كلنا مختلفون.. والتوحد ليس نقصًا ولا عيبًا،إضاءة على رواية “مُختلف” للدكتور أشرف المسمار

كلنا مختلفون.. والتوحد ليس نقصًا ولا عيبًا،
إضاءة على رواية “مُختلف” للدكتور أشرف المسمار
أ .عفيف قاووق -لبنان
رواية “مختلف” للكاتب الدكتور أشرف المسمار، رواية تقريرية ذات بعد انساني واجتماعي بامتياز كتبت بأسلوب سردي وبلغة أنيقة ببساطتها، وكان لافتا حضور السارد العليم في معظم فصولها، إضافة إلى تقنية الإسترجاع او ما يعرف بالفلاش باك حيث كان الكاتب يتنقل بحرفية من الماضي ومعاناته إلى الحاضر وتحدياته دون ان يشتت هذا التنقل ذهن القارىء لأن حيّان وهو الشخصية المحورية كان حاضرا في معظم تلك المشاهد.
قبل الأنتقال إلى الموضوع الأساس في الرواية وهو طيف التوحد، لا بد من التنويه بموهبة الكاتب وقدرته على توصيفه للأمكنة بلغة فنية تجذب القارىء وتحفزه لتخيل تلك الأماكن، مثل دافوس القرية السويسرية المترامية بين جبال الألب، وبرشلونة وفندق كولون المقابل لكاتدرائيتها، وأيضا كنيسة ساغرادا فاميليا ذات الابراج الأربعة النحيفة والعالية، وكذلك بناء الأوبرا ذي التصميم على شكل كبسولة غريبة تحسبها سفينة فضائية وفي برشلونة كازينو كازا باتلو إحدى إبداعات غاودي الهندسية.ولعل هذا الإسهاب بوصف الأشكال الهندسية والمعمارية قد يكون اللبنة الأولى التي زرعت في ذهن واهتمام الطفل حيّان المولع بمثل هذه المثلثات والاشكال الهندسية ويوجه اهتمامه نحو تخصص الهندسة وهكذا كان.

لم يقتصر الوصف على الأماكن فقط بل ان الكاتب يستعرض مشاعر الأمومة وتفاصيل الحمل بأسلوب وجداني يبرز العلاقة العاطفية بين الأم وجنينها. حيث كانت تشعر بنبض جديد يكمل نبض قلبها، أما الركلات الأولى على جدار بطنها فذات لذّة وأنس خاصّ هي أشبه بحوار أو ربما بوح بينهما. ركلة ناعمة تشبه ضربة ريشتها على اللوحة (وهي الرسامة التشكيلية) وأخرى تشبه ضرب إزميل نحّات (إشارة إلى جواد والد الطفل وهو نحّات).
بالرغم من أن موضوع الرواية يتناول حالة طبية نوعا ما إلا ان الكاتب لم يشأ ان يقدمها كمبحث طبي جاف بل إختار ان يتطرق لهذه المسالة من خلال قالب روائي تمتزج فيه المشاعر الإنسانية والعلاقات الأسرية وتكون مدخلا للإضاءة على جوهر القضية المراد معالجتها.
أشارت الرواية إلى ما يمكن أن يتعرض له المصاب بطيف التوحد من حالات التنمر والرفض من قبل أقرانه الذين تنقصهم التوعية والتربية الصحيحة لتقبل الآخر المختلف، فقد كان حيّان يوصف من قبل أترابه ب “لوح-حيط” ويمنع من اللعب معهم لعدم مجاراته لهم بالمقدرة البدنية على حد زعمهم، لاحقا إبنه صفا المصاب بمتلازمة “داون” عندما حاول مشاركة أقرانه باللعب تم رفضه بحجة ان هذه اللعبة لا تناسبه وانه بطيء لا يستطيع اللحاق بهم.
بالعودة إلى الرواية والمحاور التي يمكن استخلاصها نجد أنها تتطرق الرواية بشكل اساس إلى مسالة التوحد وتطرحه ليس كحالة طبية أو مرضية بل كحالة إنسانية واخلاقية، وقد أسهب الكاتب في الدلالة على أن التوحد هو طيف من الإضطرابات ومجموعة من الأعراض وكل شخص مصاب بالتوحد لديه مزيج فريد من نقاط القوة والتحديات. والتوحد ليس مرضا بل إضطراب نمائي عصبي.
الكاتب الدكتور أشرف المسمار في روايته الهادفة “مختلف” يسلط الضوء على قضية اخلاقية وتربوية من خلال إثارته لمسألة التوحد والنظرة المجتمعية السائدة عن كل مصاب بهذا الطيف ووصفه بالمختلف.
كما سبق وذكرنا لم يقدم الكاتب هذه الرواية كبحث طبي بل حرص أن يقدمها في قالب روائي يحمل في طياته ما يشبه الرسالة التوعوية والتربوية وما يجب ان تكون عليه علاقة الأهل والمجتمع بالإنسان المختلف. ولقد بدأها من خلال الإشارة إلى مؤتمر رجال المال والأعمال في دافوس حيث تجتمع فيه النخبة المتحكمة في اقتصاديات العالم ومصائر الشعوب هذا المنتدى ربما يمثل الحكومة الخفية للعالم، ولكن هذا لم يمنع حيّان المتفوق في عالم الهندسة من اختراق هذا العالم وإثبات قدراته المهنية والإبداعية. فأطفال طيف التوحد وإن كانت تصرفاتهم في سنواتهم الأولى تبدو غريبة أو غير مألوفة بالنسبة إلى المحيطين بهم، كما أن صعوبة تواصلهم مع الآخرين لا تعني غياب قدرتهم على التفكير والإبداع،من هنا تبرز أهمية الدور والمهام الملقاة على عاتق الأهل في كيفية التعاطي مع هذه المسألة.وهذا ما تهدف إليه هذه الرواية.
وفي استعراض لبعض المحاور التي تطرقت إليها الرواية نورد الآتي:
1- طفل مختلف…وأسرة تتفهم.
لقاء صدفة جمعت النحّات جواد بالفنانة التشكيلية سوزان لتتطور العلاقة بينهما وتُكلّل بالزواج الذي تكون ثمرته ولادة طفلهما “حيّان” وهوالشخصية المحورية في هذه الرواية. لتكتشف العائلة وفي سنواته الأولى إصابته بمتلازمة “اسبرجر” التي هي علامة من علامات طيف التوحد.
أمام هذه الحقيقة تزداد المخاوف وتكثر تساؤلات الأهل من قبيل: هل سيتمكن من الدراسة؟ هل يستطيع أن يعيش حياة طبيعية؟ هل سيتمكن يومًا من بناء مستقبله؟.. وهنا يورد الكاتب على لسان سوزان الافكار التي تنازعتها فتقول: “خابت كل احلامي واهدافي وكل اللوحات الجميلة التي رسمتها مخيلتي”. لكنها مع زوجها إختارا تقبل الأمر وعقدا العزم على النجاح في احتواء ولدهما واحتواء اختلافه. وشرعا في البحث المستمر عن معلومات وعلاجات جديدة لهذه الحالة. كما يشير الكاتب إلى الدور الذي لعبته أسرة حيّان حيث بدأ الأب والأم يلاحظان اهتماماته، ويكتشفان الأشياء التي يستطيع التركيز فيها، ويشجعانه عندما ينجح، ويمنحانه الوقت عندما يتعثر وكانا البيئة الحاضنة له فرعاية الأهل والعلاج تجعل المصاب بالتوحد قادر على التعلم والتكيف. فتّم إلحاقه بمركز التأهيل ومن ثم المدرسة وصولاً حتى الجامعة وتخصصه بالهندسة.
2- التوحد ليس مرضا بل إضطراب نمائي عصبي.
تشير الرواية من خلال شخصية حيّان وصفاته إلى بعض السمات الدالة على التوحد فتذكر أنّه كان مختلفًا عن أقرانه؛ قليل الكلام، شديد التعلق ببعض الأشياء، لا يحب الضوضاء ولا التغييرات المفاجئة، ويجد صعوبة في الدخول إلى عالم الأطفال من حوله. كان زملاؤه يركضون ويلعبون ويتحدثون بعفوية، بينما كان هو يفضل أن يبقى قريبًا من عالمه الخاص.
ولم يثره كثير من الاشياء التي تستهوي أقرانه من الأطفال. كما انه يفتقد الى اللعب التخيُلي المهم جدا لنمو الطفل، كما أنّ المصاب بمتلازمة “اسبرجر” يعبر عن الحقيقة كما هي دون مجاملة فالحقيقة عنده لا تحتمل التزييف. لقد قال حيّان مرة لجارتهم أن فطيرتها لم تكن لذيذة، وعندما قالت له أمه “أنت أمير.. أجابها هل لديّ قصر ؟ لا يوجد تاج على راسي لا أنا لست أمير بل أنا حيّان.
3- الإختلاف لا يعني إنعدام الموهبة:
لأجل منح القارىء وحتى الأهل جرعة من التفاؤل والإيجابية،قدّم لنا الكاتب شخصية حيّان بأنه كان يمتلك قدرة لافتة على التركيز في التفاصيل.الأشياء التي كانت تبدو للآخرين عادية، كان يراها بطريقة مختلفة. الأرقام، الأشكال، العلاقات بين الأشياء، التفاصيل الصغيرة التي لا ينتبه إليها كثيرون، كانت تستوقفه وتثير فضوله ولم يعد التعليم بالنسبة إليه مجرد واجبات مدرسية وامتحانات، بل أصبح وسيلة لاكتشاف العالم.
وهنا بدأت موهبته بالتبلور وانتقل حيّان من طفل مختلف إلى مهندس بارع يشارك في أهم المؤتمرات العالمية مثل مؤتمر دافوس حيث أبهر الجميع بموهبته.
4- أسئلة مختلف عليها:
يطرح الكاتب بعض الاسئلة (المختلف عليها) ومنها تساؤل حيّان إذا ما كان هناك من عيب أو خطأ في أن يجلس المرء وحيدًا ؟. فأن تجلس وحيدا هو أن تنعم بترف ومتعة الإستغناء. فمجالسة الكراسي الفارغة أكثر متعة من مجالسة العقول الخاوية. ثم ماذا تقدم لك جموع الناس؟ فغيابهم لا يسبب أي نقص.
وفي موضوع هاجس الإنجاب لدى الأهل يسأل حيّان “من قال أن هذا الكم من الاطفال أرادوا أن يوجدوا فعلا؟ ومن سمح للاباء أن ينجبوهم؟ أذلك حتى يرضوا غرورهم وإقناع أنفسهم ان هؤلاء الأطفال هم الإنجاز الإستراتيجي في حياتهم الخاوية التي تخلو فعلا من إنجازات حقيقية؟.
كما يشير الكاتب ولو بإشارة بسيطة إلى قضية لا تزال إشكالية ومختلف عليها وهي قضية الإجهاض، وهنا تتساءل تيريز زوجة حيان بعد ان نصحها الطبيب بالإجهاض لأن جنينها (صفا) مصاب بمتلازمة داون فتقول: “هل من الحرية أن اتخذ قرارا يخص جسدي ومستقبلي؟ أم أنني أطرق قدسية الحياة ؟”.
5- التحديات التي تواجه الأهل :
ابرزت الرواية ما قد تواجهه العائلة من تحديات في التعامل مع المصاب بطيف التوحد وقد تمثلت هذه التحديات امام سوزان في كيفية الموازنة بين احتياجات حيان العاطفية والمادية واحتياجات الأسرة بأكملها بالرغم من انها تشعر يأن علاقتها ب حيّان تمنحها فرصة لتجربة الحب غير المشروط. كما ان وجود طفل مصاب بالتوحد قد يعيق اهله ويمنعهم من نسج علاقات اجتماعية صحيّة وهذا ما عبر عنه الوالد جواد عندما قال “علاقتنا الاجتماعية محدودة ومتراجعة أيضا، لا نستطيع زيارة أي كان برفقة حيّان”.
وفي موضع آخر تيريز زوجة حيان تقول في سِرّها عن جنينها المصاب بمتلازمة داون: “ستدمر هذه الفلذة مستقبلك، ستجعلك تخسرين أحلامك وطموحاتك، هذا الجنين ببراءته سيقضي عليك وسيبدل مفهوم الأمومة عندك لانه يوجب عليك شقاء وعملا مضاعفا”.
6- حضور المرأة في الرواية :
أظهرت الرواية اهمية الدور الذي لعبته المرأة في الرواية سواء المرأة الأم او المرأة الزوجة، فالبيت لا ينفصل عن الأم هي السكن والسكينة والمأوى الذي يحتضن الزوج والابناء، والعلاقة الآمنة مع الأم تمنح الطفل الثقة وتغرس داخله الشعور بالأمان، وهذا ما فعلته كل من سوزان والدة حيان، وكذلك تيريز والدة صفا. كما تبرز الرواية العلاقة الوثيقة التي نشأت بين حيّان وأمه سوزان التي يرثيها بالقول:.. “كل أيامي ليل بدونكِ، أمي أنا ابنك المختلف الذي يرى العالم بعيون مغايرة، لقد كنتِ أنتِ عالمي كله، كنتِ الجسر الذي يربطني بعالم لم يفهمني تماما وربما لم افهمه، كنتِ الترجمان لافكاري المتشابكة. أمي انتِ الصخرة التي عرجت إلى السماء دون أن تتفتت، والشمس التي تضيء دون ان تُرى، أنتِ الكنز الذي لا يُحصى والعدد الذي لا يُعدّ”. اما المرأة الزوجة فهي تيريز التي وقفت إلى جانب حيان تقول له: أنت أقوى من كل تحدٍّ، أنا أؤمن بك أكثر ممّا تؤمن أنت بنفسك أحيانَا.
ختاما نقول أن رواية مختلف تصلح لأن تكون رسالة توعوية وتشجيعية للأهل الذين اصيبوا بمعضلة التوحد وتهدف إلى لفت نظر المجتمع إلى ضرورة تغيير نظرته إلى المختلف، كلنا مختلفون.. ربما آن الأوان لأن نعيد النظر في مفهومنا عن الاختلاف.
فالتوحد ليس نقصًا ولا عيبًا وهذا ما أورده الكاتب عندما جعل هذا الإصدار “مُهدى لي ولك..فكلانا مختلف..في زمكان ما أو في وجه نظر أحدِهم”.
عفيف قاووق
لبنــان




