كارولين زعرب طايع* : لقد علمني الفيلم أن الحنين ليس اشتياقاً للماضي فقط، بل هو خوف من المستقبل، خوف من أن نعود فلا نجد المكان الذي حفظ ذاكرتنا.

لا يمكن التعامل مع فيلم “سينما باراديزو” كعمل سينمائي تقليدي، فهو في جوهره رسالة حب إلى الذاكرة ومقاومة ضد النسيان. لقد أحببت هذا الفيلم لأنه لم يخاطب عقلي فقط، بل خاطب خوفي الأكبر: الخوف من أن أعود يوماً فلا أجد “الباراديزو” الخاص بي.
يرسخ المخرج منذ اللحظة الأولى لفكرة أن الزمن ليس خطياً، بل دائرياً نعود فيه دوماً إلى نقطة البداية. ويتجلى ذلك في عودة البطل “توتو” بعد ثلاثين عاماً ليكتشف أن “سينما باراديزو” قد هُدمت وتحولت إلى موقف سيارات. وهنا لم أرَ هدم سينما، بل رأيت انعكاس كابوسي الشخصي. فأنا أعيش اليوم هاجس العودة إلى ضيعتي في الجنوب، والخوف من أن أجدها كما وجد توتو سينماه: رماداً وأطلالاً. لقد علمني الفيلم أن الحنين ليس اشتياقاً للماضي فقط، بل هو خوف من المستقبل، خوف من أن نعود فلا نجد المكان الذي حفظ ذاكرتنا.
وفي قلب هذا الزمن الدائري تقف العلاقة بين “ألفريدو” و “توتو” كنموذج لأقسى صور الحب. فجملة “اذهب وحقق حلمك، ولا تلتفت إلى الوراء أبداً” ليست وصية، بل هي جنازة يقيمها المعلم لتلميذه وهو على قيد الحياة. إنها قمة الإيثار التي تقوم على مبدأ: أن تبعد من تحب عنك كي تنقذه. وقد مزقتني هذه الجملة لأنني سمعتها من أهلي حرفياً عندما أجبروا أخي على مغادرة بلدتي المحتلة قائلين: “اهرب ولا تنظر إلى الوراء”. فأدركت أن المنفى أحياناً هو شكل من أشكال الإنقاذ، وأن الحب الحقيقي قد يكون قاسياً.
أما على مستوى اللغة السينمائية، فقد شكلت موسيقى إنيو موريكوني العمود الفقري العاطفي للفيلم. لم تكن الموسيقى هنا مجرد خلفية، بل كانت هي الراوي الحقيقي للوجع. وكما أن الموسيقى اختزلت المشاعر، فقد اختزل المونتاج الزمن في مشهد الخاتمة الشهير “شريط القبلات”. لقد جمع المخرج في دقيقتين كل ما حذفته الرقابة على مدار ثلاثين عاماً، فحول الحرمان إلى انتصار جمالي جعلنا نبكي ليس على قبلة، بل على عمر ضاع بين “قص” و “حذف”.
و عن تأثير الفيلم عليّ شخصياً، أجيب بأن النوستالجيا التي أثارها لم تكن عامة. لقد استدعى الفيلم لديّ رائحة تراب ضيعتي بعد المطر، وصوت الجيران، وشجرة الزيتون التي كبرت تحتها. وجعلني أسأل مع كل مشهد: ماذا لو عدت ولم أجد الشجرة؟ ماذا لو عدت ولم أجد الرائحة؟ وفي مشهد النهاية لم أشعر بالحزن فقط، بل شعرت بسلام موجع. فتوتو لم يستعد قبلات، بل استعاد ذاته الطفولية في علبة معدنية. وهذا كل ما أتمناه: أن أجد يوماً “علبة” تحفظ لي ذاكرة ضيعتي حتى لو ضاعت الحجارة. باختصار، غلبتني العاطفة على التقنية، لأنني لم أتذكر الإخراج بقدر ما تذكرت سؤالاً واحداً: هل سأعود لأجد وطناً أم أطلالاً؟
ومع كل هذا الإعجاب، أتحفظ على الثنائية التي قدمها الفيلم بين “القرية الجنة” و “المدينة الجحيم”. فأنا أرى أن الوطن لا يُعرّف بالجغرافيا بل بالأمان. فقد تكون روما جنة لهارب من الحرب، وقد تتحول القرية إلى جحيم عند الاحتلال. الوطن يُقتل مرتين: مرة بالرصاص، ومرة بالنسيان.
وختاماً، يترك لنا تورناتوري سؤالاً وجودياً: ماذا لو كان “شريط القبلات” هو كل ما تبقى لنا من الوطن؟ حكمي على الفيلم أنه عظيم لأنه علمني درسين لا يفترقان: الأول أن أمضي قدماً كي أحقق ذاتي، والثاني أن أحمل في قلبي دائماً تذكرة عودة بلا تاريخ، لعلي أجد يوماً ما يستحق العودة إليه. فبدون الجذور، حتى لو بنينا ناطحات سحاب، سنبقى بلا طعم.
*cinema paradiso فيلم ايطالي درامي كوميدي 1988
*كارولين زعرب طايع/روائية حكواتية و كاتبة سيناريو




