ميراي شحادة* : تتجلّى براعةُ سميّة تكجي في أنسنةِ الأشياء؛ فما تعجزُ الشخصيَّاتُ عن قوله، قد تقولُه وردةٌ، وما يُخفيه الإنسانُ عن نفسِه، تكشِفُه مرآةٌ أو شجرةٌ أو ستارةٌ.

ثنائيّة الجرح والضوء**
سميّة تكجي، كالبحرِ، تُودِعُ الخافقين محارَ أسرارها، فنخرجُ من مخاض دواتها مبلّلين بالحِبر والدَّهشةِ، وهي تُحاصرنا بمنازل أحلامِها حتى نغدو من سُكّانها. يا لمزاميرِها تعزِفُ ألحانَ النَّزقِ، وتشقُّ عُروة الشفق، فتفدُ إلينا نسائمُ حبقِها وتتأنّق عقولنا بما تُورقُ به كرومُ لغتها من صورٍ وأفكار.
نحن قرّاؤها الشغوفون، نشهقُ مع كلّ قصةٍ قصيرةٍ، ونرتديها سوارًا لخيالاتنا، كي تتضفّرَ بها أرواحُنا، وتتّسعَ آفاقُنا، فنمضي في عوالمها أسرى فتنتها ودهشتها.
ثمة كتبٌ نُغلقُها عند الصفحة الأخيرة، وثمة كتبٌ تبقى مفتوحةً في موضعٍ خفيّ من الرُّوح، تعودُ إلينا كلّما أيقظَت الذاكرةُ جُرحًا حسبناه قد اندمل، أو باغتنا ضوءٌ لم نكن ننتظرُه. كتاب «كبسولات من جرح وضوء» ينتمي إلى هذا الصِّنف؛ يقودُ قارئه إلى المسافةِ المُلتبسةِ بين الحكاية والاعتراف، وبين ثقلِ الواقع ويد الخيال التي تمتدُّ لتمنع القلب من السُّقوط
.
منذ العُنوان، تتأسّسُ ثنائيَّةُ الجُرح والضوء بوصفها جوهرَ التجربة. فالجرحُ هنا ليس نقيضَ النور، بل منفذٌ إليه؛ إذ كثيرًا ما تُبصرُ الرُّوحُ ما لم تكن لتراه لولا ما أحدثه الألمُ فيها من شقوقٍ. وحين يأتي الضوءُ، لا يمحو النُّدبةَ، بل يمنحُها مَعنى، ويجعلُها أكثر قابليةً للفهم والاحتمال. أما «الكبسولات»، فهي نصوصٌ قصيرةٌ في حجمها، واسعةٌ في مداها، تحمِلُ جُرعات مكثّفة من الذاكرة والخيبة والحنان والسُّخرية والإنسان.

كتاب «كبسولات من جرح وضوء» ؛ يقودُ قارئه إلى المسافةِ المُلتبسةِ بين الحكاية والاعتراف، وبين ثقلِ الواقع ويد الخيال التي تمتدُّ لتمنع القلب من السُّقوط .
ميراي شحادة
تنبعُ جماليّةُ الكتاب من قُدرته على تحويل التفاصيل الصغيرة إلى مرايا كبرى. وردة، مسبحة، شجرة، ستارة، ساعة، هاتف، مفتاح أو مقعد؛ أشياءٌ مألوفة تفقِدُ صمتَها لتكتسبَ ذاكرةً وحسًّا وصوتًا، فتصبح شاهدةً على الإنسان، لا مجرّد خلفيةٍ لحياته. من هنا تتجلّى براعةُ سميّة تكجي في أنسنةِ الأشياء؛ فما تعجزُ الشخصيَّاتُ عن قوله، قد تقولُه وردةٌ، وما يُخفيه الإنسانُ عن نفسِه، تكشِفُه مرآةٌ أو شجرةٌ أو ستارةٌ.
لا تأتي الفلسفةُ في هذه النُّصوص مُتعاليةً أو مباشرة، بل تتخفّى في ثيابِ الحكاية. سؤالٌ عن الزَّمنِ قد يولد من ساعة، وعن الغربة من شجرة، وعن الحُبّ من هاتف، وعن الموت من أثرٍ تركه الغائبون. والكاتبة لا تقدّم أجوبة جاهزة، بل تتركُ صورةً أو مفارقةً ثم تنسحبُ قليلًا، فيبدأ النصُّ الحقيقي داخل القارئ.
تحضرُ السُّخرية والمفارقةُ بوصفهما وسيلتين لكشف الألم لا للهروب منه؛ نبتسمُ أحيانًا، ثم ندركُ أنَّ خلف الابتسامةِ حقيقةً موجعة. كما يمنحُ التكثيفُ القصصَ القصيرة جدًا قوةً خاصة، إذ تصبحُ كلّ كلمةٍ محسوبةً، وكل نهايةٍ قادرةً على إعادة ترتيب المعنى في ذِهن المتلقي.
أما الذاكرةُ، فهي الروح الخفيّة للكتاب؛ تحفظ الغائبين، والبيوت، والأصوات، والوجوه، لكنّها تُداوي وتوجع في آن. كذلك الحرب والنزوح، فهما لا يُقدَّمان عبر الأرقام، بل عبر التفاصيل: مفتاح بيت، صوت انفجار، خوفٌ يسكن الجسد، ووطنٌ ينكمشُ حتى يصيرَ شيئًا يُحملُ في الجيب.
مع ذلك، لا تستسلمُ المجموعةُ للعتمة؛ ففي كلّ جُرحٍ شيءٌ صغير يقاوم: ذكرى، أغنية، صداقة، شجرة، يدٌ تمتد، أو قُدرة الإنسان على النهوض في اليوم التالي. هذا هو ضوءُ الكتاب الحقيقي: ليس نورًا يمحو الظَّلام، بل مقدارًا من الضوءِ يكفي لرؤية الخطوة التالية.
مبارك يا صديقتي هذا العمل الذي يحوّلُ التفاصيلَ إلى أسئلةٍ، والأسئلةَ إلى وعي، والجُرحَ إلى معنى. مبارك للكلمة حين تُنقذُ شيئًا من الغياب، وللضوءِ حين يجدُ، مهما اشتدّت العتمة، شقًّا صغيرًا يتسلّل منه إلينا!
ميراي شحاده الحدّاد
بيروت في 23 أيلول 2026
*شاعرة و مهندسة رئيسة منتدى شاعر الكورة الخضراء و دار المنشورات الصادرة عنه
** مقدمة كتاب ” كبسولات من جرح و ضوء ” الصادر عن منشورات شاعر الكورة الخضراء عبدالله شحادة الثقافي




