أدب وفن

الشاعر الدكتور كمال خير بك ، الشاعر الرائي ورائد الحداثة !

الشاعر الدكتور كمال خير بك ، الشاعر الرائي ورائد الحداثة !

أنطوان يزبك*

يكثر الكلام في السنوات الأخيرة حول جدوى الفكر والأدب و خصوصا الشعر و أهميته في معرض التأثير على الوجدان الجمعي لدى الناس و نهضة الأمم .
طُرحت هذه التساؤلات بعد أن طوى العالم الربع الأول من القرن ال21 و بتنا نتخبّط في أزمات كبيرة ، وحروب غير مسبوقة في عنفها و عبثيتها، حروب قضت على الفكر و النقد والعقلانيّة العلميّة كما قضت على الإنسان في كلّ تجلّياته .
أثّرت الأزمات المصيرية، بصورة جذرية على المستوى العلمي والتربوي في كل نواح الأمة ، وصار لدينا أجيالٌ جديدة ، استُحدثت من أجلها مدارس و مناهج تدرّس العنف الديني والحقد و التفرقة بهدف خلق شعوب (جديدة ولكن متخلّفة ) تفبرك قنابلها الموقوتة بنفسها لكي تنفجر بصانعيها و تفجّر معها قيم المجتمعات ومعها الحريّة ، شعوب برمّتها جاهلة آخرتها الفناء بأبشع صورة .

أما إذا عدنا إلى القرن الماضي سوف نجد جوّا مختلفا ، و ثقافة أكثر و وعي الإنسان لقوميّته وعيا تامّا ، إذ بلغت الحداثة الفكريّة أعلى القمم في أواسط القرن العشرين ، خاصة مع ظهور شعراء وأدباء من مثل الشاعر والدكتور في الأدب العربي كمال خير بيك .

هذا الشاعر كان ولا أدنى شك شاعرا رائيا ، كما كان الزعيم أنطون سعادة في فكره و عقيدته والرائي في الأدب هو من يرى إلى سنين و قرون قادمة في المستقبل القريب والبعيد ، وكأنه ينظر من خلال زجاج بلوري شفاف ناصع ، يعرف ما سَيؤول إليه المستقبل ويصفه بوضوح شديد . الشاعر والأديب كمال خير بيك هو ركن أساسي ومؤسس وفاعل في الأدب العربي الحديث شعره يظهر بوضوح مدى قدرته على وصف الواقع الحالي في زمانه والمستقبل الذي نعيش فيه الآن وحتى الأيام المقبلة .
في أبناء أمتنا روحٌ خارقة تتحدى المادة وتتمظهر في الفكر الذي حمله أدباء و شعراء كثيرون و على رأسهم الشاعر كمال خير بيك، الذي ترك علامة فارقة في تاريخ الأمة وتاريخ آدابها ، طبعا لن تكفي هذه المقالة المتواضعة لإظهار مدى أهمية الأديب والشاعر كمال خير بيك فهو احترف الكلمة نظما و إلقاءً منذ أن كان إبن خمس عشرة سنة . لكن سوف نحاول أن نلقي بعض الضوء على نماذج من قصائده المهيبة والتي كلما قرأناها، كلما أدركنا مدى راهنيتها وحداثتها و وضوحها في التلاقي مع أوضاع عصرنا . استعمل الشاعر في قصائده لغة أنيقة راقية وبليغة ولكنها لم تكن معقدة أو طلسمية يفهمها القراء و يستمتعون بسلاستها و وضوحها .

يقول الشاعر كمال خير بيك ، في قصيدة نهر الغضب :

نهر من الدمع، أم نهر من الغضب؟ من أيقظ الجرح في صدري وفي كتبي
مرّت قوافلكم في الليل فاختلجت أوتار حزني في أعماق مغتربي…
………..
لكن ناري لم تخمد ولم تغبِ
اليوم أرجع والأجراس ساهرة
بين المقابر، والأنقاض، والخربِ
أعود نحوكم من بعد ما عبرت
قوافل الحزن والآلام والغضبٍ خمسون عاما وما زالت جراحكم تسقي الرمال بلا شكوى ولا عتبِ .

ما أشبه اليوم بالأمس ، وكأن الشاعر كمال خير بيك لا يزال بيننا يشهد على مآسي أبناء أمتنا ، الهدم والخراب والمقابر والضحايا، آلاف مؤلفة ، والجراح لا تزال نازفة تسقي الأرض دماء غزيرة والشعب صامت صمت القبور ، لا يعرف كيف يثور وكيف يهبّ مكسرا أغلاله ، واقفا وقفة واحدة في مواجهة الطغيان.

كما يزيد قائلا أيضا في القصيدة عينها :
يا قدس عفوك … صك البيع مهزلة
بلا رصيد سوى التهريج والكذب …
…………

في هذه الأبيات جرعة وطنية تكفي الأجيال القادمة لألف ألف سنة مقبلة لعلّ الضمير يستفيق ونصل إلى مرحلة التغيير تمهيدا للوصول إلى برّ الأمان ….

في قصيدة قصر الجريمة يقول الشاعر كمال خير بيك :

أتخموني، أتخموا مستقبلي
بسراب الأمل .
جوَّعوني ، جوّعوا حزني الخصيب
بالهتافات العقيمة
و بنوا ، في كوخي الحرّ الحبيب،
ألف قصرٍ للجريمة .

هي أبيات لا حاجة لنا أن نشرحها فهي تشرح ذاتها من ذاتها ، تظهر حقيقة الأنظمة التي لا تبيعنا سوى الكلمات حتى التّخمة اللفظية وفي الواقع لاشيء يشبع من جوع يبقى الوجع وجعا والخراب خرابَ و المقابر مشرعة الأبواب…

في قصيدة الصنم المهاجر يقول الشاعر كمال خيربيك :

ها أنذا ، يا أفقي الحميم ،
يا شواطئي المسافرة ،
أعاشر اللهيب كلّ برهة
لعلّ في اللهيب شرفة على غدٍ على يدٍ
تخطفني ، تطلقني
من عتمتي ،من كفني
من عالمي المعفّن
لعلّ فيه مديَة صدِئة
تجرحني
تذبحني
تصبّ ، في عمائقي،
منائرًا جديدة مصائرًا جديدة تحيلني عواصفا وأحرفا
وحشيّة الحرائق .

هذه الحرائق المندلعة في كلّ مكان في بلادنا من يخمدها ؟
من يمدّ اليد لإنقاذ البلاد التي أعطت يوما الحضارة فأراد الوحش الغازي حرقها و تدميرها كي لا تنهض الحضارة من جديد وكي لا تحتسب بلادنا ، بين عديد بلدان العالم ، إلا وهي منكوبة مدمّرة قاحلة ، أرض يباب أو حتى أقلّ !

*كاتب و باحث لبناني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى