أدب وفن

ما هو التشيؤ

د. محمد مسلم جمعة

ما هو التشيؤ ؟
التشيؤ هي العملية التي يتم خلالها من جعل مفهوم تجريدي الأقرب الى الموضوعية بأكبر قدر ممكن في أبسط أشكال المصطلح. كما أنه يتم النظر إليه كذلك كما لو كان شيئًا راسخًا أو ماديًا. وفي هذا الإطار، يكون المصطلح مرادفًا للمصطلح التحويل إلى أدوات.
كما يستخدم هذا المصطلح كذلك لوصف التعامل مع البشر كشيء، مع تجاهل شخصيته أو الإحساسية. وقد قالت الفيلسوفة مارثا نوسبام ،رفض الذاتية – إذا كان يتم التعامل مع الشيء كما لو لم تكن هناك أي حاجة إلى إظهار الاهتمام بمشاعر وخبراته .ويمكن القول ببساطة شديدة بأن التَشيُّؤ هو أن يَتحوَّل الإنسان إلى شيء تتمركز أحلامه حول الأشياء فلا يتجاوز السطح المادي وعالم الأشياء. والإنسان المُتشيِّئ إنسان ذو بُعد واحد قادر على التعامل مع الأشياء بكفاءة غير عادية من خلال نماذج اختزالية بسيطة، ولكنه يفشل في التعامل مع البشر بسبب تركيبيتهم. والإنسان المُتشيِّئ إنسان قادر على الإذعان للمجردات المطلقة وأن يتوحد بها ويتصرف على هديها. وهذا وصف جيد للإنسان الطبيعي الرشيد، الذي يعيش حسب قوانين الطبيعة – المادة والمطلقات العلمانية الأخرى التي تُعدُّ تنويعاً على الطبيعة – المادة .

  • ومفهوم التشيؤ لدى (هربرت ماركوز) (1898 -1979) (Herbert Marcuse ) ، إذ نعمد من خلاله إلى تحديد أشكاله التي تعكس آليات السيطرة بالنسبة للنظام الرأسمالي المعاصر. ولكن، كون أن طبيعة موضوعنا يتلخص في إبراز طبيعة العلاقات الإجتماعية القائمة بين الناس في ظل المجتمعات المعاصرة المتقدمة صناعيا ، استوجب علينا، أولا قبل كل شيء، استنطاق معاني كتابات أهم الفلاسفة الذين تطرقوا قبل ماركوز لتحليل ونقد نمط الحياة الذي تقوم عليه المجتمعات البرجوازية، والتي مارست تأثيرا عميقا في نشوء النظرية النقدية الإجتماعية. ومن بين هؤلاء سنركز على نقد (كارل ماركس )- (1818- 1883) (Karl Marx) لظاهرة الإستغلال وصنمية البضاعة التي حولت الإنسان إلى كائن مغترب عن نوعه الإنساني من جهة، ثم ننتقل إلى فكرة تشيؤ القيم الإنسانية من منظور (جورج لوكاتش) – (1885- 1971) (Goerg Lukács )من جهة أخرى. @سنقوم بالتركيز على ظاهرة اغتراب العامل داخل المصنع ، نظرا لكونها تعكس الوضع السيئ الذي يعيشه العامل داخل المصنع الذي يشتغل فيه ، كما تعبر أيضا عن تحول ناتج النشاط إلى شيء غير متوقف على الانسان ومسيطر عليه، وكذلك عن تشوه طابع النشاط البشري، بحيث يفقد مضمونه الخلاق، ويتجرد الإنسان من شخصيته.
  • – التشيؤ اصطلاحاً يعني التحوّل إلى أشياء وأدوات بالمفهوم المادي ، وفي المفهوم الاجتماعي يدل على تحول العلاقات بين البشر إلى ما يشبه العلاقات بين الأشياء ، ومعاملة الناس بعضهم بعضاً بعدِّهم أشياء مجردة. وعلى نطاق أوسع يعني مصطلح “التشييء” معاملة الشخص كسلعة بغض النظر عن شخصيته أو كرامته. ويتحول الإنسان إلى شيء متصنِّم وسلعة قابلة للبيع و الشراء ، وتصبح العلاقات البشرية قائمة على تجارة المنفعة و استهلاك القيم. ويعتبر “جورج لوكاش” أول من بحث في موضوع التشيؤ في الفكر الفلسفي المعاصر. وهو يرى أن التشيؤ يُحول العلاقات الإنسانية في ظل هيمنة النظام الاقتصادي الرأسمالي إلى أشياء جامدة وخاضعة لمنطق التبادل التجاري بالصورة التي يتحول فيها البشر إلى سلع ، بحيث يخضعون لقوى خارجة عن إرادتهم. كما يخلق التشيؤ بنى اجتماعية خارجية يصبح بنو البشر دمىً لها. وفي ظل النظام المتشيّئ يتحول كل شيء إلى سلعة قابلة للبيع والشراء وفق مبدأ المنفعة ، إذ يسعى كل فرد للحصول على السلعة التي يحتاج إليها مقابل التنازل عن السلعة التي يمكنه الاستغناء عنها ، وهنا تصبح مقولات الفن والجمال والأخلاق والحب والدين مفاهيم مجردة يمكن تجسيدها عبر سلع قابلة للتبادل الآلي البحت.
    • إن تشييء المرأة هو الأكثر بشاعة وإهانة للإنسانية جمعاء ، و يعد امتداداً للعبودية التي عانى منها الإنسان قديماً. ومن أساليبها المقيتة المتمثلة بامتلاك المصير ونفي الحرية والعدالة وإهانة القيم الإنسانية ، وتفريغ الذات من جوهرها الأصيل ، و تحويل العلاقات بين العبد و المالِك لعلاقة تسليع تتضمن عقوداً شرائية من أجل المنفعة والاستغلال. ويبقى الجسد علامة الوجود الإنساني المحسوسة ، إضافة إلى الخصوصية التي أضفتها عليه القيم الأخلاقية والدينية والاجتماعية. بيد أن هذا كله لم يمنع من انحدار جسد المرأة عالمياً ومحلياً إلى وادي التشيؤ ، واتخاذه سلعة للترويج الإعلاني والجذب التلفازي. ومن هنا لا نجد غرابة في استخدام نجمات الاستعراض أجسادهن على تطبيقات التواصل الاجتماعي ، صوراً ومقاطع فيديو من أجل كسب المال ، وعدّ ذلك عملاً تجارياً مناسباً.
      ولعل تشييء جسد المرأة ومعاملتها بوصفها أداة للمتعة الجنسية هو أخطر مظاهر التشييء ، ويزيد في خطورته استشراء هذه العدوى لتصيب المرأة العربية دون وازع أخلاقي أو رادع اجتماعي.
  • وفي حين ترى غالبية النساء أن تشييء المرأة هو أمر مسيء ويبعث على الأسى ، فإن بعضهن ولاسيما الفنانات والراقصات يعبّرن عن أنفسهن بقبول التشييء للدلالة على تمكنهن في المجتمع الذي يعشن فيه. ولا تجد بعض الفنانات حرجاً بالقول إنهن مرغمات على العيش بواقع لا يتناسب مع مشاعرهن ، وأنه لولا المؤهلات الجسدية لما حصلن على الشهرة والعالمية. و ذهبن إلى القول بأن الجمال لم يعد هو المعيار الأول ، فهناك معايير أهم من الجمال. هذه المعايير أصبحت مجسدة في الفيديو كليب ، على سبيل المثال لا الحصر ، الذي يختزل الأنثى إلى بعد واحد هو جسدها ، الذي يصبح المصدر الوحيد لهويتها. هذه الهوية تظهر من أجل إشغال المشاهِد بأشياء أخرى لا علاقة لها بالأغنية ، وتكاد المغنية تغني بكامل أعضائها قبل حنجرتها ، ويضيع صوتها تحت ضربات الآلات الموسيقية والمؤثرات الصوتية. مما يجعل المشاهِد يستسلم لإغواء الصورة ، لاسيما إذا كانت تُجسِّد المرأة نصف أو ربع عارية.
    يقول إريك فروم في كتابه “كينونة الإنسان” : إن الأشياء التي يصنعها الإنسان تدخل هي نفسها في تشكيله. هكذا تغدو قيمة الإنسان في قابليته للبيع ، بعدما تحول كل شيء للبيع ، ليس للسلع والخدمات فحسب ، بل الأفكار ، والفن و الابتسام ، والقناعة… وأصبح إنسان اليوم مغرماً بالأجهزة التقنية أكثر من غرامه بالبشر وقضايا الحياة الحقة. والإنسان الذي تشيأ بات يشعر بأنه سجين ذاته ووحدته وقلقه ، حتى صارت الحرية تخيفه !.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى