديد سيدور حول مناظر رائعة، وعن كبار رجال التاريخ العالمي، وعن قصص الحب الحالمة، وعن طرق ووسائل الإبداع المبتكرة والمميّزة لشاعر مّا، هذا يحدث عندما لا يكون هناك ما ينبغي البحث عنه حقاً. القارئ من هذا النوع سرعان ما يبدأ في الشعور بالملل فيبحث له عن وسيلة أخرى للتسلية والتسرّى. إلاّ أنّ هذا الحكم يتضمّن غير قليل من الإجحاف، لأنه يعتبر القارئ غبياً. وبالفعل فإن غير قليل من الشعراء الغربيين يعتبرون القارئ غبياً لا سبيل إلى إصلاحه، إلّا أن ملاحظة «المحايد» الشاعر هو أن الأغلبية الساحقة من هؤلاء الشعراء يعزون ويردّون سبب فشلهم – من باب الجور والتجنّي- إلى الآخر. ذلك اللاّ مرئي والأقل اجتهاداً وهو القارئ. ويغيب عنهم أنه إذا كان الشعر لا يقرأ الآن كثيراً، فالسّبب لا يرجع الى القرّاء أو الى الشعر في حدّ ذاته، بل في نوعية الشعر الذي أصبح يُكتب اليوم ومدى جودته.
فماذا حدث بين أستيفان مالارميه، وجون أسبيري، وبين فيسينسيو كارداريلي، وروبين بونيفاس، وبين ت. س إليوت وأوكتافيو باث؟! ماذا حدث بين الكتاب والشعراء المولودين خلال العقدين الأوّلين من القرن الماضي. إنها مسألة ضآلة الشعر الجيّد. الواقع أن هناك تناقضاً غريباً ومحيّراً، ففي الوقت الذي كان فيه شعراء مجدّون، قد نجد العكس بالنسبة للقرّاء، والعكس صحيح أيضاً، إن فنون القرن العشرين قد تميّزت بالتساؤل المستمر حول ماهية الفن ودوره. إنه بحث دائم عن هويّته، يتوازى مع البحوث العلمية والفلسفية في عصرنا. إننا لا نستطيع أن نستمر في الكتابة طبقاً لاستنطاقات لم تعد لها صلة بالهموم الإنسانية والقلق والمسؤوليات التي تميّز إنسان العصر.


المُبدع يعي مدىَ ضآلته وصِغَره في الكون


إن المبدع الحقيقي لا يحيد أبداً عن حاجاته ورغباته وهواجسه وهوسه الإبداعي شعراً كان أم نثراً أم تشكيلاً. ذلك أنه كلما ازداد علماً بعالمه المادي كلما تعرّف أكثر على مدى ضآلته وصغره في الكون. وعظمة وجلال كل ما لا نعرف عنه شيئاً ، ولا نجرؤ على التفكير فيه، أو الخوض في غماره.
إنّه لمن الصعب أن نجد الحلول الجاهزة والسريعة والواضحة للشعر. فقد أصبح بعيداً عن الدور الذي كان يضطلع به في العالم الإغريقي، واللاتيني والعربي بشكل خاص، عندما كانت مواضيعه تدور في الطبّ، والتاريخ، والفلسفة، والجغرافيا ، والدّين، والعلوم، والنحو وكانت هذه العلوم تكتب شعراً. ناهيك عن الوصف والمدح والرثاء والهجاء والحماسة والفخر والغزل والنّسيب والتشبيب. فقد عمل الشعر على امتصاص جميع تلك المواضيع والأغراض التي قد لا تجد لبعضها مكاناً في الشعر على أيّامنا الحاضرة.


الشّعر بين التجزيئ والشّمُول


الشعر قد فقد اليوم إحدى خاصياته الكبرى وهي الشمول وأصبح أكثر تجزيئاً. إن الكوميديا الإلهية “لأليجيري دانتي” (المستوحاة كما هو معروف من رسالة الغفران للمعرّي) كانت تسعى إلى إقامة نظرة كونية منطقية شمولية متكاملة منسجمة. كان دانتي يريد أن يقول كل شيء في ملحمته. ومنذ زمن غير بعيد كان الكاتب الأرجنتيني “خورخي لويس بورخيس” يعرب عن ارتياحه وانشراحه وغبطته عند عثوره على بيت واحد من الشعر الجيّد الجدير بالقراءة في عمل مّا أو في ديوان شاعر. كانت باكورة أعمال بورخيس الإبداعية تحمل اسم حرف «الألف» العربي تعبيراً عن إعجابه الكبير بالتراث العربي، وهيامه بلغة الضاد. ومثلما كان يعاب على شاعرنا العربي الكبير أبي تمّام الطائي أنّه كان يقول ما لا يفُهم ، فكان يجيب ولماذا لا تفهم ما يُقال، فإن بعض الشعر اليوم لم يعد يُفهم. ثم إنه في نظر البعض قد أصبح شبيهاً بقطعة فنيّة زخرفية، وانصرف نحو التجزئة. وكان الشعر الحقيقي يُفهم ويُقرأ ويُستوعب قبل هذا القرن بسهولة ويسر.
الشاعر المكسيكي الكبير الراحل أوكتافيو باث – الذي شاءت الأقدار ان ألتقي به أوائل التسعينيات من القرن الفارط خلال عملي بسفارة المغرب فى المكسيك – سمعته يقول عن الشعر: ” مع كل ذلك لا سبيل إلى الخوف من زواله أو تلاشيه ، فالشّعر سيظلّ موجوداً ما دام للإنسان وجود في هذه الأرض” . ونقول نحن عن كلّ جدارة واقتناع إنّ الشّعر باقٍ بين ظهرانينا، ما دامت تشهد بلداننا مهرجانات شعرية كبرى ناجحة ، وما دام هناك بيننا حرّاس، وساهرون، وعشّاق للشّعر ما فتئوا يصدحون كلّ يوم بعذب الكلام وحلوه .
ورحم الله شاعرنا العربي القديم الحطيئة إذ قال :
الشّعرُ صَعبٌ وطويلٌ سلّمُهْ / إذا إرتقى فيه الذي لا يعلمُهْ
زلّت به إلى الحضيض قدمُهْ / يريد أن يعربه فيعجمهْ .


*كاتب وباحث ومترجم من المغرب، عضو الاكاديمية الأسبانية الأمريكية للآداب والعلوم بوغوطا كولومبيا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى