أدب وفن

إبراهيم عوده ..”خارج السور” مجدّدًا

صدر حديثًا عن دار النهضة مجموعة شعرية حملت عنوان ” خارج السور ” للشاعر ابراهيم عوده  وهي مجموعة الشاعر الثانية بعد ” انامل فوق جسد ” الصادرة عن دار ناريمان(طبعة أولى 2018)

……………………………… تقديم
هذا الشعر : القلق تجاه الاشياء
لا تعريفها

د. محمد علي شمس الدين
الشعر فيما هو صورة قديمة من صور القلق البشري تجاه الوجود والمصير الحب والموت والزمن… وسائر المعاني والاحداث يتوسل للتعبير عن احواله ادواتِ اللغة والايقاع والوزن ويحاور ” المعنى” حوارا خاصا يراوح بين حدّي اللعب والموت… غالبا ما يكون الجمال نفسه مسألة قاسية والحب اغراء بالالم وتراوِغ المعاني الشاعرَ ويراودها عن نفسها. لان ما يمنحه له الواقع لا يكفيه فيلجأ الى الخيال وتتحرك في تفسه رغبة الخلق كل ذلك ينتاب الشاعر حين يخطفه حال الكتابة… فالغموض والالتباس في بعض النصوص الشعرية ليسا بالضرورة غموضا في اللغة والتباسا في الصيغة البيانية بمقدار ما هما جزء من غموض الحال والتباسه……. اي قلق الشاعر نفسه تجاه العالم.
يطرح ابراهيم قاسم عودة في قصيدة ” القافلة” وهي اولى قصائد هذه المجموعة الشعرية ” خارج السور” مشكلة في ” المعنى” حيث يصور نفسه في القافلة شاردا يمشي عكس وجهتها ويصير وحده قافلة شريدة… وهذه الصورة المجازية تجعلنا نسأل : أين….. نسأل ونجيب : في التيه.. والتيه يكني عنه الشاعر هنا باللاشيء… ” جهتي هي اللاشيء….. أنا اللاشيء”..
ما هو اللاشيء
أهو اللا معنى.. أهو الفراغ…. الصفر بين الأعداد… اللاجدوى.. العبث. الوهم.. الفراغ…. الخ
فلسفيا نستطيع ان نفترض انه طالما هناك ” شيء” هناك ايضا ” لاشيء” وكما هناك ” معنى” هناك ايضا ” لامعنى”… بالسؤال الفلسفي والظهوري يصعب علينا تعريف ” الشيء” واكثر صعوبة تعريف ” اللاشيء”…. ولعل هذا الشعر الذي لا نراه هنا معنيا بتعريف الاشياء هو معني بقلقه تجاه الاشياء…. هذا هو على الارجح مكان” اللاشيء” في القصيدة… اي اثارة الشك.
ربما تاتي القصيدة التالية وهي بعنوان ” السرداب” لترسم الخطوط الاولية للشعر كما يراه الشاعر…. فالشعر اشبه ما يكون بباب خلف باب خلف باب…. يقول : ” يا مولج السرداب في السرداب في السرداب….” لكن الى اين…. سلسلة السراجيب هذه … لكأننا ندخل داخل شبكة اشبه ما تكون بالمتاهة labyrlnthe. وهذه المتاهة سببها يكمن في طرفين : الموضوع والذات.. فالمعطى او الموضوع غامض والذات قلقة… لذلك يسأل الشاعر : لماذا ” حين فاض الماء في رسم الغيوم / جف في ثغر التراب “… المفارقة التي التقطها هنا هي اذن ان ماء الغيوم الذي يزرع السماء بالخصب يحف في التراب…. وان ما فاض من الماء في غيوم السماء لم ينعكس خصبا على الارض بل حفاف وقحط.
هذا الاحساس القلق ولنقل هذه ” الريبة” تجاه كل شيء هي ما يملي على ابراهيم عودة قصائده على امتداد37 عنوانا متتاليا هي قصائد الديوان. ففي قصيدة ” بحة الناي” سيعود الشاعر الى عين قلقه الوجودي ويطرح المفارقة بقوله : ” يا حكمة الكون كيف الكون نفهمه / يبكي الغمام ويحيا منه من شربا”.. فكأن الشاعر منذور للاشارة لمفارقات الحياة وتناقضاتها والتأمل فيها وطرح الاسئلة عليها… ليس في الامور الكبيرة والجليلة وحدها كالنبي والشاعر وسقراط والصوفي الخ بل في التفاصيل والنوافل ايضا والمشاهدات العابرة : الشفق السوط…. الزيت الناي الريح حبات اللوز الحديقة المراة… الخ ولا تفوته الاشارات العميقة للظواهر من خلال صور استعارية او مجازية شديدة التعبير والدلالة…. ففي قصيدة ” النبي” يختصر الكون في نظره حتى يحتويه البؤبؤ الصغير لحدقة العين. وفي قصيدة ” شاعر”.. تتجلى صورته التي طالما احتجبت عنه في الكرمة حين ينظر اليها …. وغالبا ما يقول : ” اثنان انا اثنان”.. ويلتقط حتى حركة قطرة الماء على جسد البرتقالة… ويحس بوطأة الأشياء في الليل فيقول : ” في عتمة الليل يشتد نجم الحقيقة”….
يولي الشاعر المرأة والحب عددا من قصائد الختام.. ففي قصيدة ” طير ابراهيم” يقول : ” يا ليتني طير ابراهيم جزأني على النساء وأينما يطمئن القلب يبعثني”… مبدعا صورة رائعة من ثيولوجيا الخلق والانبعاث الديني للكائنات.. وفي سائر القصا ئد تظهر الانثى سببا من اسباب وجود العالم.. وسببا من اسباب النشوة بالعالم. حتى ان ” نوحا ” ( حسب قصيدة ” بيت الحب “) لا يبني لنفسه شراعا او سفينة بل بنى” امرأة “
بيروت 27/10/2020.

الشاعر ابراهيم عودة

*يذكر أن الشاعر عوده مواليد مدينة صور 1976 حائز على ماجستير في الصيدلة ومنتسب لنقابة الصيادلة في لبنان واتحاد الصيادلة العرب وشارك في العديد من الأمسيات الشعرية والنشاطات الثقافيّة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى