أدب وفن

تعويذة الشيخ المجذوب: سوريالية الواقع في مواجهة مرايا الوهم

تعويذة الشيخ المجذوب: سوريالية الواقع في مواجهة مرايا الوهم


ابراهيم مصطفى

لا تَقرأ رواية “تعويذة الشيخ المجذوب” للروائية -سلوى البنا- كحكايةٍ عابرةٍ أو محاولةٍ لسردِ أحداثٍ متسلسلة في سياقٍ تقليدي؛ تَعامل معها كوثيقةٍ أدبيةٍ رفيعة المستوى، تجرؤ على ملامسةِ المسكوت عنه في شقوق الواقع، وتغوص في أعماق النفس البشرية حين تضيق بها سبل العيش.

إنها محاولةٌ جريئة ومكثفة لاختزال واقعٍ سورياليٍّ مأزوم في قالبٍ سرديٍّ مبتكر، لا يعترف بالحدود الفاصلة بين الحلم والحقيقة، ولا بين المسرح والرواية، إذ يدمجها في نسيجٍ واحدٍ يتحدى القارئ أن يحدد أين ينتهي الخيال وأين يبدأ الوجع الحقيقي.

إن هذه السوريالية ليست مجرد خيار فني، إنما هي انعكاسٌ لحالة انكسار مجتمعي وسياسي عميق، حيث انهار الفكر العقلاني أمام سطوة الغيبيات، مما جعل “ممالك الأحلام” الملاذ الأخير لضحايا واقعٍ لم يعد يحتمل المواجهة.
تمتلك الرواية سطوةً تبدأ من العنوان نفسه، وتتغلغل في تفاصيل تلك الممالك التي ترسمها البنا ببراعة الرسام الذي يرى ما لا يراه الآخرون. هذا العالم الذي تشيده الكاتبة ليس مجرد فضاءٍ خيالي، إنما هو انعكاسٌ لخواءٍ روحيٍّ عام وواقعٍ متهالك، حيث يلجأ الناس إلى “الشيخ المجذوب” – ذلك الرمز الغامض الذي يمثل حالةً من القداسة الزائفة والسطوة المرعبة – بحثاً عن إجاباتٍ لأسئلةٍ لم يجرؤوا على طرحها أمام مرآة ذواتهم. هنا، تكتسب الرموز المادية كالبخور والتعويذة أبعاداً سيميائية تتجاوز وظيفتها التقليدية، لتصبح أدواتٍ للهيمنة الفكرية وأدواتٍ استلابٍ يستخدمها الشيخ لتكبيل عقول التائهين، بينما تظل الحقيقة غائبةً تماماً خلف دخان البخور الكثيف وأقنعة الشخصيات المتعددة التي تتقن فن التخفي. إن “ممالك الأحلام” تشكل مسرحاً كبيراً يغصُّ بقوافلِ الحالمين واليائسين، الذين يفرون من حفر الواقع ومطباته إلى سراديب هذا الشيخ، باحثين عن تعويذةٍ تمنحهم القوة أو النفوذ أو الخلاص، مدركين في أعماقهم أنهم جزء من آلة الوهم الكبرى.

غلاف رواية” تعويذة الشيخ المجذوب” للروائية سلوى البنّا

تتجاوز الشخصيات في الرواية حدود الأبطال التقليديين لتصبح وجوهاً متعددةً للصراع الإنساني في أبهى وأقسى تجلياته. يبرز “نور الدين ابن خضرا البرقوقي” كنموذجٍ للمثقفِ المأزوم، الذي قضى ثلاثين عاماً يلهثُ خلف حلمٍ مراوغ، ليجد نفسَه في النهاية واقفاً أمام “الشيخ المجذوب” بحثاً عن مفتاحٍ مفقود؛ إنه يمثل صراعَ الفردِ المستمر مع طموحه القاتل، وفشله الذريع في مواجهةِ الحقيقة المرة التي ترفض الاعتراف بجدوى هذا الانتظار…
في مقابل هذا السعي، تبرز “روجينا” (أم العضام)، التي قد تُعتبر الشخصية الأكثر إثارة للجدل، فهي “المجنونة” التي تحمل في جوفها حكمةَ المقهورين، وهي الشاهدة على كلِّ شيءٍ يحدث في الخفاء…
تتبدل هويتها وتتحول من ضحيةٍ في مزرعةٍ موحشةٍ إلى أميرةٍ في بلاط الأوهام، لتكون الخيطَ الرفيع الذي يربط بين عوالم الرواية المتناثرة، مجسدةً التحول الدائم للهوية تحت ضغط القهر. أما “لولا” (نجمة)، فتجسد الطبيبة التي خلعت رداءَ العلم لتلبس رداءَ الغموض، في صراعٍ دائمٍ لإثبات ذاتها في عالمٍ لا يعترف إلا بالقوة والسيطرة.

هي ليست مجرد شريكةٍ لـ “جو” (المجذوب) في هندسةِ الأحلام، إذ تحمل في عينيها نذيرَ تمردٍ يوشك أن يقلب الطاولة على الجميع، في إشارة إلى هشاشة هذه المنظومة الوهمية أمام أصغر ذرة وعي.

يتمثل جوهر قوة العمل في التداخل الفني والأسلوبي؛ إذ تكسرُ -سلوى البنا- القوالبَ المتعارف عليها في السرد الروائي، وتكسر جمودَ النص.

الروائية سلوى البنّا

إن مزجها بين الرواية والمسرح، وتنقلها ببراعةٍ بين الماضي والحاضر، وترك المستقبلَ مفتوحاً على كل الاحتمالات، ليس مجرد خيارٍ فنيّ، غير أنه محاكاةٌ أدبيةٌ لواقعٍ مشتت، حيث لا يمكن استعادةُ الحقيقة إلا عبر تفتيتِ السرد وإعادة تركيبه من جديد. إن الحوار في الرواية لا ينقل الأحداث فحسب، إنما يكشف تصاعد الصراع النفسي، حيث تتأرجح اللغة بين المونولوغ الداخلي والخطاب الدرامي، مما يمنح الرواية إيقاعاً مسرحياً يحاكي حركة الشخصيات بين أمكنة ضيقة موحشة (كالسراديب) وأمكنة متخيلة فسيحة (كالبلاط والممالك)…

هذا الإرباك المتعمد يجعل القارئ بطلَ الرواية الحقيقي؛ ففي نهاية المطاف، تضعنا البنا أمام حقيقةٍ مفادها أن القارئ هو وحده من سيكتشفُ الحقيقة المخبوءة بين السطور…
الرواية ليست مجرد نصٍّ يُقرأ وتطوى صفحاته، إنما هي “تعويذةٌ” بحد ذاتها، تقتحمُ سراديبَ النفسِ البشرية بعنفٍ وهدوءٍ في آنٍ واحد، وتعرّي الأبطالَ من زيفهم وادعاءاتهم. والوطن، ذلك الغائب الحاضر، يطلُّ بقوةٍ في طيات النص، ليس كجغرافيا فقط، إنما كمرارةِ فقدٍ وعشقٍ يفوحُ برائحةِ اللوز والزعتر، حتى وسط هذا السورياليّ القاتم الذي يغلُف المشهد…
“تعويذة الشيخ المجذوب” دعوةٌ مفتوحة للقراءةِ المتأملة؛ دعوةٌ لنتساءل بصدق: هل نحن فعلاً من يصنع أحلامنا ويخط مسارات حياتنا، أم أننا مجردُ بيادقَ في مملكةٍ يديرها “شيخٌ مجذوب” لا نكفُّ عن صناعته بأيدينا وتغذية وهمه بأرواحنا؟.

وختاماً، تظل “تعويذة الشيخ المجذوب” عملاً يغرد خارج السرب الروائي التقليدي، فهي ليست مجرد سردٍ للأحداث، وإنما تجربةٌ أدبيةٌ متكاملة تضع القارئ أمام مرآةٍ عاكسةٍ لزيف الواقع ومتاهات النفس البشرية…

إن نجاح -سلوى البنا- الحقيقي يكمن في قدرتها على تحويل النص إلى فضاءٍ سورياليٍّ يجمع بين المسرح والرواية، مما يجعلها وثيقةً أدبيةً تتجاوز حدود الورق لتلامس الأسئلة الوجودية الكبرى حول الحرية، والوهم، ومحاولات الإنسان المستميتة للبحث عن معنى في عالمٍ يغلّفه الغموض.

إنها دعوةٌ صريحةٌ للقارئ ليخرج من دور المتلقي السلبي ويصبح شريكاً في فك طلاسم “التعويذة”، مدركاً في نهاية الرحلة أن الشيخ المجذوب الذي يسعى الجميع خلفه، ما هو إلا انعكاسٌ لمخاوفنا ورغباتنا التي نصنعها بأيدينا..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى