نص ولوحة الفنانة التشكيليّة لميا لبّان جمّول

نص ولوحة الفنانة التشكيليّة لميا لبّان جمّول، مهداة لمتابعي صفحة تراث بيروت.
“رائحة الفجر و البركة”
مع خيوط الفجر الأولى في بيروت القديمة، كان صدى صوت الفوّال يخرق صمت زواريب الحيّ العتيق، وهو يقف خلف قِدَره النحاسيّة اللامعة ملوّحًا بملعقته الكبيرة، وينادي المارين بعباراته الشهيرة: “قرّب يا غالي.. قرّب ودوق! الفول عنا مثل اللوز ودايب مثل الزبدة! صباحك مدمس وزيتك ذهب!”
شكّلت دكان الفوّال قديماً ركناً أساسيًّا في التراث الشعبيّ البيروتيّ، فما إن يرتفع نداؤه الصباحي حتى تتدفق الحياة في أرجاء الحي، وينجذب المارة والعمال وبعض المصلّين الخارجين من المساجد؛ نحو الرائحة الزكية المنبعثة من دكانه البسيط. كانت الرائحة مزيجاً ساحراً من أريج الثوم الساخن، والكمون، وعصير الليمون الحامض، وزيت الزيتون البكر الذي يطوف فوق الأطباق بلونه الذهبي.
كان الفوال قديماً بمثابة قلب الحيّ النابض حيث يقف ببراعة وخفّة خلف رخامته؛ بمئزره الأبيض وابتسامته المضيافة، يغرف من قِدره الضخمة التي نضجت حباتها طوال الليل على نار خفيفة هادئة. لم تكن المسألة مجرد إعداد طعام، بل طقوساً تدار بعناية؛ من دق الثوم في الهاون الخشبي، إلى سكب الفول في الصحون الفخارية العتيقة، وتزيينها بالبقدونس المفروم، وتقديمها إلى جانب المخللات (الكبيس) والبصل والنعناع، وأرغفة الخبز الساخنة الطازجة من أفران الحيّ.
تجاوزت هذه الدكاكين البسيطة بطاولاتها الخشبية وكراسيها القش حدود بيع الطعام، لتصبح ملتقى إنسانيًّا فريدّا يلغي الفوارق الاجتماعيّة في بيروت. فعلى مقاعدها، كان يجلس “البيك” والوجيه إلى جانب العامل البسيط وابن السبيل، يتشاركون اللقمة ذاتها، ويتبادلون الأخبار والأحاديث اليوميّة وسط أجواء من البركة، والإلفة، والشهامة البيروتيّة الأصيلة التي جعلت من الفوّال رمزاً لزمن الطيبة والبساطة.
دكان الفول “السوسي” افتتح أول فرع له في شارع ويغان بوسط بيروت التجاري سنة 1890، ثمّ انتقل قسرًا إلى منطقة طلعة شحادة، بالقرب من شارع مار إلياس، بعد اندلاع الحرب الأهليّة عام 1975.
ما اسم الفوّال ودكانه في حيّكم ومنطقتكم؟

Acrylic on canvas 18” x 24”




