أدب وفن

«القرنة البيضاء».. إلى حضرة الوطن/ بقلم الكاتبة سمر قرة

«القرنة البيضاء».. إلى حضرة الوطن

هنا، في هذه البقعة المنهكة، حيث المسروقون يدافعون عن اللصوص حتى آخر قرشٍ في جيوبهم الخاوية، وحيث الضحايا يقضون أعمارهم في إثبات أنهم ليسوا قتلة، وحيث العقول تبحث عن رؤوسٍ تسكنها، والقصائد تبحث عن شعراء يليقون بها… يفتح المخرج يحيى جابر جرح الذاكرة اللبنانية، ويجبرنا على مواجهة كل ما هربنا منه طويلاً تحت وطأة “العفو العام” الذي تحوّل إلى عفوٍ مشؤوم عن الذاكرة.
فهل «القرنة البيضاء» حقاً هي حكاية “إهدن” وحدها، أم رواية منطقةٍ في مواجهة أخرى، أم استعادة لتاريخٍ محليٍّ محدود؟ أم إنها حكاية الإنسان اللبناني الذي فقد ذاكرته الجماعية، ثم اكتشف أن ضياعها كان أثمن وأخطر ما خسره؟
إن هذا العمل المسرحي ينبش الماضي من أجل الفهم، ويستحضر التاريخ ليسألنا بمرارة: ماذا فعلنا بكل تلك التضحيات؟ وكيف تحوّل وطنٌ مليء بالبطولات إلى مسرحٍ للكوميديا السوداء، حيث القاتل والقتيل يحتفلان بالجريمة نفسها، وحيث المنتصر والمهزوم يقفان على الخراب ذاته؟
أما ماريا دويهي، تلك القديرة، فلم تكن تؤدي أدواراً بقدر ما كانت تستحضر أرواحاً كاملة عانت وعاشت. امرأةٌ واحدة تحوّلت على الخشبة إلى نساء كثيرات؛ إلى قاصرات و أمهاتٍ وجدّاتٍ، إلى عاشقاتٍ ومنسيات..والى الكثيرات ممن لا صوت لهن. حملت تاريخاً بأكمله في نبرة صوت، ووطناً كاملاً في التفاتة عين. كانت تتنقّل بين الشخصيات بعفويةٍ مدهشة وقوةٍ آسرة، جعلت الجمهور ينسى أنه يشاهد ممثلة، ويشعر أنه يصغي إلى ذاكرة وجعٍ تتكلم.
وفي هذا العمل تحديداً، تستعيد المرأة مكانها الحقيقي بوصفها شاهدة التاريخ وصانعة البقاء. فبينما كتب الرجال حروبهم بالرصاص والدمار، كانت النساء يكتبن حكايات الاستمرار. لكن الوجع النسوي الذي أضاءته الخشبة – ونحمله في وجداننا لأننا نساء شرقيات – يتجاوز دمعة الأم الصابرة أو لوعة الزوجة المنتظرة؛ إنه وجع “المواطَنة المغيبة” في زمن السلم، الوجع النازف من قوانين مجحفة، وعنفٍ اقتصادي ممارس خلف الجدران المغلقة، وسلطةٍ ذكورية تحرم المرأة حتى من حق منح اسمها وجنسيتها لأولادها.
لم تبكِ ماريا على المسرح موتاً ذكورياً، ماريا صرخت بوجه منظومة كاملة تصادر هوية المرأة وتحصرها في دور الضحية الأزلية. إنه عملٌ نسويٌّ عميق لأنه ينزع القدسية عن “الصمت والصبر”، ويحوّل ألم المرأة الشرقية من حالة استسلام قدري إلى أداة احتجاج ووعي عارم.
لذا، ما يفعله يحيى جابر هنا، وتجسده دويهي ببراعة، لن نعتبره كتابة نص مسرحي وحسب، فهو في حقيقته ومضمونه تحريكٌ للغبار عن الأجزاء المنسية والمخفية في وعينا الجماعي. إن هذا العمل الجبار يعيد إلينا الأسئلة التي دفناها تحت أنقاض الحرب، ويذكّرنا بأن أخطر أنواع النسيان أن ننسى أنفسنا وإنسانيتنا.
خرج كثيرون من المسرح وهم يضحكون ويبكون في آنٍ واحد، وهذا تحديداً ما يفعله الفن العظيم والمؤثر: يهزّك بعنفٍ ليوقظك، ويحتضنك في اللحظة نفسها. يصفعك بالواقع والحقيقة العارية، ثم يمنحك دفء المصالحة معها.
«القرنة البيضاء» عرض مسرحي ناجح و شهادة إنسانية نادرة وصادمة على زمنٍ لبنانيٍّ متشظٍّ، ومحاولة شجاعة لإنقاذ الذاكرة وكرامة الإنسان من الموت البطيء. إنها من تلك الأعمال القليلة التي تبدأ عند إسدال الستارة… تبدأ هناك، في الداخل، حيث يجلس كل واحدٍ منا وحيداً أمام تاريخه ومرآة نفسه، ويسأل للمرة الأولى منذ زمن:
ماذا نسينا؟ ومن أصبحنا بعد كل هذا النسيان؟ وكيف نستردّ ذواتنا؟

المصدر / العالمية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى