أدب وفن

هل النهايات لذيذة؟ — حين يتحوّل الحب إلى مقاومة للغياب

هل النهايات لذيذة؟ — حين يتحوّل الحب إلى مقاومة للغياب

د. عبدالكريم بعلبكي / لبنان

في هذه القصيدة للشاعرة والكاتبة التونسية سليمى السرايري، لا تبدو النهاية مجرّد خاتمة لعلاقة عاطفية، بل تتحوّل إلى سؤال وجودي مفتوح: هل يمكن للحب أن يمنح النهاية مذاقًا مختلفًا؟ ومن هذا السؤال تنطلق الشاعرة في بناء كتابة شديدة الكثافة، تتداخل فيها الرومانسية مع الحلم، واللذة مع الفقد، والحميمية مع واقعٍ خارجي “لا يعترف بالحب”.
ومن زاوية أدبية، تحمل القصيدة قابلية عالية للقراءة والتداول؛ لأنها تجمع بين اللغة الشعرية الحديثة والصورة الحسية والسؤال الفلسفي، وتضع القارئ أمام تجربة عاطفية تتجاوز الخاص إلى معنى إنساني أوسع: التمسك بالفرح في عالم يهدد المشاعر بالانطفاء.
الصورة الشعرية بوصفها قلب القصيدة
من أجمل الصور قول الشاعرة:
“نحن من نرث السماء
وننزلق كطفلين في الاحتراق”
هنا تتحول السماء إلى ميراث للحبيبين، بينما يأتي “الاحتراق” بوصفه حالة عشق كاملة؛ فالانزلاق لا يحدث نحو النجاة، بل نحو نار الشوق، في صورة تجمع البراءة والخطر.
وتبرز صورة أخرى شديدة الجمال:
“وأنا همسة مساء على شرفة التيه
أضاعت طريق عودتها إليك”
إنها صورة تجمع الرقة والضياع؛ فالـ”همسة” كائن صوتي خافت، لكن الشاعرة تمنحها مكانًا هو “شرفة التيه”، فتجعل الضياع حالة معلّقة بين الرغبة في العودة واستحالة العثور على الطريق.
أما قولها:
“أنت بستان متسع في مداي”
فهو من الصور المركزية في القصيدة؛ إذ يتحول الحبيب إلى بستان، بينما يصبح المدى فضاءً مفتوحًا للاحتواء والامتداد. وفي المقابل تقدم الشاعرة ذاتها بوصفها نايًا أسطوريًا، فتتحول العلاقة إلى موسيقى تحتاج إلى من يعزفها كي تكتمل.
وتتوالى الصور المضيئة:
“قصائد السكر التي فاضت من كؤوس المنى”
وهي استعارة حسية تجعل الأمنيات شرابًا، والشعر فائضًا من كأس الرغبة.
وكذلك:
“خذ من ألوان عيني ما يكفي للعتمات”
صورة جميلة تقلب المعادلة المعتادة؛ فالعين هنا ليست نافذة للرؤية فحسب، وإنما مصدر ضوء قادر على مقاومة العتمة.
ومن أكثر الصور اختزالًا للتيه:
“لعنوان بلا شارع”
فالعنوان عادةً يقود إلى مكان، أما هنا فقد بقي العنوان بلا طريق، لتصبح الرحلة نفسها تعبيرًا عن ضياع داخلي لا عن انتقال مكاني.
من الحب الخاص إلى الهمّ الإنساني
يتسع البناء الشعري في مقطعه الأخير من ثنائية الحبيب والحبيبة إلى فضاء أكثر رحابة، حين تقول الشاعرة إنهما يؤديان طقوسهما:
“على أرض لا تعترف بالحب
ولا تؤمن بالمشاعر التي تكبر كالسنابل”
وهنا تتحول السنابل إلى استعارة للمشاعر النامية؛ فهي لا تبقى حبيسة القلب، بل تكبر وتطير، تمامًا كما تقول:
“تطير في السماء كاليمام”
لكن المفارقة القاسية تأتي في:
“ثم تُغتال كالشهداء”
لتنتقل الصورة من الرومانسية إلى المأساة، ومن الحب الفردي إلى فضاء إنساني مثقل بالعنف والفقد. ومع ذلك لا تنتهي القصيدة بالموت، بل بولادة رمزية جديدة:
“لتتحول إلى عصافير خضراء
تؤمن أن السماء قريبة.”
وهذه ربما أجمل مفارقات القصيدة: ما يُغتال على الأرض يمكن أن يستعيد حياته في السماء. وهكذا تصبح النهاية، رغم كل ما يحيط بها من خوف وضياع، ليست إغلاقًا تامًا، بل احتمالًا للتحول والانبعاث.
في نهاية المطاف
“هل النهايات لذيذة؟” قصيدة تقوم على مفارقة أساسية: كلما اقتربت النهاية، ازداد التعلق بالحياة والحب. لذلك لا تبحث الشاعرة عن إجابة مباشرة لسؤالها، بل تجعل القصيدة نفسها مساحة لتجريب هذه النهاية، وتغمرها بالورد والعطر والموسيقى والضوء والسنابل واليمام.

إنها كتابة تستثمر الحواس والأسطورة والطبيعة والموسيقى لتقول إن الحب، حتى حين يُحاصر بالغياب، يستطيع أن يخلق لنفسه سماءً أخرى؛ وأن أجمل ما في النهاية ربما ليس لذتها، بل قدرتها على أن تفتح بابًا نحو بداية جديدة.

القصيدة:
هَلِ النِّهَايَاتُ لَذِيذَةٌ؟
دَعْ عَنْكَ مَا يُقَالُ فِي الْجَلَسَاتِ السِّرِّيَّةِ
وَلَا تُصْغِ لِلْأَفْوَاهِ الْهَوْجَاءِ
كُلَّمَا أَسْكَرَنَا الشَّوْقُ نَبِيذًا
وَغَرَقْنَا فِي الْعَطَشِ…
نَحْنُ مَنْ نَرِثُ السَّمَاءَ
وَنَنْزَلِقُ كَطِفْلَيْنِ فِي الْاحْتِرَاقِ.
قُلْ شِعْرًا وَتَعَالَ حَبيبِي،
اِنْتَبِذْ مِنَ النَّثْرِ نَخِيلًا يُغَنِّي
فَأَنَا لَا أُحْصِي عَدَدَ الثِّمَارِ الَّتِي….
وَلَا أُدْرِكُ جُنُونَ الرُّومَنْسِيِينَ
الَّذِينَ اجْتَاحَهُمْ الْحُبُّ
أَنْتَ بُسْتَانٌ مُتَّسِعٌ فِي مَدَايَ
وَأَنَا هَمْسَةُ مَسَاءٍ عَلَى شُرْفَةِ التِّيهِ
أَضَاعَتْ طَرِيقَ عَوْدَتِهَا إِلَيْكَ…
أَنَا نَايٌ أُسْطورِيٌّ مِنْ سِيمْفُونِيَّاتِ “نِينْوَى” (1)
رَاقِصْنِي إِذَنْ، كإلَاهَةٍ شَبَقِيَّةٍ،
تَرَكَتْ شُمُوعًا تَذُوبُ فِي كَنَائِسِ التَّمَنِّي
كَأُرْجُوحَةٍ مُلَوَّنَةٍ مِنْ زَمَنٍ سَعِيدٍ.
كُنْ أَنْتَ فَقَطْ،
كُنْ كُلَّ الْمُشَاهِدِ وَكُلَّ الْأَشْرِطَةِ وَكُلَّ الْأَسَاطِيرِ
وَالْخُرَافَاتِ الْقَدِيمَةِ….
وَقَصَائِدَ السُّكَّرِ الَّتِي فَاضَتْ، مِنْ كُؤُوسِ المُنَى
وَانْسَابَتْ كَحُبيْبَاتِ ضَوْءٍ فِي الْأَرْوِقَةِ…
ضُمَّنِي أَكْثَرَ، كُلَّمَا اشْتَدَّ الْفَرَاغُ
وَاقْتَبَسَتِ الْقُبُلَاتُ حَرَارَةَ الشِّفَاهِ
خُذْ مِنْ أَلْوَانِ عَيْنَيَّ  مَا يَكْفِي لِلْعَتَمَاتِ
وَمَا يَجْعَلُ اللَّيَالِي مُتَلَأْلِئَةً.
لَا تَكْتَرِثْ إِنْ قُلْتُ لَكَ سَأَرْحَلُ
مُتَأَهِّبَةً لِلضَّـيَاعِ
لِعُنْوَانٍ بِلَا شَارِعٍ
فَأَنَا لَمْ أَكَنْ أَشْتَهِي الذَّهَابَ مِنْ قَبْلُ.
فَهَلِ النِّهَايَاتُ لَذِيذَةٌ حَبيبِي
كَرَائِحَةِ الْوَرْدِ الَّذِي انْتَشَرَ
كَالْعِطْرِ الَّذِي فَاضَ مِنْ إِنَاءِ الكَوْنِ
كَشَجِرِ الْمِسْكِ الَّذِي عَبِقَ؟
اِقْتَرَبْ أَكْثَرَ مِنْ حَفِيفِ ثَوْبِي
وَمِنِ اللَّهْفَةِ الشَّاهِقَةِ
أَنْتَ مَنْ يُدْرِكُ مَا تَبَقَّى مِنْ فَرَحٍ
فِي جُيُوبِ الْأَمْنِيَاتِ.
أَيُّ هَذَيَانٍ أَجْمَلُ مِنَ أَنّنَا هُنَا
اثْنَانِ، نُؤَدِّي طُقُوسَنَا الْمُخْتَلِفَةَ
عَلَى أَرَضٍ لَا تَعْتَرِفُ بِالْحُبِّ
وَلَا تُؤْمِنُ بِالْمَشَاعِرِ الَّتِي تَكْبُرُ كَالْسَّنَابِلِ
تَطِيرُ فِي السَّمَاءِ كَالْيَمَامِ
وَتَحُطُّ عَلَى الْأَشْجَارِ الْبَعِيدَةِ…
ثُمَّ تُغْتَالُ كَالْشُّهَدَاءِ
عَلَى التِّلَالِ وَالسَّاحَاتِ الْخَالِيَةِ.
لِتَتَحَوَّلَ إِلَى عَصَافِيرَ خَضْرَاءَ
تُؤْمِنُ أَنَّ السَّمَاءَ قَرِيبَةٌ.


الشاعرة والكاتبة التونسية سليمى السرايري
من الديوان الخامس الصادر في 2026

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى