أدب وفن

أينك!… حين تصبح القصيدة وطناً للغياب/قراءة نقدية في قصيدة للشاعرة ريم النقري

أينك!… حين تصبح القصيدة وطناً للغياب

قراءة نقدية في قصيدة للشاعرة ريم النقري

د. حيدر عبد الرحمن الربيعي

ليست كل القصائد تُقرأ بوصفها نصوصًا تصف العالم، فثمة قصائد تجعل من الشعر نفسه موضوعًا للتأمل، وتعيد طرح السؤال القديم: كيف تولد القصيدة؟ وكيف تتحول الكلمة إلى كائن حي يحمل الذاكرة والغياب والأسئلة؟ ومن هذا الأفق تنطلق قصيدة الشاعرة ريم النقري الموسومة بـ «أينك!»، لتقدم نصًا ينتمي إلى قصيدة النثر التأملية، حيث تمتزج اللغة بالرمز، والفلسفة بالوجدان، حتى تصبح الكتابة نفسها فعلًا وجوديًا.

الشاعرة ريم النقري

القصيدة

أينك!

تعالَ نتشارك قصيدة
نخلعُ عنها قميصَ المعنى
نتركُها عاريةً كأول كلمة
قبلَ أن تلدَها الشفاه.

تعالَ نصنعُ منها جسراً
فوق نهر الوقت
حيثُ لا ماء
ولا ضفاف
فقطْ ظلالُنا تمشي
على وجهِ الغياب.

تعالَ نوزّعُها على الريح
علّها تحملُ بعضَها
إلى ذلكَ الطفل الذي يبكي
في زاويةٍ بعيدةٍ منَ الخريطة
دونَ أن يدري
أنّ البكاءَ
أولى درجاتِ الكتابة.

تعالَ نكتبُها
بدماء الورد
ودموع الصخر
وخرير الصمتِ في وريدِ الليل
لعلَّ حرفاً منها
يصبح نبضًا
في جسد النسيان
المعلّق على جدار الغرفة
كمرآةٍ لا تعكس إلا الفراغ.

تعالَ نقرؤها معًا
لكنْ بصمت
كي لا تخونَها الأصوات
كي تظلَّ
شهقةً حبلى بالأسئلة
تلد كلَّ صباح
سؤالًا جديدًا
عن لون السماء
في غياب الغيوم.

تعالَ نتشارك قصيدة
لا تنتهي
كأنها البحر
يموت في كلِّ شطٍّ
ويولد في شطٍّ آخر
كأنها إله
يتجلّى في الشك
ويختفي في اليقين.

تعالَ
نحن وحدنا
والقصيدة وحدها
والأبد
يتسع
لحلمٍ لا يسعه
إلا هذا المساء.

ريم النقري

القراءة النقدية

تفتتح الشاعرة قصيدتها بنداء: «أينك!»، وهو ليس مجرد استدعاء لشخص غائب، بل إعلان عن نقصٍ وجودي لا يكتمل إلا بحضور الآخر. ثم يتكرر فعل «تعال» ليصبح محور البناء الإيقاعي للنص، محولًا القصيدة إلى دعوة للمشاركة في خلق الشعر، لا في قراءته فقط.

وتبدأ المغامرة الشعرية بعبارة لافتة:

“نخلع عنها قميص المعنى”،

وهي صورة توحي بالرغبة في تحرير الكلمة من معانيها المألوفة، وإعادتها إلى براءتها الأولى، قبل أن تثقلها التأويلات. إنها رؤية تجعل الشعر فعل اكتشاف دائم، لا وسيلة لتقرير المعنى.

ومن أجمل صور القصيدة قولها:

“تعال نصنع منها جسراً فوق نهر الوقت”،

إذ يتحول الزمن إلى نهرٍ بلا ماء ولا ضفاف، ويغدو الشعر الجسر الوحيد الممكن لعبور الغياب. إنها صورة تجمع بين البعد الفلسفي والشفافية الشعرية، وتمنح النص عمقًا تأمليًا واضحًا.

وتبلغ القصيدة ذروة بعدها الإنساني في قولها:

“أن البكاء أولى درجات الكتابة.”

فهنا لا تُقدَّم الكتابة بوصفها مهارة لغوية، بل بوصفها امتدادًا للألم الإنساني، وكأن أول نص كتبه الإنسان كان دمعةً قبل أن يكون كلمة. وهي من أكثر العبارات كثافة وصدقًا في النص.

كما تنجح الشاعرة في بناء صور رمزية متتابعة مثل: «دماء الورد»، و«دموع الصخر»، و«خرير الصمت»، وهي صور تقوم على المفارقة، فتمنح القصيدة طاقة إيحائية عالية، وإن كان تراكم الصور في بعض المواضع يجعل القارئ يحتاج إلى وقفات أطول للتأمل.

أما خاتمة القصيدة:

“كأنها إله
يتجلّى في الشك
ويختفي في اليقين.”

فتمثل ذروة الرؤية الفكرية للنص، حيث تجعل الشعر قائمًا على السؤال لا على الجواب، وعلى الدهشة لا على الاطمئنان. ويمكن قراءة هذه الصورة بوصفها استعارة شعرية عن المعرفة والإبداع، لا تقريرًا عقديًا، وإن كانت مفردة «إله» بما تحمله من حمولة دينية وثقافية قد تفتح بابًا لتأويلات متعددة لدى القراء.

لغويًا، تمتاز القصيدة بوضوح العبارة وانسيابها، وتعتمد على الإيقاع الداخلي أكثر من اعتمادها على الموسيقى الخارجية، بينما يحقق تكرار فعل «تعال» وحدةً عضوية تربط المقاطع جميعها بخيط شعوري واحد.

إن قصيدة «أينك!» ليست قصيدة حب بالمعنى التقليدي، بل هي قصيدة عن الشعر نفسه، وعن الذاكرة والغياب والأسئلة التي لا تكف عن التوالد. وهي تنتمي إلى ذلك اللون من الكتابة الذي يرى في القصيدة رحلةً مفتوحة نحو المجهول، لا جوابًا نهائيًا عن أسئلة الوجود.

خاتمة

تقدم ريم النقري نصًا شعريًا يكتب القصيدة من داخل القصيدة، ويجعل من الكتابة فعلًا وجوديًا يتجاوز حدود اللغة إلى فضاء التأمل الإنساني. وقد نجحت في الحفاظ على وحدة الرؤية رغم كثافة الرمز وتعدد الصور، فخرج النص متماسكًا في بنيته، غنيًا بإيحائه، مفتوحًا على قراءات متعددة. إنها قصيدة لا تطلب من قارئها أن يوافقها، بل أن يشاركها رحلة البحث، ولذلك تنتهي كما بدأت: بنداء مفتوح، لأن الشعر الحقيقي لا يسكن اليقين، بل يظل مقيمًا في الدهشة والسؤال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى