أدب وفن

قراءة في نص: إلى قصيدتي/ د. دورين سعد بقلم الناقدة ريما آل كلزلي

قراءة في نص: إلى قصيدتي/ د. دورين سعد
بقلم الناقدة ريما آل كلزلي

برغم أن الشاعرة اعتبرت نصها موجهاً إلى القصيدة ” إلى قصيدتي”، إلا أنه يمكننا اعتبار هذا النص رسالة تأملية في الصيرورة. فهو نص رمزي يستكشف العلاقة المتوترة بين الذات والقصيدة كأنها ” الأنا” الخاصة بالشاعرة. استهلّت الشاعرة نصّها بإنكار ذاتها عن القصيدة ونفي الوجود عنها، عبر اندماج كلي تتلاشى فيه الحدود بين الطرفين. لتصبح العلاقة متجاوزة للخيال والوهم. ومن خلال ذلك، تعيد الشاعرة صياغة الروابط بين الكلمات، مانحة إياها دلالات جديدة، لا سيما عن طريق التداخل الحميم بين الجسد واللغة.
يبدو أن الشاعرة تعيش صراعاً داخلياً بين ما تطمح أن تكونه، وبين ما تشعر به حقاً أو تواجهه من تناقضات، يتجسد ذلك في حالة إنكار متكررة، تنبض بحركة واقعية حملت طابع الرعشة: ” لا أنا امرأة/ ولا أنتِ قصيدة/ حين نلتقي في ذاك الفضاء/ الذي ينزع فيه الوهم ثيابه/ وتبقى الرعشة”. هنا تقدم الشاعرة رؤية متجاوزة للحدود المعتادة، متحدثة إلى قصيدتها كما لو كانت كائناً حياً أو شريكاً نفسياً، يخلق نوعا من الإسقاط النفسي حين تخاطبها، وتضفي عليها صفة الفاعلية.
تصف قصيدتها بالمجيء ” أتيتِني”، مشيرة إلى اكتمال نقص شعوري أو وجودي عبرها، وبذلك ترفض المثالية، حتى في أكثر لحظات الاعتراف والصدق، وكأن القصيدة تجسد الرجل المنشود، أو الرمزية التي تعكس حالات الشوق.
ثم تتحدث الشاعرة عن ذاتها التي ترفض الانحناء بقوة الرفض والانعتاق من القيود المجتمعية، فتصرح: ” وأتيتُكِ امرأة لا تبحث عن مرآة ولا عن رجل يكمل نقصانها”، لتقدم مفهوماً جديداً عن النقص، فتعيد تعريفه كقوة لا يعتريها ضعف. ومع ذلك، نعود لتكشف عن هشاشتها الإنسانية، أنها ليست بخير فهي تحمل ألماً يتجلّى عبر جرح “تعلّم كيف يصير لغة”. مما يبين شدة المعاناة التي تتحول إلى وسيلة تعبير وإبداع.
تنتقل في المقطع الذي يليه من الحديث عن الذات ككيان منفصل إلى الكشف عن العلاقة الثنائية بين الذات والقصيدة، لتصف القصيدة بحالة زئبقية متملّصة، عصيّة على القيد أو التملك، فتقول: ” كلما ظننت أنني أمسكت بمعناكِ انزلقتِ من يدي وتركت لي معنى آخر” ويظهر هذا التوتر بين السعي المستمر والإفلات الدائم أكثر عمقاً في المقطع الرابع، حيث تكتشف الشاعرة إن الوصول إلى آخر السّطر لا يعني الاكتمال، إنما هو مقدمة لبداية جديدة: ” فأكتشف أني لم أبدأ بعد”.
هكذا تستمر الشاعرة في استكشاف العلاقة المتوترة بين الذات والكلمة، بين الإبداع والمجهول كرحلة دائمة التأمل والصيرورة.
تشرع الشاعرة في المقطع الخامس، في تحديد ما تريده من قصيدتها، محاولة التخلّص من القيود والأُطُر المفروضة على المرأة من قبل المجتمع، تعبر عن ذلك بقولها:
“أنا لا أريدك جميلة
إلى الحد الذي يفسدك…
أن يمد أحدهم إلى يقينه فلا يجده”.
هنا يتجلى تأكيدها على رفض المثالية السطحية التي تتلاشى عند أول امتحان، فتستبدلها بسعي صادق نحو حقيقتها. وفي غياب اليقين ” عندما لا يجده” تحاول الشاعرة الوصول إلى جوهر الصدق، كما لو كانت دعوة للتصالح مع النقص بوصفه جزءاً أصيلاً من هوية الإنسان.
يُظهر هذا النص تحوّل وظيفة الشعر من التعبير الجمعي إلى الانشغال بالذات، ففي الشعر الكلاسيكي كانت القصيدة صوتاً يعبّر عن الجماعة، ينطق بتطلعاتها، أحلامها، ويعبر عن همومها، ويلزم الشاعر بدور الناطق الرسمي باسم مجتمعه. أما في القصيدة الحديثة، فقد انصبّ التركيز على الذات، ليصبح الشعر فعل تأويلياً ذاتياً الذاتية، يعيد هيكلة الذات وتحليها، سواء عبر بالتشكيك فيها وفحصها، أو عبر تأمل القيم، الأخلاق، الجمال، وحتى بالشعر المفاهيم الشعرية ذاتها. ويمكن توصيف هذه الحالة بأنها عملية متأخرة من محاكمة الذات ” تفكيك وإعادة بناء العالم الداخلي للذات”. غير أن النص هنا يصعد إلى مستوى أعلى من هذه الديناميكية، إذ يقدم حالة نقد ذاتي حادة يرافقها اعتناء بالشروط التي تمليها الذات على نفسها. يظهر ذلك بوضوح في قولها: ” أنا لا أريدك جميلة… لا أريدك عطراً في الهواء ولا وردة… أريدك حين تدخلين أن يتغير الهواء”.
بهذه الطريقة تضع الشاعرة شروطاً على قصيدتها كأنها تحاكمها، وتفرض عليها دوراً فاعلاً في تغيير الواقع، بعيدا عن الزينة أو التجميل الزائف، لتصبح القصيدة أداة فعالة تحدث تحولات في العالم من حولها.
يمكن وصف المقطع الذي يليه، بتجربة بليغة من لتشخيص والانحناء نحو الداخل، إذ تتجه الشاعرة إلى محاولة ترتيب ذاتها بين الوعي واللاوعي. لتصبح الذات هنا موضوعاً قيد التحليل والمراجعة، بل تتجرأ أحياناً على فضح مكامن الحقيقة للوصول إلى المعنى الأعمق. فتقول:
” كم مرة أخفيتكِ / كي لا يقولوا: امرأة غاضبة/ خفضتُ صوتكِ/ سرّحتُ فوضاكِ/ محوت كلمة كي لا تبدو جارحة/ واستبدلت النار بشمعة/ إنهم يحبون القصيدة حين لا تحرق/ ويحبون المرأة حين تقول الحقيقة بصوت باهت”. في هذا الاعتراف الجريء، تكشف الشاعرة عن محاولاتها لترويض ذاتها، وكبتها لتتوافق مع الأطُر الاجتماعية، حيث قامت مراراً بإخفاء جوانب من حقيقتها، تهذيب صوتها، طمس ملامح الغضب، والتمرد باسم الإرضاء والقبول، فينبعث من النص توتر شديد بيم ما تطمح الشاعرة أن تكون وبين ما يتوقع منها أن تكونه، وهو انعكاس لعلاقة المرأة بالمجتمع الحداثي الذي يخشى الحقيقة الحارقة، ويفضل التجميل والاعتدال.
في نهاية المقطع، يعود النص إلى نقطة تمييز فاصلة بين المرأة والقصيدة، حيث يتم وضع حدود جديدة بينهما. تصبح القصيدة كياناً مرَوّضاً لا يحرق، بينما المرأة هي الأخرى مُلزمة أن تقول الحقيقة، ولكن بصوت خافت، صامت، لا يزعج النظام الحاكم للأشياء. هذه الثنائية بين المرأة والقصيدة تعبر عن معضلة جوهرية قائمة يعيشها المبدع بين التجلي الحر للحقيقة، وقسوة القيود المفروضة على التعبير.
في هذا المقطع، يتحول النص إلى حالة من الغضب والتمرد، تطالب فيه الشاعرة قصيدتها التي تمثل (الأنا) بمشاركتها هذا الغضب العارم، رافضة الانصياع لأدوار التعاطف أو التضحية التي فرضها النمطية الاجتماعية والأخلاقية. فتقول بثبات ووضوح بأنها لن تعتذر نيابة عن قصيدتها، فهي لا تريدها أن تكون مجرد رغيف في يد فقير، أو دمعة على خد يتيم، وترغب بدلاً من ذلك في أن تكون القصيدة قوة تساؤل وتحريض. إنها تريدها أن تسأل الأسئلة التي تكشف الظلم، والبؤس مثل: ” من أخذ القمح” تريدها شامخة قوية مناضلة ضد التنازلات الوجودية.
تتجلى هذه الروح المتمردة بتقديم نقد صارخ للأدوار النمطية المفروضة على الشاعرة والقصيدة، إذ تدين التضحية الذاتية والامتثال الأعمى للأيديولوجيات الرومانسية المرتبطة بالمرأة، الأم، والوطن. تريد الشاعرة قصيدتها أن تتحدى هذه القوالب، وبدلاً من أن تكون مصباح يقبل الإنارة عبر الاحتراق، تطلب منها أن تحاكم الواقع، وتسأل: ” من أطفأ الضوء” عن المدينة.
تمضي الشاعرة في تحديد أهدافها من الكتابة بصراحة، تتمرد ضد القيود الثقافية، وترفض أن تنحصر قصيدتها في قيمة الجمال السطحية: ” أنا لا أكتبكِ / كي يقال ما أجملها/ الجمال أصغر من حاجتي إليك” هنا تتحرر من فكرة الكتابة كأداة للتجميل أو المدح، وتصرّ على ملاحقة الحقيقة، المؤلمة والقاسية، لتسلط الضوء على الظلم الذي أصبح عادة لغوية مستترة، تصل ذروة هذا التمرد حين تقول: ” كي لا يصبح الظلم عادة لغوية/ كي يبقى الميت ميتاً له اسم/ لا رقما في أسفل الشاشة”.
في هذا النقد المثقف، تظهر الشاعرة غضبها من تفاهة التعامل مع الكوارث التي تحول الإنسان إلى رقم، وتحاول مقاومتها عبر اللغة الحية التي تصر على إبقاء الأسماء حاضرة، كنوع من استعادة الكرامة المهدورة.
في إعلان واضح لموقف وجودي ثائر، تنكر الشاعرة فكرة القبول السلبي للواقع، وتأتي بالمعجزة الجديدة التي تحددها بعيداً عن الأحداث الخارقة والنبوات، إنما كفعل شجاع، وهو: ” أن يقول الإنسان لا/ حين تكون نعم أكثر أماناً…” في دعوتها للقصيدة، تكشف الشاعرة عن كلمات وأفعال تمثل المقاومة بكل تجلياتها، وتطلب من القصيدة أن تكون كل ما يعكر صفو القوة الكاذبة ويفكك الدوائر المغلقة للسلطة والطغيان:

” كوني غراباً إن لزم الأمر… صوتاً خشناً فوق نافذة النائم /كوني حجراً صغيراً في حذاء الطاغية/ كوني الشق الذي يبدأ منه الجدار/ ولا تخافي”
تنتهي الشاعرة إلى رفض دورها التقليدي كأم تمنح حياتها لتنشئة القصيدة. وفي هذه العلاقة تتراجع عن فكرة الفناء الذاتي من أجل النص، وتعيد تأهيل العلاقة معها لتكون قائمة على مبدأ التوازن، يداً عن التضحية العمياء: ” لن أكون أمك/ لن أرضعك من دمي/ ثم أموت / كي تعيشي”
ثم تستمر الأوامر والتوجيهات ونصل إلى المقطع الختامي ومحاكمة الذات عبر الأنا الحوارية، فتطلب منها: ” اذهبي/ ادخلي بيتاً لا أعرفه/ اجلسي…/ قولي…/ كوني لها” وأي كينونة تلك التي تصنعها الشاعرة لقصيدتها؟
سيبدو لوهلة أن الشاعرة تأكدت من كينونة تلك القصيدة الواثقة القوية الحرة، فطلبت منها: ” لا تعودي إلي”، هنا وكأنها توصلت إلى حالة قصوى من التصالح مع الدور الجديد المرسوم للقصيدة، بما يجعلها قادرة على الفعل والاستقلال بذاتها. ولكن في حقيقة الأمر تعود الشاعرة لتعترف أمام ذاتها بما فهمته أخيراً: ” فهمت أخيراً/ أن النقص نافذتك/ والشرخ هو المكان الذي يدخل منه القارئ/ فاتركي نهاية لا تصل”. ولا أعلم هنا ما هو القصد من هذا الإطلاق في التعبير، حيث يمكن التحديد، وما هي النهاية التي لا تصل، برغم ذلك طلبت منها ” اتركي سؤالاً من دون علامة استفهام/ واتركي كرسياً فارغاً في منتصف الكلام”.
النهاية المفتوحة، السؤال بلا إجابة، والكرسي الفارغ كلها رموز للإطلاق والتأويل، وهنا سر قوة النص الأدبي، ليس في اكتماله حين يفسح المجال لحرية القراءة والتفكير.
في الختام تعود الشاعرة إلى نقطة الاتحاد والانفصال بين الذات (هي) والقصيدة (الأنا) في لحظة الكتابة والقراءة، فتصف العلاقة المعقدة التي تتجدد فيها الحدود وتتهدم على الفور، وكأنه إعادة تحديد موقع الذات بين ما هو متوقع منها، وبين ما تريد هي أن تكونه، فتقول: لا أنا امرأة حين أكتبكِ/ ولا أنتِ قصيدة حين تقرئينني/ نحن امرأتان تتبادلان الجسد/ …أنا اكتبك فتفضحيني/ أخفيكِ فتظهرين/ أضع النقطة فتفتحين بعدها طريقاً/ وكلما قلتُ انتهيتِ/ سمعتكِ من آخر الصفحة تضحكين/ وتقولين: بل أنت التي بدأت الآن”.
إنه ختام مدهش ومفتوح، يعلن انتصار الذات في رحلتها الطويلة نحو فهم نفسها، وإعادة ترتيبها. تستخلص الشاعرة هويتها من هذا الانحياز للذات. وكأنما وصلت إلى ثورة وجدانية صامتة، تجعل من القصيدة أداة ترتيب ذاتي، وفلسفة جديدة تجعل من التجربة الفردية مفتاحاً لفهم العالم.
هذه القصيدة صرخة إبداعية وجودية، تجعل من التمرد مساراً لتحرير الذات وتجديدها. وبينما تظهر النص كمساحة اعتراف وتأمل حميمي، تجعل منه أيضاً مشروعاً فكرياً للوعي من خلال النقص، الشرخ، الأسئلة المفتوحة. ويا لها من بداية…!

قصيدة الشاعرة د. دورين نصر

إلى قصيدتي

لا أنا امرأةٌ
ولا أنتِ قصيدةٌ
حين نلتقي
في ذاك الفضاء
الذي ينزع فيه الوهم ثيابه
وتبقى الرعشة.

أتيتِني
لا على هيئةِ كلام،
بل كشيءٍ
ينقصُ العالمَ
وأتيتُكِ امرأةً
لا تبحثُ عن مرآةٍ
ولا عن رجلٍ
يُكملُ نقصانَها،
أتيتُكِ
وفي يدي جرحٌ
تعلَّمَ
كيف يصيرُ لغة.

بيني وبينكِ
حوارٌ لا ينتهي،
كلّما ظننتُ أنني أمسكتُ
بمعناكِ
انزلقتِ من يدي
وتركتِ لي
معنى آخر.

أخلعُ عنكِ استعارةً
فتظهرُ استعارة،
أفتحُ فيكِ باباً
فتنفتحُ مدينة،
وأصلُ إلى آخر السطر
فأكتشفُ
أنّي لم أبدأ بعد….

فأنا
لا أريدكِ جميلةً
إلى الحدِّ الذي يُفسدكِ،
لا أريدُ للصور
أن تتزاحمَ على وجهكِ
حتّى لا أرى عينيكِ.
ولا أريدكِ
عطراً في غرفة،
ولا وردةً
تصلحُ لإهدائها
في مناسبة…
أريدكِ
حين تدخلين
أن يتغيّرَ الهواء،
أن يشعرَ الجالسون
أنَّ شيئاً ما
لم يعدْ في مكانه.
أن يمدَّ أحدُهم يدَه
إلى يقينِه
فلا يجده….

كم مرةً أخفيتُكِ
كي لا يقولوا:
امرأةٌ غاضبة.
خفّضتُ صوتكِ،
سرَّحتُ فوضاكِ،
محوتُ كلمةً
كي لا تبدو جارحة،
واستبدلتُ النارَ
بشمعة،
ثمّ اكتشفتُ
أنَّهم يحبّون القصيدةَ
حين لا تحرق،
ويحبّون المرأةَ
حين تقول الحقيقةَ
بصوتٍ باهت….

فاغضبي.
هذه المرّة
لن أعتذرَ عنكِ،
لا تكوني رغيفاً
في يد فقير،
كوني السؤالَ
عمّن أخذ القمح،
لا تكوني دمعةً
على خدِّ يتيم،
اسألي
مَن تركهُ يتيماً،
لا تكوني مصباحاً
في مدينةٍ معتمة،
قولي للمدينة:
مَن أطفأ الضوء؟
فقد مللتُ القصائدَ
التي تُحسنُ وصفَ الخراب
ولا تُسمّي
يدَ الخراب….

أنا لا أكتبكِ
كي يقال:
ما أجملها.
الجمالُ
أصغرُ من حاجتي إليكِ،
أكتبكِ
كي أضعَ إصبعي
على الجرح
وأمنعهُ
من ادّعاءِ الشفاء…
أكتبكِ
كي لا يصبحَ الظلمُ
عادةً لغوية،
كي لا تتحوّلَ المأساة
من كثرةِ تكرارها
إلى خبرٍ قصير…
كي يبقى الميتُ
ميتاً له اسم،
لا رقماً
في أسفل الشاشة…

تعالي إليَّ
بلا يوسف،
بلا موسى،
بلا بحرٍ ينشقّ،
ولا موتى يقومون
لكي تكتملَ الصورة…
دعينا من المعجزات،
المعجزةُ الآن
أن يقولَ الإنسان: لا
حين تكونُ نعم
أكثرَ أماناً….
أن يعيدَ رغيفاً
إلى جائع
من دون أن يلتقطَ صورةً
لجوعه.
أن تحبَّ امرأةٌ
ولا تجعلَ الحبَّ
اسماً آخرَ للفقدان.
هذه معجزاتنا الصغيرة،
فلا تُثقليها
بالأنبياء.

لا أريدُ أن أحملكِ
مثل حمامةٍ
إلى سماءٍ
تمتلئُ بالطائرات،
الحمامُ بريءٌ أكثرَ ممّا ينبغي،
كوني غراباً
إن لزم الأمر،
كوني صوتًا خشنًا
فوقَ نافذةِ النائم،
كوني حجرًا صغيرًا
في حذاءِ الطاغية،
كوني الشقَّ
الذي يبدأُ منه
سقوطُ الجدار…
ولا تخافي
إن قالوا عنكِ:
لست ِجميلة.
ثمّةَ أشياءُ
لا يليقُ بها الجمال…

لا تكوني وطني
لقد تعبتُ
من الأوطانِ التي تطلبُ
أن نموتَ كي تثبتَ أنّها تحبُّنا،
كوني مكاناً
أستطيعُ أن أغادرَه
ثمّ أعود،
مكاناً
لا يسألني
أين كنتُ.
لا يفتّشُ حقيبتي،
ولا جسدي،
ولا ذاكرتي.
مكاناً
لا يطالبُ المرأةَ
أن تكونَ أمّاً له
كلّما جاع…
وأنا أيضاً
لن أكونَ أمَّكِ،
لن أرضعكِ
من دمي
ثم أموتَ
كي تعيشي.
كبرتُ على هذا المجاز.
سأعطيكِ ما أستطيع،
ثمّ أترككِ
تذهبين وحدكِ.
فالقصائدُ التي لا تستطيعُ
المشيَ من دون أصحابها
لم تولد بعد…

اذهبي.
ادخلي بيتاً
لا أعرفه.
اجلسي قرب امرأةٍ
لم أرَ وجهها قط.
قولي لها شيئاً
كنتُ أظنُّ
أنني كتبتهُ لنفسي،
وحين تبكي
أو تضحك
أو تطوي الصّفحة
ولا تقول شيئاً،
كوني لها.

لا تعودي إليَّ.
كلّماحاولت
أن أجعلكِ كاملة
مِتِّ قليلاً.
فهمتُ أخيراً:
النقصُ نافذتكِ.
والشرخُ
هو المكانُ الذي
يدخلُ منه القارئ.
فاتركي نهايةً
لا تصلُ.
واتركي سؤالاً
من دون علامة استفهام،
واتركي كرسياً
فارغًا
في منتصف الكلام.
لعلَّ أحداً
يأتي بعدي
ويجلس.
لا أنا امرأةٌ
حين أكتبكِ،
ولا أنتِ قصيدةٌ
حين تقرئينني.
نحنُ امرأتان
تتبادلانِ الجسد:
أنا أعطيكِ صوتي،
وأنتِ تعطينني
ما لم أجرؤ
أن أقولَه بصوتي.
أنا أكتبكِ
فتفضحينني.
أُخفيكِ
فتظهرين.
أضعُ النقطةَ
فتفتحين بعدها
طريقاً.
وكلّما قلتُ:
انتهيتِ،
سمعتُكِ
من آخر الصفحة
تضحكين،
وتقولين:
بل أنتِ
التي بدأتِ الآن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى